العمى في الأدب.. تحليل مقارن من ساراماغو إلى الأدب العربي المعاصر

ضبابية الرؤية وعجز البوح بحقيقة العمى سواء في رواية (العمى) للأديب البرتغالي جوزيه ساراماغو الذي حصل بها على جائزة نوبل، أو في رواية الكاتب المبدع البريطاني الملهم هربرت جورج ويلز (بلد العميان)، أو الخرس مؤخرًا في رواية (صلاة القلق) التي حصلت مؤخرًا على جائزة البوكر العربية.. هو ليس عمى النظر فقط، على الرغم من أن الروايتين فعلًا تتحدثان عن وباء ظهر في مدن معينة، ما أصاب أهلها بالعمى فعلًا، ولكن دائمًا الكاتب يبحر فيما هو أعمق مما يبوح به علنًا، وعلى من يقرأ أن يفهم ما بين السطور؛ لأنها رواية تعتمد على الخيال أكثر من الحقيقة، فهي ليست تقريرًا مفصلًا عن أحداث بتواريخ مثبتة.

في هذا المقال، سنستكشف هذا مفهوم رمزية العمى في ثلاث روايات محورية: رواية «العمى» للأديب البرتغالي جوزيه ساراماغو، ورواية الكاتب البريطاني هربرت جورج ويلز «بلد العميان»، ورواية «صلاة القلق» للكاتب المصري محمد سمير ندا.

قبل الخوض في التحليل الفلسفي، من الضروري تصويب الخلط الشائع الذي يحدث أحيانًا بين حبكة روايتي ساراماغو وويلز، لأن لكل منهما قصة مختلفة تمامًا تخدم فكرة العمى المجازي من زاوية فريدة.

رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو (Blindness)

تتناول الرواية التي صدرت عام 1995، وباءً غامضًا ومعديًا يُعرف بـ(العمى الأبيض) يصيب سكان مدينة مجهولة فجأة، لا أحد يفقد بصره تمامًا، بل يرون ضبابًا أبيض حليبيًا. السلطات تعزل المصابين في محجر صحي (مستشفى أمراض عقلية مهجور)، حيث تنهار الإنسانية وتتحول الشخصيات إلى كائنات بدائية تحركها الغرائز للبقاء على قيد الحياة.

رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو

الناجية الوحيدة من هذا الوباء هي زوجة الطبيب التي تتظاهر بالعمى لتبقى بجانب زوجها، وتصبح الشاهدة المبصرة الوحيدة على كل الفظائع. الرواية هي استعارة قاسية لانهيار المجتمع عند فقدان البصيرة والأخلاق.

رواية «بلد العميان» لهربرت جورج ويلز (The Country of the Blind) 

هي قصة قصيرة صدرت عام 1904، وتحكي عن مستكشف ومتسلق جبال يُدعى "نيونز"، يسقط في وادٍ أسطوري معزول عن العالم في جبال الإنديز، سكان هذا الوادي جميعهم فاقدون للبصر منذ أجيال، وقد تكيفوا مع حياتهم حتى أصبح مفهوم (البصر) لا معنى له بل وهرطقة.

 

رواية بلد العميان

ويحاول نيونز، بصفته المبصر الوحيد، أن يشرح لهم عجائب الرؤية ويفرض نفسه ملكًا عليهم، لكنهم يسخرون منه ويعدونه مجنونًا ناقصًا، يقع في حب فتاة منهم، لكن شرط زواجه بها هو أن يضحي بعينيه ليشفى من هلوساته ويصبح مثلهم.

الآن، وبعد توضيح الحبكات الصحيحة، يمكننا إعادة تطبيق تحليلك العميق على أساس سليم.

المبصر الوحيد في عالم أعمى معاناة الحقيقة

فمن يقرأ الروايتين يكتشف حجم معاناة أن تكون الوحيد المبصر وسط عميان، سواء كنت زوجة الطبيب في رواية ساراماغو أو المستكشف نيونز في قصة ويلز، فلا شك أنك ستكون الوحيد المستهدف، ووقتها عليك أن تختار أن تكون قيمك وأفكارك وآراؤك ورؤيتك للحياة في كفة، وتقبُّل المجتمع لك في كفة أخرى، وأن عليك أن تتحمل أن يتهموك بالجنون على الرغم من عقلك الراجح، أو يصفوك بالقبح مثلًا على الرغم من وسامتك، أو بالخيانة على الرغم مما قدمت من تضحيات وطنية.

