الفلسفة والعلم هما من آثار العقل البشري. يعود أولهما إلى عصور نشوء الحضارة الإنسانية نفسها؛ ولذلك يستحق احترام السن وكرامة النضج. أما العلم فهو ثمرة الفلسفة والطفل الذي تحمله على صدرها.
لو طُلب مني تحديد تاريخ ميلاد العلم من أجل التحقيق، لتجنبت الإجابة عن السؤال، لكننا لسنا بعيدين عن الواقع إذا نظرنا إليه في منتصف القرن السادس عشر الأول.
وهذا لا يعني أن العلم لم يكن موجودًا قبل هذا التاريخ. لقد كان موجودًا، ولكن كان جنينًا مندمجًا في الكيان الفلسفي، بلا شخصية فريدة، بلا حقوق سياسية، وبلا روح مستقلة.
ومن المهم أن نلاحظ عند دراسة تطور هذا الطفل -وخاصة الأول- أنه ولد متمرد على أمه. انحرفت ولادته نفسها عن الآراء الفلسفية وتعاليم عصره.
لقد كان طفلًا عاصيًا، لا يخضع لما يريد أن يمليه عليه من هم أكثر حكمة منه، بل كان يعتقد أنه أبلغ وأعلم بحال الأولاد إذا كانوا في كامل حيويتهم وصحتهم.
اقرأ ايضاََ ما هي الفلسفة وما غرضها عند الفيلسوف ديكارت ؟
كيف كانت الفلسفة قديما؟
لقد كانت الفلسفة قديمة، تميل إلى التأمل الداخلي، بعيدة عن الحياة العملية، بل والأسوأ من ذلك: أنها كانت لها آراء ثابتة حول هذه الحياة العملية.
وكانت تمتلئ بالغضب والوحدة، بل وكانت تنزل عذاباتها وانتقامها على كل من تجرأ. لنفعل ذلك. تحدي هذه الآراء. فهل نُفاجأ إذن بثورة العلم ضد هذه الساحرة القاسية؟
لقد أحدثت ثورة العلم ثورة أدت إلى قيام نظام جديد في عالم الفكر الإنساني، فشُكلت حكومة جديدة على أساس دستور جديد.
من هذه النقطة فصاعدًا، انتهت مرحلة التأمل الداخلي والتشريعات القائمة على الانعكاس الحجري المغلق. ماذا يعني أن يحرم الإنسان نفسه من معرفة الحقيقة من أجل التأمل في حقيقة العلم.
وكان شعار الحزب الجديد (انظر أولًا): تعرف أسرار الطبيعة على الطبيعة عن طريق الاستجواب المباشر، وإذا أبدت ترددًا أو تلعثمًا، تُخترع الآلات والأجهزة اللازمة لإجبارها على الاعتراف.
وشهد رواد هذه الحركة نجاحًا مشجعًا: كونزبيك (1473-1543)، طنجوبر (1546-1601)، كيبلر (1571-1630) وجاليليو (1564-1642) أسهم كل منهم في تطوير معارف جديدة.
وآخرهم اخترع تلسكوبه ليتمكن الإنسان من النظر إلى أعماق الفضاء ورؤية عالمين. وآخرون، ثم جاء النصر بعد النصر. نظمت جيوش العلم نفسها وأصبحت لا تقهر، وكلنا نعرف قصص فتوحاتها وحكايات انتصاراتها.
سأترك الجيوش المنتصرة في طريقها وأقضي لحظة في دراسة خطة معركتهم. وقد تميزت هذه الخطة حتى وقت قريب بالوضوح والدقة. وهو معروف بالطريقة العلمية، ويبدو هكذا إلى حد كبير.
يجب على كل باحث علمي، بعد اختيار مجموعة من الظواهر الطبيعية لدراستها، أن يقوم بأكبر عدد ممكن من الملاحظات في أكبر قدر ممكن من الظروف، ثم يسجل نتائج هذه الملاحظات بأكبر قدر ممكن من الدقة والوضوح، ووصف ظروف كل ملاحظة بدقة.
