فهم جديد للعلمانية والدولة المدنية في السياق العربي

ليست المشكلة في العلمانية، في سياقنا العربي المعاصر، أنها مفهوم وافد من تاريخ آخر، ولا في الدين أنه حاضر في المجال الاجتماعي والسياسي، وإنما في الطريقة التي تتحول بها المفاهيم حين تُغلق على نفسها وتدّعي امتلاك معنى نهائي لا يحتاج إلى مراجعة. 

فالدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية مغلقة يفقد شيئًا من قدرته على إنتاج المعنى، والعلمانية حين تتحول إلى عقيدة مكتملة تفقد بدورها قدرتها على فهم الواقع المتغير، وكلاهما، على اختلاف المرجعيات، يمكن أن يتحولا إلى شكل من أشكال التصلب الذي يعجز عن عبور الزمن. وبذلك لا تبدأ فلسفة العبور من السؤال التقليدي: هل نحن مع العلمانية أم ضدها؟ وإنما من سؤال آخر أكثر جذرية: كيف يمكن للمجتمع أن ينظم تعدده دون أن يحوّل اختلافه إلى حرب على الحقيقة؟

العلمانية كصيرورة تاريخية لا كنموذج جاهز

في هذا المستوى يمكن النظر إلى العلمانية لا بوصفها مذهبًا نهائيًا في الدين، ولا بوصفها نقيضًا للإيمان، وإنما باعتبارها إحدى الصيغ التاريخية التي حاول الإنسان منها إعادة ترتيب الحدود بين مجالات مختلفة كانت متداخلة في بنية اجتماعية واحدة.

فقد نشأت في السياق الأوروبي ضمن تحولات طويلة أعادت توزيع الوظائف التي كانت تؤديها المؤسسات الدينية، ودفعت المعرفة والسياسة والقانون والاقتصاد والتعليم إلى الاستقلال النسبي عن المؤسسة الكنسية، ولم يكن ذلك نتيجة فكرة فلسفية واحدة هبطت على التاريخ من الخارج، بل نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وعلمية وسياسية أعادت تشكيل الحياة نفسها.

وهنا تكمن أهمية النظر إلى العلمانية باعتبارها صيرورة لا باعتبارها نموذجًا جاهزًا؛ لأن الصيرورة تعني أن المجتمع لا ينتقل من «الديني» إلى «العلماني» كما ينتقل قطار من محطة إلى أخرى، بل يعيد بصورة مستمرة تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة والعلم والقانون والأخلاق والمجتمع.

فالتاريخ لا يعرف حدودًا ثابتة تمامًا بين هذه المجالات، وإنما يعرف حدودًا يعاد رسمها كلما تغيرت شروط الحياة. وما كان في عصر من اختصاص المؤسسة الدينية يمكن أن يصبح في عصر آخر مجالًا للمؤسسة المدنية، وما كان يُدار بالمرجعية التقليدية يمكن أن يدخل في نطاق المعرفة العلمية أو القانون الوضعي، دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء الدين من حياة الإنسان.

تجاوز الثنائيات الصلبة نحو «العلمانية العابرة»

وهذا التفريق ضروري؛ لأن أحد أكبر أخطاء الخطاب حول العلمانية هو تحويلها إلى ثنائية صلبة: إما دين وإما علمانية، إما إيمان وإما عقل، إما تراث وإما حداثة. مثل هذه الثنائيات تفترض أن الهوية السياسية والثقافية كتل مغلقة، في حين الواقع أكثر سيولة من ذلك بكثير. فالإنسان يمكن أن يكون متدينًا ومواطنًا في الوقت نفسه، ويمكن أن يستند في حياته الخاصة إلى منظومة إيمانية، في حين يحتكم في المجال العام إلى قانون مشترك لا يشترط وحدة العقيدة.

ويمكن للمجتمع أن يحتفظ بذاكرته الدينية والرمزية، وفي الوقت نفسه يطور مؤسساته المدنية والعلمية. وليس في ذلك تناقض بالضرورة، لأن التعدد لا يعني تفكك المجتمع، وإنما يعني قدرته على استيعاب أكثر من مصدر للمعنى داخل فضاء سياسي واحد.

من هنا تقترح فلسفة العبور مفهومًا مختلفًا للعلمانية: العلمانية العابرة. والمقصود بها ليست علمانية تنقل النموذج الأوروبي كما هو إلى مجتمع آخر، وإنما قدرة المجتمع على العبور من وضع تاريخي إلى وضع جديد دون أن يحوّل هذا العبور إلى عملية اقتلاع للذاكرة أو إلغاء للمعتقد أو استنساخ لنموذج أجنبي. فالمفاهيم حين تنتقل بين الحضارات لا تنتقل بأجسادها الأصلية؛ إنها تتغير في أثناء انتقالها، وتكتسب معاني جديدة من البيئة التي تدخل إليها. وما يسمى «العلمانية» في فرنسا ليس بالضرورة هو نفسه في بريطانيا أو هولندا أو إيطاليا، فضلًا عن أن يكون مطابقًا لما يمكن أن يعنيه في العراق.

