اللغة والأمة.. كيف مثَّل اللسان هوية القومية العربية؟

هل اللغة أداة للتواصل، أم هي الروح التي تكوِّن وجدان الأمم وترسم حدود هويتها؟ تبدو العلاقة بين اللغة والأمة بديهية، لكنها في الحقيقة إشكالية فلسفية وتاريخية معقدة، كانت محورًا لصراعات فكرية وسياسية كبرى. وتُعد العلاقة بين اللغة والأمة إحدى أكثر الإشكاليات الفكرية جوهرية في تكوين العالم الحديث، فهل اللغة هي أداة تواصل، أم أنها الوعاء الحامل لروح الأمة وذاكرتها ومحدد هويتها الأول؟

انطلاقًا من هذا السؤال، يتتبع هذا المقال المسار التاريخي والفكري لمفهوم القومية، مستعرضًا كيف تطورت النظرية اللغوية للأمة في أوروبا، لا سيما في الفكر الألماني والنمساوي، وكيف انتقلت هذه الأفكار وتكيفت في سياق الإمبراطورية العثمانية لتصبح حجر الزاوية في تعريف القومية العربية. باستعراض آراء مفكرين بارزين كـساطع الحصري، يقدم النص تحليلًا معمقًا لكيفية تحول اللغة من عامل ثقافي إلى محرك سياسي أساسي في بناء الدول وتحديد مصائر الشعوب.

العلاقة الظاهرية بين اللغة والأمة سهلة أم معقدة؟

تبدو العلاقة بين اللغة والأمة للوهلة الأولى سهلة، فاللغة عامل أساسي في تكوين الأمم، وهي الرابط بين أبناء الأمة الواحدة والمشكِّل لوجدانهم القومي. ولكل أمة لغة، وغالبًا ما تنفرد بها؛ حتى ليمكن قلب المعادلة في بعض الأحوال والقول إن كل لغة أمة.

العلاقة بين اللغة والأمة

وقد تأكدت هذه العلاقة في العصور الحديثة عندما تكونت الأمم واللغات القومية في آنٍ معًا في أوروبا ابتداء من القرن الخامس عشر على أثر اضمحلال اللغة اللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للكنيسة الكوسموبوليتية وللإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة متعددة القوميات، وحلول اللهجات العامية محلها، وتحولها إلى لغات قومية.

مفارقة التاريخ.. أسبقية اللغات على الأمم

على أن تعقيد العلاقة بين اللغة والأمة ينجلي للعيان عندما نأخذ في الحسبان ليس وقائع التاريخ الحديث والأوروبي فحسب، بل كذلك وقائع التاريخ القديم. وهنا نلاحظ مفارقة، وليس تطابقًا، في المسار الزمني. فاللغات أسبق ظهورًا في التاريخ من الأمم. فكثير من أمم العالم القديم يعود تكوينها التاريخي إلى ما قبل الميلاد. وهذا يصدق بوجه خاص على الأمة الصينية والهندية.

وتقدم الأمة العربية بدورها مثالًا على العراقة في التكون التاريخي، إذ إن جذورها تمتد إلى القرون الأولى من التاريخ الميلادي، ثم جاء الإسلام ليعطيها ابتداء من القرن السابع الشكل المكتمل والنهائي لمسار تكوينها.

جذور الأمة العربية

ولكن عراقة اللغات وعراقة أمم العالم القديم لا يجوز أن تغيب عن أنظارنا حداثة القومية، فقد كان لا بد من انتظار القرن الثامن عشر لترى الفكرة القومية النور في أوروبا، والقرن التاسع عشر لتراه في آسيا، والقرن العشرين لتراه في بعض دول إفريقيا.

الفكر القومي الأوروبي اللغة بين السياسة والثقافة

وفعلًا، وابتداء من القرن الثامن عشر، أخذ يتضح، على صعيد الفكر السياسي، الدور الذي تؤديه اللغة في تكوين الأمم والوجدان القومي للشعوب. ومن هذا المنظور يمكن القول إن اللغة ورثت الدين. فالإمبراطوريات التي كانت تقوم في الغالب على أساس ديني، أخلت مكانها للدول القومية التي تقوم -في الغالب أيضًا- على أساس اللغة.

المدرسة الألمانية.. اللغة أداة للتوحيد السياسي

ومن هذا المنظور، ليس من قبيل المصادفة أن يكون الفكر القومي النظري ما رأى النور إلا لدى الأمم التي لم تتمكن، حتى مطلع القرن التاسع عشر، من حل مسألتها القومية. فالدول التي أوصلها تطورها التاريخي الطبيعي إلى شكل الوجود القومي، مثل إنجلترا وفرنسا، جُل اهتمامها على صياغة نظرية السيادة القومية: أهي للشعب أم للملك؟ للبرلمان أم للبلاط؟ وبالمقابل فإن مفكري الأمم التي لم تحل بعد مسألتها القومية ولم تحقق وحدتها القومية، عكفوا على نظرية الأمة ليحددوا عوامل تكوينها.

ونظرًا إلى تطور الإنتلجانسيا الألمانية من جهة أولى، وإلى تشتت الأمة الألمانية بين عشرات الدول والإمارات من جهة ثانية، فقد أدى المفكرون الألمان دورًا رئيسًا في صياغة الإشكالية القومية وفي إعطاء مكانة الصدارة في هذه الإشكالية لعامل اللغة.

الأمة الألمانية

المدرسة النمساوية والماركسية.. اللغة عامل للهوية الثقافية

وثمة واقعة تاريخية أخرى يجب هنا أخذها في الحسبان، وهي وجود الإمبراطورية النمساوية المتعددة القوميات التي كانت بوتقة تنصهر فيها قوميات متعددة تتنازع على الهوية والتمثيل. فهذه الإمبراطروية كانت تضم، من جهة أولى، شطرًا لا يُستهان به من الأمة الألمانية، كما كانت تنضوي تحت جناحيها قوميات وإثنيات قومية عدة من شرقي أوروبا.

ومن ثم فإن الإشكالية القومية انطوت على حساسية خاصة؛ ما أتاح للمدرسة النمساوية أن تكون صاحبة إسهام متميز في صياغة نظرية عوامل الأمة. علمًا بأنه إذا كانت المدرسة الألمانية قد ركزت على اللغة باعتبارها عاملًا سياسيًا يوجب توحيد كل الدول (أي أجزاء الأمة) التي تنطق بلغة واحدة، فإن المدرسة النمساوية، وبامتدادها في الماركسية النمساوية (أوتوباور وكارل رينر) ركزت على اللغة بكونها عاملًا ثقافيًا، أي عاملًا للتمايز في الهوية بين الأمم والقوميات دون أن يكون عاملًا لتمزيق الوحدة السياسية للإمبراطورية النمساوية المتعددة القوميات.

وقد ورث الماركسيون الروس في ظل الإمبراطورية القيصرية الروسية الإشكالية نفسها، فقد كانوا يعملون هم أيضًا في إطار إمبراطورية متعددة القوميات. وكان أمامهم أن يختاروا بين الحل الألماني والحل النمساوي للمسألة القومية، أي بين عدِّ اللغة عاملًا سياسيًا أو عدِّها عاملًا ثقافيًّا. وقد انتهوا نظريًا إلى الأخذ بوجهة النظر الألمانية، وعمليًا إلى تطبيق رأي الماركسيين النمساويين. وبذلك بقيت الوحدة السياسية للأمم والقوميات والشعوب والإثنيات التي كانت تتألف منها الإمبراطورية القيصرية الروسية قائمة، في الوقت نفسه الذي أقر فيه النظام الجديد القائم منذ عام 1917م لجميع تلك الأمم والقوميات والإثنيات بهوية أو شخصية متمايزة قوميًا ومستقلة ثقافيًا.

نشأة الإشكالية القومية العربية في ظل الدولة العثمانية من الجامعة الدينية إلى الرابطة اللغوية

إن الإشكالية القومية العربية رأت هي الأخرى النور في سياق مشابه، فالإمبراطورية التي كانت قائمة عندئذ كانت هي الإمبراطورية العثمانية، وكانت تضم، فضلًا على الترك والعرب، جملة من القوميات في شرقي أوروبا وغربي آسيا. وبما أن الأساس الذي كانت تقوم عليه الإمبراطورية العثمانية هو الدين، وبما أن العرب كانوا يشاطرون الترك جامعة الدين، فقد أخذت المسألة القومية العربية منذ البداية بعدًا لغويًا أكيدًا.

الإمبراطورية العثمانية

وكان السؤال المطروح هنا أيضًا: هل اللغة عامل ثقافي أم هي أيضًا عامل قومي؟ وقد مال العرب، أو نخبتهم المفكرة، في أول الأمر إلى الأخذ بالتفسير الثقافي لعامل اللغة القومي، فلم يذهبوا إلى أكثر من المطالبة بتثبيت الهوية العربية بالاعتراف باللغة العربية والمساواة في الحقوق القومية ضمن إطار الخلافة العثمانية. ولكن إزاء تعنُّت الحكام الأتراك وتطبيقهم لسياسة التتريك، أخذت ترجح لدى العرب كفة التفسير السياسي لدور اللغة القومي وصولًا إلى فك رابطة الدين مع العثمانيين والانفصال عنهم سياسيًا.

وهكذا يمكن القول إن القومية العربية أخذت من البداية بالتصور اللغوي للأمة، بعِّد رابطة اللغة المحدد الأساسي، إن لم يكن الأوحد، لكيان الأمة، ولا سيما أن اللغة المعنية، وهي اللغة العربية، هي لغة مميزة بعدِّها لغة كتاب العرب والمسلمين الأول: القرآن. ومن هنا أخذ الوعي القومي العربي في البداية شكل إحياء لغوي، ودفاع عن اللسان العربي، وتطوير للمعجم العربي، ونشر للتراث العربي.

منظِّرو (الأمة/اللغة) في الفكر العربي الحديث

وربما كان الشيخ (حسين المرصفي، ت 1890م) هو أول من أعطى تعبيرًا نظريًا صريحًا عن مقولة «الأمة/ اللغة» في الفكر العربي الحديث. فقد عرَّف الأمة في كتابه (رسالة الكلم الثمان) بأنها «جملة من الناس تجمعهم جامعة، وهي حسب الاستقراء: اللسان والمكان والدين». وقد جعل مكانة الصدارة بين هذه العوامل الثلاثة للغة؛ لأن «الأمة -حسب اللسان- هي الأمة بالمعنى القومي للكلمة»، في حين أن «الأمة -بحسب المكان- هي الأمة بالمعنى الإقليمي للكلمة»، و«الأمة -حسب الدين- هي أمة الإيمان لا أمة الأوطان». ولهذا يقرر أن «الأمة -حسب اللسان- هي الأجدر باسم الأمة، أما الأمة حسب اللسان فهي أسبق استحقاقًا لهذا الاسم، وهو بها أليق، فإن جامعتها من ذاتها، وهي أدخل في الغرض من الاجتماع. إذ بوحدة النطق يتم الائتناس ولا تكون نفرة ووحشة، بخلاف أهل الألسنة المختلفة».

أما (عمر فاخوري) فكان أول من تبنى في الفكر العربي مذهب الحصرية اللغوية، أي المذهب الذي يحصر، أو يكاد يحصر، كل عوامل تكوين الأمة بوحدة اللغة. وفي ذلك يقول في كتابه (كيف ينهض العرب): «اللغة أسمى مظاهر القوميات. والذي يحدد الجنسية هو في الحقيقة اللغة».

وقد سار في هذا الطريق أيضًا (صلاح الدين القاسمي) الذي قال إن «الأمة تحفظ حياتها بحفظها لغتها»، وإنه «ليس أدعى لإبادة حياة الأمة من السعي وراء إماتة لغتها التي يتفاهم بها أبناؤها».

ساطع الحصري المنظِّر الأكبر للقومية اللغوية

على أن أكبر منظِّر على الإطلاق للتصور اللغوي للأمة العربية هو المفكر (ساطع الحصري) (1880- 1968م). فقد عرض التصور اللغوي وحامى عنه وفنَّد دعاوى خصومه في عشرات الكتب والمقالات.

وقد عزَّز عرضه ودفاعه بشواهد غزيرة استقاها من اطلاعه الواسع على تاريخ الفكر القومي والحركات القومية في العالم. وأهم ثلاثة كتب نظرية تركها ساطع الحصري في الموضوع هي: (آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، 1944م)، و(محاضرات في نشوء الفكرة القومية، 1951م)، و(ما هي القومية؟ 1959م).

وقد اتخذت تنظيراته شكلًا إيجابيًا وسلبيًا معًا، فإيجابًا ساق عددًا كبيرًا من الوقائع التاريخية التي تثبت التصور اللغوي، وسلبًا ساق عددًا كبيرًا أيضًا من الوقائع التاريخية التي تدحض التصورات النقيضة كالتصور الديني والتصور العرقي والتصور الجغرافي والتصور الاقتصادي والتصور السياسي والإرادوي للأمة. فصحيح أن جميع هذه العناصر تؤدي منفردة أو مجتمعة، في هذه الحالة التاريخية أو تلك، دورًا ما في تكوين الأمم، ولكنه غالبًا ما يكون دورًا ثانويًا. أما وحدة اللغة، مسنودة بوحدة التاريخ، فتبقى هي العامل الحاسم.

يقول في كتابه (آراء وأحاديث في الوطنية والقومية): «اللغة هي أهم الروابط المعنوية التي تربط الفرد البشري بغيره من الناس؛ لأنها أولًا واسطة التفاهم بين الأفراد، ثم هي فضلًا على ذلك آلة التفكير؛ لأن التفكير حسب تعبير أحد الحكماء ما هو إلا تكلم باطني، والتكلم إنما هو نوع من التفكير الجهري. وأخيرًا، إن اللغة هي واسطة لنقل الأفكار والمكتسبات من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد، ومن الأسلاف إلى الأخلاف. ووحدة اللغة توجد نوعًا من الوحدة في التفكير والشعور. وإذا أضاعت أمة من الأمم لغتها، وصارت تتكلم لغة أخرى تكون قد فقدت الحياة.. يتبين من ذلك كله أن اللغة هي روح الأمة وحياتها. إنها محور القومية وعمودها الفقري. أما التاريخ فهو شعور الأمة وذاكرتها».

ساطع الحصري

وعلى الرغم من أن ساطع الحصري يحدد في هذا النص أن «اللغة والتاريخ هما العاملان الأصيلان اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات»، فإنه يظل يعطي الألوية للغة على التاريخ. ذلك أن «الأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها وأصبحت في حالة السبات»، ولكنها «لا تفقد الحياة»، إذ يظل في مستطاعها «أن تستعيد وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي وبالاهتمام به» في حين أنها «إذا ما فقدت لغتها تكون عندئذ قد فقدت الحياة ودخلت في عداد الأموات، فلا يبقى سبيل إلى عودتها إلى الحياة، فضلًا عن استعادتها الوعي والشعور».

نقد وتطور التصور اللغوي من الحصري إلى البيطار

قد استطاع التصور اللغوي بعد ساطع الحصري أن يفرض نفسه على الساحة الفكرية العربية، فوُجد متابعون كثر له إما في اتجاه ميتافيزيقي، نظير (زكي الأرسوزي) الذي عرَّف الأمة بـأنها «واللسان في نهاية الأمر شيء واحد»، وإما في اتجاه نقدي وسياسي، نظير (نديم البيطار) الذي وإن أكد أولوية اللغة بعدِّها «سببًا لا يتقدم عليه من ناحية عامة أي سبب آخر في الأهمية»، لكن «اللغة الواحدة، وإن كانت عاملًا أساسيًا، لا تمنح في كثير من الأحيان المقياس أو العامل الكافي في تحديد القومية». فاللغة واقعة ثقافية، والأمة واقعة سياسية. واللغة على أهميتها في تكوين الأمة لا تعدو أن تكون عاملًا إعداديًا، في حين الأمة في نهاية المطاف هي دولة الأمة.

ومهما يكن من أمر، فإن المراجعة النقدية التي تعرَّض لها فكر ساطع الحصري، لا تستطيع أن تبدل حقيقة واقعة على الساحة الفكرية العربية، وهي أن التصور اللغوي قد أصبح من المكتسبات النهائية للفكر القومي العربي، مكتسبًا قابلًا للنقد كما للتطوير، ولكن لا غنى عنه كنقطة انطلاق أولية ويقينية.

وهكذا، يتضح أن الرابطة بين اللغة والأمة هي رحلة فكرية معقدة، انتقلت من أروقة الفلاسفة الألمان إلى صالونات المفكرين العرب، لتصبح الأداة النظرية الأبرز في مواجهة الإمبراطوريات وتكوين الهويات الحديثة. وعلى الرغم من الانتقادات والتطورات التي لحقت بالتصور اللغوي، لا سيما عند التفريق بين الهوية الثقافية والكيان السياسي، فإنه يظل المرتكز الأساسي الذي لا يمكن تجاهله عند دراسة نشوء القومية العربية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.