وبهذه الطريقة يحصل العلم على مادته أو معلوماته الأولية، ويفضل أن تكون هذه المعلومات الأولية على شكل إعداد، أي أن تكون كمية. ويقال على قدر الإمكان إن المعلوم قياس دقيق.
ومع ذلك، في كثير من فروع العلوم لا يمكن التعبير عنها بالأرقام، لذلك تُستخدم التعبيرات اللفظية القياسية بدلًا من الأرقام، وهو ما نسميه المصطلحات العلمية.
وتُعد هذه المادة الخام ويصبح المصطلح غذاءً للفكر الإنساني الذي يحاول أن يؤلف من أشكاله المتنوعة والمشتتة وحدة متماسكة تتوافق مع وحدة الحقيقة الخارجية أو العالم الحقيقي.
ولذلك فإن هذا العالم عبارة عن آلة نابضة عظيمة تعمل وفق قوانين ثابتة، ووظيفة العلم هي خلق صورة دقيقة لهذه الآلة في العقل البشري.
ويجب أن تكون هذه الصورة أو النموذج ديناميكية، على عكس الصورة الثابتة والرخيصة، كالألعاب التي يلعب بها بعض الأطفال الصغار.
ولكنها تشبه الأنواع الباهظة الثمن والتي تتقلص وتنتفخ في حركتها، ولذلك كان لا بد من اكتشاف القوانين التي تتحكم في حركة الآلة، وبذلك اكتساب معرفة هذه القوانين الطبيعية، كما يطلق عليها، أصبحت الشغل الشاغل للعلم، وجميع القراء خبراء في هذه القوانين.
فقانون بويل، على سبيل المثال، ينظم سلوك الغازات، وقانون الجاذبية العالمية يتحكم في حركات الكواكب والنجوم، ويعتقد أن قوانين الوراثة تنظم انتقال السمات والخصائص من سلف إلى خلف.
إن عملية محاولة التوصل إلى صياغة القوانين الطبيعية في جوهرها هي عملية تفكير خالص، إن العقل البشري يجد في أعماله الفكرية انتظامًا في المعلومات الأولية للعلم التي تظهر له ممن يدرسه.
وفي العلوم الأكثر دقة، مثل الفيزياء وعلم الفلك، يكون الطريق من المعلومات المتناثرة إلى صياغة القوانين طويلًا ووعرًا على نحو عام ويتطلب استخدام رموز معقدة وأداء عمليات فكرية صعبة.
ولكننا نضع ثقتنا في قوة التفكير البشري، وهي تخضع على نحو أعمى لمنطق الفكر. وفي الواقع، لا يوجد أي طريق آخر أمامنا. إذا خاننا منطق الفكر فلا بد أن نعيش في أسرة المستشفيات.
ومن حسن الحظ أن منطق الفكر لا يخوننا، وقوانين الطبيعة التي يصوغها الفكر ليست أوهامًا ولا هلاوس. يمكننا أن نفركها على محك الحقيقة ونستنتج صلابتها وأهميتها المادية. أو إذا وجدنا فيها خطأ، فذلك يرجع فقط إلى نقص أو خطأ في معلوماتنا الأولية.
منطق الفكر يبين لنا كيفية تجنبها، وأثره أننا نعيد صياغة القوانين من جديد، خالية من كل ما يلوثها. وهكذا يزداد فهمنا للطبيعة باستمرار ويصبح نموذجنا أكثر شبهًا بالواقع. إذا كان بإمكاننا إنشاء النموذج، فلماذا لا نحاول بأيدينا وعقولنا أن نفعل الشيء نفسه؟ أليس الاختلاف مجرد اختلاف في حجم الرسم؟
وهكذا تتحول المعرفة إلى القدرة على تكييف الطبيعة حسب إرادتنا، ويتحقق انتصار الروح على المادة، والزمن وحده هو الذي يضمن مجيء الحكم المطلق للإنسان.