وهنا تصبح السيولة شرطًا لفهم العلمانية، لأن المجتمع السائل لا يمكن أن يُدار بحدود صلبة بين هويات متعارضة، ولا يمكن أن يُختزل في مرجعية واحدة تحتكر تعريف الخير والحق والمصلحة العامة. والسيولة لا تعني الفوضى، كما لا تعني أن كل شيء صحيح بالقدر نفسه، وإنما تعني الاعتراف بأن المجال الاجتماعي والسياسي يتحرك باستمرار، وأن القوانين والمؤسسات والتصورات العامة ينبغي أن تمتلك قابلية للمراجعة والتعديل. فالدولة التي لا تستطيع مراجعة قوانينها تصبح أسيرة ماضيها، والدين الذي لا يستطيع إعادة قراءة علاقته بالعالم يتحول إلى بنية مغلقة، والعلمانية التي لا تستطيع مراجعة نفسها تتحول إلى أيديولوجيا جديدة.

الدولة المدنية: إعادة تنظيم السلطات والمعاني

ولذلك فإن فصل الدين عن الدولة، إذا أُخذ بصورة ميكانيكية، لا يكفي لبناء الدولة المدنية؛ فالمطلوب أعمق من مجرد الفصل المؤسسي، إنه إعادة تنظيم العلاقة بين السلطات والمعاني. الدولة لا يجب أن تصبح دينية بحيث تستمد شرعيتها من تفسير ديني واحد، ولا يجب كذلك أن تتحول إلى سلطة مضادة للدين تتعامل مع الإيمان باعتباره بقايا تاريخية يجب التخلص منها.

الدولة المدنية هي التي تفتح المجال أمام الدين ليكون مصدرًا للمعنى الأخلاقي والثقافي والاجتماعي بالنسبة إلى المؤمنين، دون أن تسمح لأي تأويل ديني بأن يتحول إلى احتكار للسيادة السياسية.

وحينئذ تظهر قيمة التعدد، فالتعدد ليس وجود جماعات كثيرة داخل الدولة، بل هو القدرة على جعل هذه الجماعات تعيش داخل نظام سياسي لا يطلب منها التخلي عن اختلافها لكي تصبح مواطنة.

الدولة المتعددة لا تبحث عن إزالة الاختلاف، وإنما عن إنتاج قواعد تسمح بإدارته؛ ولذلك فإن الديمقراطية لا يجب أن تفهم بوصفها آلية لاختيار الحاكم، بل بوصفها نظامًا لإبقاء الحدود مفتوحة أمام التغيير والتفاوض والمراجعة.

الانتخابات نفسها تصبح بلا قيمة إذا كانت النتيجة المتوقعة منها هي تحويل الأغلبية إلى مالكة للحقيقة، لأن الديمقراطية التي تسمح للأغلبية بإغلاق المجال أمام الأقلية تتحول من نظام للعبور إلى نظام للتجميد.

وفي هذا السياق يمكن فهم العلاقة بين العلمانية والديمقراطية بطريقة أكثر تركيبًا. ليست العلمانية شرطًا كافيًا للديمقراطية، فالتاريخ عرف أنظمة فصلت الدين عن الدولة لكنها لم تحترم الحرية ولا التعدد، ثم إن وجود الدين في المجتمع لا يمنع بالضرورة إمكان الديمقراطية.

الشرط الأعمق هو وجود مجال سياسي لا تستطيع فيه أي جماعة أن تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية التي تمنحها حق السيطرة على الآخرين؛ لذلك فإن العلمانية التي تهم فلسفة العبور ليست علمانية الإلغاء، وإنما علمانية منع الاحتكار؛ أي تنظيم المجال العام بحيث لا تتحول مرجعية واحدة، دينية كانت أم قومية أم أيديولوجية أم حتى علمانية، إلى سلطة نهائية فوق النقد.

التجربة العربية وإشكاليات «الاستيراد والتوطين»

ومن هنا يمكن إعادة قراءة التجربة العربية والإسلامية بعيدًا عن عقدة «الاستيراد». فالمشكلة ليست أن العلمانية ولدت في أوروبا، لأن معظم المفاهيم السياسية الحديثة التي نستخدمها اليوم قد عبرت الحدود أصلًا، وتغيرت في أثناء انتقالها. الدولة الحديثة، الدستور، الديمقراطية، المواطنة، حقوق الإنسان، الجامعة الحديثة، الصحافة، حتى كثير من أشكال التنظيم الإداري، كلها نتاج تفاعلات تاريخية عابرة للثقافات.

الحضارات لا تعيش في جزر منفصلة، وإنما تتكون من الاقتراض والترجمة والتأويل وإعادة البناء، ولذلك فإن رفض فكرة ما لمجرد أنها ظهرت في مجتمع آخر يشبه رفض المرآة لأنها صُنعت في بلد آخر. المهم ليس مكان صناعة المفهوم، وإنما ما إذا كان قادرًا على الدخول في حوار منتج مع واقعنا.

لكن العبور لا يعني التبعية. فحين يدخل مفهوم جديد إلى مجتمع ما يجب ألا يبقى كما كان، وإلا تحول إلى استعارة سطحية. إن المطلوب هو توطين المفهوم عبر إعادة تأويله، أي إدخاله في شبكة التاريخ المحلي والذاكرة والثقافة والمصالح والبنى الاجتماعية. ولهذا فإن العلمانية العراقية، إن أمكن الحديث عنها بهذا الاسم، لن تكون نسخة فرنسية ولا بريطانية ولا تركية، بل ستكون نتيجة التوترات الخاصة بالمجتمع العراقي نفسه، بتعدده الديني والمذهبي والقومي، وبخبرته الطويلة مع الدولة والسلطة والحرب والطائفة والحزب والمرجعية.

نحو صيغة عبور عراقية للمجتمع والدولة

العراق، بهذا المعنى، لا يحتاج إلى استيراد علمانية مكتملة بقدر ما يحتاج إلى بناء صيغة عبور عراقية تسمح للمواطن بأن يكون أكثر من هوية في الوقت نفسه، وللدولة بأن تكون أكثر من مؤسسة للغلبة، وللدين بأن يبقى مجالًا للروح والمعنى دون أن يتحول إلى جهاز لاحتكار السياسة. وهذه الصيغة لا تقوم على محو الاختلاف، وإنما على تحويل الاختلاف من مصدر للخوف إلى مصدر لإنتاج المجال العام.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نخرج من هيمنة تفسير واحد للعالم لكي ندخل في هيمنة تفسير واحد جديد. ففلسفة العبور لا تبحث عن «النظام النهائي» الذي ينهي الصراع، وإنما عن نظام يظل قادرًا على الحركة. ولا تبحث عن مجتمع بلا حدود، فهذا مستحيل، بل عن حدود قابلة للعبور والمراجعة. ولا تريد إلغاء المقدس، وإنما منع تحويل المقدس إلى حصانة سياسية. ولا تريد إلغاء العلمانية، وإنما تحريرها من التحول إلى عقيدة مغلقة.

لهذا يمكن أن يكون السؤال العراقي الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى العلمانية؟ وإنما: أي علمانية تستطيع أن تعبر بنا دون أن تقتلعنا من ذاكرتنا، وأي دولة تستطيع أن تتعدد دون أن تتشظى، وأي دين يستطيع أن يبقى حيًا دون أن يتحول إلى سلطة مغلقة، وأي سياسة تستطيع أن تختلف دون أن تجعل من المختلف عدوًا؟

آفاق العبور: الحرية بلا إغلاق للحقيقة

عند هذه النقطة يصبح العبور أكثر من استعارة؛ يصبح مبدأً في بناء الدولة والمجتمع. فالدولة التي تعبر هي الدولة التي لا تتجمد في هوية واحدة، والمجتمع الذي يعبر هو المجتمع الذي لا يخاف من اختلافه، والدين الذي يعبر هو الدين القادر على إعادة قراءة علاقته بالزمن، والسياسة التي تعبر هي السياسة التي تقبل بأن الحقيقة العامة لا يملكها حزب ولا طائفة ولا مؤسسة دينية ولا أيديولوجيا.

وربما تكون العلمانية، في أعمق صورها الممكنة داخل فلسفة العبور، ليست نهاية الدين ولا انتصارًا عليه، وإنما إعادة ترتيب المسافة بين المقدس والزمني بحيث يستطيع الاثنان أن يعيشا دون أن يبتلع أحدهما الآخر؛ وهي ليست إغلاقًا لباب الحقيقة، بل إبقاء الباب مفتوحًا أمام الإنسان، لأن المجتمع الذي يغلق أبوابه على معنى واحد قد يجد نفسه، بعد زمن، يعيش داخل سجن بناه من اليقين، في حين المجتمع الذي يعرف كيف يعبر، يظل قادرًا على أن يرى في اختلافه طريقًا آخر إلى الحياة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة