علم أن العقل خلقه الله تعالى، وجبَل عليه النسيان والحفظ، وطبيعيًّا العقل ينسى ويحفظ، وهذا العقل له مهمات، منها: الفهم به، الحفظ به.
اقرأ أيضاً العلم والتكنولوجيا.. هل يوجد كائنات فضائية في الكواكب؟
العلم والقرآن
والعلم هو نور هذا العقل الذي يحفظ ويفهم، وبه اختص الله من بني آدم وسماهم علماء، ولقد دلت الآي القرآنية على حفظ هذا العلم، ونسيانه من الكوارث التي تحلُّ بالناس، يقول الله تعالى:
{ بَلۡ هُوَ ءَایَـٰتُۢ بَیِّنَـٰتࣱ فِی صُدُورِ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا یَجۡحَدُ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ } [سُورَةُ العَنكَبُوتِ: ٤٩]
والعرب يقولون: علمه في صدره، أي محفوظ.
ويقول تعالى: { سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰۤ } [سُورَةُ الأَعۡلَىٰ: ٦]
القراءة هنا هي بيان قوله تعالى في موضع آخر، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأۡنَـٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ} [سُورَةُ القِيَامَةِ: ١٨]
فإذا اتبع القراءة وردَّد تباعًا لم يَنسَ.
وهذه الآيات تستعرض أهمية حفظ العلم، وقد ثبت أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا لأبي هريرة رضي الله عنه حين شكا نسيانه للعلم ولعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضًا.
فقد علمنا أن أكثر العلم مكتوب ليس محفوظًا في العقول والصدور، فحفظ هذا المكتوب واجب على طالب العلم؛ لأنه إذا ضاع ضاع العلم.
اقرأ أيضاًتعرف على علاقة النظم التعليمية بالاكتئاب عند أطفالنا
دور العلم فى بناء العقل
فأول شرط نيل العلم الذكاء وهو سرعة الفطنة وحِدَّة العقل... يكون طالب العلم في طلبه ذكيًّا؛ وذلك يعينه على ما يريد أن يأخذ من العلوم والفوائد، وقد عبَّر الشافعي عن الذكاء بالعقل في بيت له:
علمي معي حيثما يمّمت ينفعني قلبي وعاء له لا بطن صندوق
وإذا كان له عقل ضابط فلا يفوت عليه شيء، ويكون كما قال الشافعي، وكما أراد هو أيضًا لنفسه.
فأما إن لم يكن له إلا العقل الضعيف، فلا يستقر علمه، فييأس منه. وضعف العقل قد يكون مرضًا عظيمًا لطالب العلم؛ وبذلك لا يسره ما يتعلم.
اقرأ أيضاً الخيال العلمي والتنبؤات المستقبل.. هل الروايات تدخل في الخيال؟
دور العلماء القدامى فى نقل العلم
والعلماء في الزمن الماضي، وصلوا إلى هذه الدرجة بالحفظ القوي، وبالتدقيق المتفرد، وبالوعي الصحيح.
استطاعوا بذلك أن ينقلوا إلينا علمًا صحيحًا بلا خطأ، ويوجد منهم من عقله مفرط، وذكاؤه متوقد. فنبدأ من الصحابة الذين نقلوا هذا العلم إلينا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. كابن عباس رضي الله عنهما، لقد سُئل كيف نال العلم، فأجاب بهذا الكلام الجميل: "أدركت العلم بلسان سؤول وقلب عقول وبدن غير ملول".
أمنا عائشة رضي الله عنها، كانت آية في العلم، وقد أخذ عنها الصحابة العلم الكثير؛ وذلك لأنها سمعت كثيرًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنها كانت تعرف كثيرًا من الطب، فلما سُئِلت عن ذلك، قالت بسبب أنها تحفظ كثيرًا منه. وأبو هريرة رضي الله عنه، حفظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأداها بأمانة ولا خيانة.
دور التابعين فى حفظ العلم
وإذا أتينا إلى عصر التابعين والتابعين لهم، وجدنا علماء حُفَّاظًا، لم يضيعوا العلم، بل حفظوه ونقلوه بلا نقصان. فعلى سبيل المثال، الإمام الشافعي الذي ثبت عنه أنه حفظ مؤطأ مالك في يوم واحد، واختبره الإمام مالك، فلم يخطئ في ذكر ما حفظ.
ونأتي إلى الإمام البخاري وغيره من المحدثين الذين رووا الأحاديث، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، فكلهم أتقنوا حفظهم للعلم الذي هو مهمتهم.
والسؤال الآن: أيٌّ من العلم يُحْفَظ؟
الجواب عند ابن القيم:
العلم قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، ليس بالتمويه.
فكلام الله تعالى في الأصل محفوظ عنده في اللوح المحفوظ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [سُورَةُ البُرُوجِ: 22،21]
وكلام رسوله صلى الله عليه محفوظ حتى كُتِب، ولقد اشتغل المحدثون بحفظ أحاديثه صلى الله عليه وسلم، وبهذا الحفظ نخلوا ما لا يثبت منها وغربلوها فاحتفظوا بما صح منها، فتركوا العمل بما لم يثبت.
لقد انفرد أهل الحديث باسم لا يُطلَق إلا على حاذق، وهو حافظ، فدرجة الحافظ ليست درجة يستهان بها.
وكلام الصحابة رضي الله عنهم، يجب حفظه؛ لأنهم هم أدرى بكتاب الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك فالعلماء لا يأخذون بما لم يقولوا به في العلم.
والسؤال الآن: هل الفهم يحل محل الحفظ؟
اقرأ أيضاً العلم والحياة.. هل العلماء ساهموا في تغيير تفكير الإنسان؟
دور الفهم والإدراك
الفهم هو إدراك العلم دون ذكر لفظه، فيكون مفيدًا إلى جانب الحفظ، كما يكون مقوِّيًا له، وليس كل شيء يدخل فيه الفهم، كالقرآن الكريم، فلا يقول أحد: فهمت القرآن ولم أحفظه، فهذا لا يمكنه يقرأ في الصلوات من فهمه، بل من حفظه.
فالعلم يكون عزيزًا إذا ردف الحفظَ فيه الفهمُ، فالفاهم أفضل من الحافظ، والحافظ لأي شيء غير القرآن بدون فهمه، لا قيمة له، ولقد شبّه العرب من لا يفهم ما يحفظ بالحمار.
جاء القرآن بهذا التشبيه في معرض كلام بني إسرائيل: { مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ } [سُورَةُ الجُمُعَةِ: ٥]
"هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدِ اقْتَنَعُوا مِنَ العِلْمِ بِأنْ يَحْمِلُوا التَّوْراةَ دُونَ فَهْمٍ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ ادِّخارَ أسْفارِ التَّوْراةِ وانْتِقالَها مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ كافٍ في التَّبَجُّحِ بِها وتَحْقِيرِ مَن لَمْ تَكُنِ التَّوْراةَ بِأيْدِيهِمْ، فالمُرادُ اليَهُودُ الَّذِينَ قاوَمُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ"
ولقد ذمّ الله اليهود أيضًا لسوء الحفظ: { إِنَّاۤ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِیهَا هُدࣰى وَنُورࣱۚ یَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِیُّونَ ٱلَّذِینَ أَسۡلَمُوا۟ لِلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِیُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَیۡهِ شُهَدَاۤءَۚ فَلَا تَخۡشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِی ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ } [سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٤٤]
"وكانُوا حَفَظَةً عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُرّاسًا لَهُ مِن سُوءِ الفَهْمِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ ويَحْمِلُونَ أتْباعَهُ عَلى حَقِّ فَهْمِهِ وحَقِّ العَمَلِ بِهِ".
السؤال الآن: كيف يكون الحفظ جيدًا؟
هل الحفظ له أهمية فى تلقى العلم؟
الحفظ الجيد ينبني على القراءة الجيدة، فالذي لا يقرأ جيدًا ويخرم بعض الأماكن أو الحروف، فإنه لا بد يحفظ شيئًا غير متقَن.
يُشترَط التكرار والنظر الجيد والسماع الجيد قبل الحفظ؛ ليرسخ الشيء المحفوظ، وإلا جاء الحفظ ضعيفًا، وقد مِيل عن التركيز على ضعيف الحفظ بهذا السبب عند المحدثين. وقد ذكر بعض الشناقطة أنهم يحفظون القرآن الكريم بالتكرار أكثر من مائة مرة.
فمن توخَّى وقتًا معينًا للحفظ استطاع ذلك بدون أي مشقة.
السؤال الآن ماذا يُحفَظ؟
جاء في الجواب عن العلم، أن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكلام الصحابة أولى، فمن أراد حفظ شيء فليحفظ كتاب الله تعالى وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم، والقرآن يقوِّي الذاكرة، ويبعد النسيان عن الإنسان.
السؤال الآن هل الفهم يسبق الحفظ؟
الجواب عن هذا السؤال يختلف نسبيًّا بالنسبة للناس، فيوجد منهم من يفهم أولًا قبل الحفظ، ومنهم من يحفظ قبل الفهم، والفهم قبل الحفظ أيسر لدى بعض الناس، بينما الحفظ قبل الفهم أيسر لدى بعض دون عسر.
مسألة: لماذا قرن الله الرسوخ في العلم بالعقل في سورة آل عمران: {هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰتࣱ مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتࣱۖ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّ ٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ} [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٧]
ذكر الله أشياء في هذه الآية: العلم، الرسوخ فيه، العقل. والرسوخ فيه كما قال ابن كثير في تفسيره: أي يفهمونه، ويقول القرطبي في تفسيره: قيل للعقل لب.
مسألة: لماذا يستثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الناس لفهم الحلال والحرام في هذا الحديث: "إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس..."؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.