ولكنك من وجهة نظرهم مختلف، فقد تظهر النقطة البيضاء مدى سواد بقية الثوب، فإما أن تصمد أمام كل هذا أو تضحي ببصرك وتعيش مثلهم من ضمن العميان. فأحيانًا ينهار الحق أمام الباطل؛ لأن الحق حين لا يجد من ينصره يستسلم للباطل، إلا من قرر أن يكون البطل للنهاية.

رواية «صلاة القلق»: عمى الانغلاق الأيديولوجي

وإن تحدثنا عن الروايات العالمية لا ننسى أنه مؤخرًا وجد كتاب مصريون مكانًا لهم بروايات مميزة تتناول المفهوم ذاته، كرواية (صلاة القلق) للكاتب المصري محمد سمير ندا، الذي نفترض في سياق هذا المقال أنه حصل بها عام 2025 على الجائزة العالمية للرواية العربية، وهي تشبه جائزة البوكر العالمية.

تناول هنا الكاتب الفكرة نفسها وهي الانغلاق داخل مكان محدد قد تكون بلدة أو مدينة، ولكن هنا في قرية بعيدة سقطت عليهم شظايا نيزك أصابتهم بوباء وانعزال عن مجريات الحياة، فهم لا يعلمون حتى أن الحرب انتهت بين مصر وإسرائيل حتى عام 1977؛ لأنه لا يوجد غير صحيفة واحدة من ورقة واحدة يتحكم فيما يُكتب فيها الخولي فقط؛ ولذا كان خيال الكاتب واسعًا عندما  رمز لكل ذلك بتمثل الذي كان يدور حوله كل من في القرية اعتقادًا منه أنه ولي، ولكنهم اكتشفوا أنه يرتدي بدلة أي سروالًا وقميصًا وليس جلبابًا، وعندما سقط التمثال وتهشَّم جزء منه، فكل من فى القرية سأل عن التمثال، وليس عن كيفية الدعاء أو الصلاة للنجاة من الوباء القاتل.

رواية صلاة القلق

هنا لا نناقش الكاتب لماذا اختار هذه الرموز؛ لأن القرية أصلًا ليس لها اسم حقيقي، ولكنه مزج الحقيقة بالخيال، لكنه قد يكون قصد فكرة الانغلاق أي حجب الحقيقة؛ ولذا جعل القرية كلها تعتمد على صحيفة واحدة من ورقة واحدة.

وعلى الرغم من أني متفقة مع فكرة كل هؤلاء الأدباء في أن الحقيقية لا بد من إظهارها مهما كانت موجعة، وأن كل كاتب كتب من خلال رؤيته داخل وطنه، لكنني أرى أن الانغلاق تسرب إلى دول وُصفت بأنها متفتحة كإسرائيل، على الرغم من أنها تعامل الفلسطينين معاملة أقل وصف لها أنها غير إنسانية، فإنها في الحقيقة تعامل شعبها بقدر كبير من الاحترام وحقوق الإنسان، وأولها حقه في المعرفة. حتى جاءت حرب إيران يونيو 2025 وتبدل مفهوم الحرية بالغلق، ومحاولة فرض العمى، وإصدار قرارات بحبس واعتقال كل من ينشر صور الهزيمة والانهيارات.

الخلاصة أن الكل يريد نشر النصر فقط، ولا يريد البوح بغير ذلك، ولكن مصر انتصرت فعلًا في أكتوبر عام 1973 فكان لا يضر أن تعلن قبلها الحقيقة، فالنصر كان سيأتي حتمًا يومًا ما.

في النهاية، تستخدم كل هذه الأعمال الأدبية العمى كاستعارة قوية ليس فقط لفقدان البصر، بل لفقدان البصيرة والإنسانية والذاكرة. جوزيه ساراماغو، الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1998 عن مجمل أعماله وليس عن رواية بعينها The Nobel Prize، يرينا كيف أن المجتمع قد ينهار إلى وحشية عندما يُحجب عنه النور الأخلاقي. أما هربرت جورج ويلز، فيستكشف نسبية الحقيقة وما إذا كانت المعرفة قوة أم عبئًا في مجتمع يرفضها. ويأتي محمد سمير ندا ليربط هذا العمى بالانغلاق الإعلامي والأيديولوجي. تعلمنا هذه الروايات أن القدرة على الرؤية الحقيقية لا تكمن في العينين، بل في شجاعة العقل والقلب على مواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة