العمل الإنساني بين الواجب والقانون

ينادي الكثيرون منا بمساعدة المحتاجين. وليس بالضرورة أن تكون تلك المساعدة أو الحاجة مالية أو عينية. فقد تكون نصيحة، أو توصية أو إرشاداً ... الخ. وقد لا يخطر في بال مؤدي خدمة لمحتاجها، أنه ينتظر مقابلاً لتلك الخدمة. أنه يقوم بعمله طوعاً، بناء على ما تمليه عليه قناعته وأخلاقه وحبه للعمل الإنساني، دون شروط مسبقة، ظاهرة كانت أم خفية. وبغض النظر عن وضع متلقي المساعدة ومصداقيته ونواياه. فهناك الكثيرون ممن أدوا خدمة لآخرين بحسن نية، ثم تبين أن من طلب تلك المساعدة وحصل عليها فعلاً، لم يكن بحاجة فعلية لها.

حدثني أحد الأصدقاء من معلمي المرحلة الثانوية، وتسمى في العراق بالمرحلة الإعدادية، وقال: شارك زميلي أسعد من معلمي المدارس الحكومية، بناء على أمر من مديرية التربية والتعليم، في تصحيح دفاتر الإجابة لإمتحانات الثانوية العامة قبل فترة وجيزة. وذات مرة، تناول دفترا لتصحيحه، وكان لأحدى الطالبات. ولما فتح الدفتر، كانت المفاجأة. قامت الطالبة بنسخ الأسئلة كما هي، تاركة بضعة أسطر عقب كل سؤال، تتسع للإجابة المفترضة. وقلب الأستاذ أسعد الصفحة الأولى ثم الثانية ، فوجد رسالة طويلة تغطي الصفحتين الخيرتين من صفحات الدفتر، وموجهة إلى: المعلمة الفاضلة/ الأستاذ الفاضل: أنا فلانة ..... وأختتمت الرسالة بإسم مدرستها الحكومية وأسماء معلماتها ومعلميها ومديرتها وأرقام هواتفهم. ولكي تثبت مصداقيتها، أتبعت ذلك بإسم البقال وبائع الخضار والفواكه في حيهم وإسم البائع في المخبز القريب من بيتهم مع أرقام هواتفهم. لم تذكر الجزار لأنه لا يعرفها، كما تقول في رسالتها. لقد كان للرسالة وقع كبير على الأستاذ أسعد.  ولأن ما كتبته الطالبة من الصعب تصديقه، أعاد قراءة الرسالة مرة أخرى بتأني وتمعن. ومن شدة تأثره، ترقرقت الدموع في عينيه. وقال في نفسه، "لا بد أن تكون هذه الطالبة صادقة تماماً فيما كتبته. فكلامها نابع من القلب، بل هو نابع من ألمها ومعاناتها. ولا يستطيع طالب مهما كان ذكياً أن يقوله من بنات أفكاره."
كان الأستاذ نبيل يجلس على نفس الطاولة ويرمق، زميله أسعد لفترة طويلة، مندهشا من توقفه عن العمل، متسائلاً: لماذا تكاد الدموع تنهمر من عينيه. لا بد وأنه قد وجد أمراً غير عادي في ذلك الدفتر. سأسأله، "ما لي أراك قد توقّفت فجأة عن العمل والدّموع في عينيك؟ هل وجدت في الدفتر الذي بيدك أمراً غير عادي؟" مدّ الأستاذ أسعد يده وناوله الدفتر دون أن ينطق حرفاً واحداً. ثم رفع يديه إلى وجهه ليمسح دموعه قبل أن تصل إلى وجنتيه. وبلهفة، تلقف الأستاذ نبيل الدفتر وفتحه وبدأ بالقراءة. لقد أثرت الرسالة في نفسه. وكما فعل زميله أسعد، رفع كفيه إلى عينيه المليئتين بالدموع ليمسحهما. "إنها تثير الشفقة. لا حول ولا قوة الا بالله. ماذا نفعل لهذه الطالبة وكيف يمكن أن نساعدها؟" فردّ الأستاذ أسعد، "لقد توقف ذهني عن التفكير. هل هذا من المعقول ونحن في القرن الحادي والعشرين؟ ما رأيك لو نستشير رئيس لجنة التصحيح. لا بد وأنه في مكتبه." رد الأستاذ نبيل وقال، "رأيك في محله. هل تذهب إليه وحدك أم نذهب معاً؟" 
"بل نذهب معاً. تفضل معي." 
"ما رأيكما لو نتصل ببعض الأرقام المذكورة في الرسالة ونتحرى صدق هذه الطالبة؟" قال رئيس لجنة التصحيح للأستاذين أسعد ونبيل.
"جئناك طالبين النصح والأرشاد. أنت صاحب القرار هنا."
"حسنا دعوني أدرس الوضع بهدوء وروية. وسأحضر لكما في قاعة التصحيح بعد أن أتوصل لقرار. وأرجو أن يكون قرارا صائبا وفي محله." 
إتصل رئيس لجنة التصحيح بأحد أرقام الهاتف الموجودة برسالة الطالبة، وعلى الصفحة الأخيرة من دفترها. ثم إتصل بصديق له معروف بحسن المشورة وإسداء النصيحة والرأي. وأخيراً أمسك بالدفتر وعاد به الى قاعة معلمي التصحيح. وهناك، إبتذل إبتسامة، وصفق بكفيه لينتبه المعلمون، وقال بصوت جهوري واضح ليتمكن الجميع من سماعه. "زملائي الكرام، هناك حالة انسانية فريدة من نوعها، خاصة وملحة. أرجو أن لا يتردّد أحد منكم بالتبرع بما تجود به أنفسكم وتسمح به ظروفكم. ومن يستطع أن يتبرع بملابس نسائية جديدة، آو تبدو كالجديدة، أن يضع المبلغ في مغلف، والمادة العينية في كيس أو علبة كرتونية دون ذكر أسماء أو ما يمكن أن يشير الى المتبرع. آرجو ممن يأت بشيئ غدا، ماديا كان أم عينيا، أن يضعه في  الصندوق الكرتوني في مكتبي الذي سيكون مفتوحا بالموعد ككل يوم. أما أنا، فسأذهب الى مكاتب دائرة الأمتحانات بناء على طلبهم. وسأضطر للمجيئ متأخرا بعض الشيئ." ثم استدار وسار بضعة خطوات نحو باب القاعة بنية الخروج. وكأنه قد تذكر شيئا هاما آو خطرت في باله فكرة مفاجئة ، فعاد لمنتصف القاعة، وقال: "خبر مفرح للشباب الأعزب. من يرغب بالزواج ويحب أن يكون سعيداً في زواجه، فليتفضل إلى مكتبي قبل إنقضاء ساعات العمل الرسمي لهذا اليوم". ثم إلتفت إلى الزميلين أسعد ونبيل والإبتسامة لا تزال على وجهه، وغمزهما ووضع الدفتر على طاولتهما وشكرهما وخرج من القاعة، عائداً إلى مكتبه.  
وبدهشة، وربما بإستغراب وإستهجان، قال نبيل: "أهذا هو الحل الصحيح والمناسب؟ وعلى م يشكرنا؟ إنه لم يقل لنا ما سنفعل بدفتر تلك الطالبة المسكينة".
زم زميله أسعد شفتيه، وحكّ رأسه ونظر إليه نظرة كالحائرة. والأمر الغريب المفاجئ ، أن يهزّ رأسه دليلًا على الموافقة وأن يبتسم إبتسامة الرضى.
 
 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

القصة واقعية، وجذابة، ومثيرة للتأمل والخيال واختلافات الرأي. قمت بتغيير الأسماء فقط. كما هو الحال في القصة الثانية. وكلتاهما تنتمي للأدب الواقعي.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

القصة واقعية، وجذابة، ومثيرة للتأمل والخيال واختلافات الرأي. قمت بتغيير الأسماء فقط. كما هو الحال في القصة الثانية. وكلتاهما تنتمي للأدب الواقعي.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

قصة جميلة و ما احوجنا في ايامنا هذه لهذه النفسيات الجميلة لنخرج من هذه الغمة يد واحدة قوية
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.