ولعله يتضح مما سبق أنني أحاول الاستهزاء بالفلسفة والعلم معًا. بعد أن مثلت الفلسفة في صورة امرأة عجوز غير قادرة على فعل أي شيء، أجعل من العلم طفلة... وتعتقد أنها قادرة على كل شيء.
أو بمعنى آخر، أحاول أن أتخذ موقف العدالة تجاه الفلسفة والعلم معًا، وقد تمكنت من عدم الإنصاف لأي منهما.
ردي على ذلك هو أنني لا أتحدث عن الفلسفة والعلم، بل عن فلسفة العصور الوسطى وعلوم القرن التاسع عشر. من المحتمل أن نمر جميعًا بمراحل في حياتنا نكون فيها إما متحدين في آرائنا ونقول الحقيقة، أو ممتلئين بإحساس بأهميتنا وقدراتنا، وما إلى ذلك.
فإذا مررنا هذه الخطوات للآخرين سنكون أكثر ثقة واتزانًا منهم، لأن الخطوات الأولى التي نخطوها ستكون قد أدت دورها في التطور الطبيعي لصعودنا.
اقرأ ايضاََ فوبيا الفلسفة......ولماذا العداء نحو الفلسفة؟؟
كيف تغيرت الفلسفة والعلم اليوم؟
إن الفلسفة والعلم اليوم ليسا جامدين ولا متكبرين، والعلم على وجه الخصوص - وهو العلم الوحيد الذي أستطيع أن أتحدث عنه بقليل من التحقيق - يتميز في مرحلته الحالية بشيء من الوداعة، وبعض التواضع، والعزوف عن الإجابة على أي سؤال.
إن طفل القرن التاسع عشر، المفعم بالإعجاب بالنفس والثقة بالنجاح، تعرض لصدمات متتالية في بداية القرن الحالي جعلته خجولًا وحساسًا.
ولا أريد في هذا المقال أن أصف هذه الصدمات التي هي في الحقيقة مراحل من تقدم المعرفة الإنسانية والتي يقع قرارها على عاتق علماء العصر الحالي مثل ألبرت وأينشتاين وماكس بلانك ولويس دي بروليه وغيرهم، ولكنني سأقتصر على تسليط الضوء على بعض العواقب الفلسفية المترتبة على هذه الصدمات.
من المعروف أن الزمان والمكان وعلاقة كل منهما بالوجود، من الأسئلة التي شغلت الفلاسفة منذ القدم، ومن التعريفات المعروفة للوجود الخارجي البقاء في الزمان والمكان.
الخلافات بين الفلاسفة حتى نهاية القرن الماضي حول معنى الوجود وخصائصه، لا أعتقد أنه ظهر في هذه الخلافات عنصر اللبس، فالزمن قائم حتى بداية القرن الحالي. فكرة الزمان وفكرة المكان دخلتا في بنية فكرة الوجود، لكن بطريقة كانت كلاهما مستقلتين عن أختهما، ثم اجتمعتا دون اختلاط.
فمثلًا لا أعتقد أنه كان يوجد أي شك في أذهان فلاسفة القرون الماضية حول تعاقب حدثين معينين من حيث أسبقية أحدهما على الآخر، لأن الزمن سؤال حقيقي لا يمكن لشخصين أن يناقشاه بتعارض.
اقرأ ايضاََ تاريح الفلسفة العربية وتأثيرها على الفكر الإنساني
كيف كان العالم الخارجي في أذهان فلاسفة القرون الماضية؟
كان العالم الخارجي عبارة عن مجموعة من الصور اللحظية، كل واحدة منها تملأ الكون بأكمله. وتتابعت هذه الصور بعضها بعضًا من لحظة إلى لحظة.
ثم شكلت في تعاقبها مجمل الحقائق الخارجية من بداية الماضي إلى نهاية المستقبل. ولم يكن يوجد احتمال أن تختلف بداية الماضي ونهاية المستقبل.
ولم يكن يوجد احتمال أن يختلف شخصان حول ما إذا كانت أي من اللقطات حقيقية، ولا حول كيفية تتبع هذه الصور للواقع من العالم. فحين كتبت هذه الكلمة مثلًا كنت أعتبر شيئًا حقيقيًا يمكن أن يعرفه الآخرون.
ولم يخطر في بالي أن ما يمكن أن أعرفه من هذه الحقيقة قد يختلف عما قد يعرفه الآخرون، فلو كان هذا ولو قُبلت الحقيقة الفعلية لأصبحت مسألة تخمين، أو على الأقل لم تعد حقيقية، ولفقدت معناها، البحث عن جوهر الوجود.
الآن أريد أن أبين أن الوضع قد تغير. الحقيقة الخارجية، كما نكتب «الآن»، أصبحت تعد حقيقة نسبية، أي منسوبة إليها. ولذلك، فهي ليست حقيقة مطلقة وليس لها أي معنى. لقد وفَّرنا على الفلاسفة معظم جهودهم في اكتشاف الحقيقة.
إلا أن النظرية النسبية التي جاءت بنا هذا الرأي أعطتنا أيضًا في الوقت نفسه ما يناسب تفكيرنا الفلسفي، وتسمح للفلاسفة بمواصلة بحثهم عن معنى الوجود، ولكن على أسس جديدة.
لقد قلت إن الواقع الخارجي «الآن» هو واقع نسبي، ومن تابع الحقائق النسبية في زمن متتابع يتشكل الحق والعالم الخارجي كما أحكم بالوجود. إذا قام أي شخص آخر بجمع الحقائق المباشرة معًا، فسوف يفعل ذلك. أن يكون له عالمه الخارجي كما يحكم على وجوده.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العالم الخارجي في حالتي كما في حالته هو عالم حقيقي. في المكان والزمان، سيختلف عالم الزمكان هذا الذي يظهر لي عن عالم الزمكان الذي يظهر للآخرين. وكل واحد من هذين العالمين، وكذلك سائر العوالم الأخرى التي تظهر للآخرين.
ما هي إلا جوانب مختلفة لحقيقة أو عالم مستقل عن كل وجهة نظر من وجهات النظر المتعددة، والاختلافات هي بالأحرى الاختلافات بين بناء جسم واحد من طبقات في اتجاهات مختلفة.
يمكنني بناء هرم، على سبيل المثال. وذلك بوضع الطبقات الأفقية فوق بعضها البعض حتى يتكون الهرم، ويمكن لشخص آخر بناء الهرم نفسه عن طريق وضع الطبقات الرأسية أو المائلة بجانب بعضها بعضًا.
كلانا يقوم ببناء الهرم نفسه، لكن قصة أحدنا عن عملية البناء تختلف عن قصة الآخر. إن النظرية النسبية تعلمنا ألا نغير أهمية أسلوب البناء في تعريفنا لمعنى الحقيقة، بل أهمية الجسد الذي نبنيه عند الانتهاء.
اقرأ ايضاََ الفلسفة والعلوم الاجتماعية في حياة الإنسان
ما الجانب الفلسفي للنظرية النسبية؟
وهذا تفسير كتمثيل للجانب الفلسفي للنظرية النسبية، التي ترى أن الزمان والمكان يمتزجان في فكرة الوجود، كما يمتزج الطول والعرض في فكرة المكان، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يكون منفصلًا عن الآخر.
أريد التأكيد على الجانب الثابت لحقيقة العالم في عقيدة النسبية. وفي عالم الواقع الخارجي لا تقع حوادث أكثر مما تقع حوادث على خريطة مصر أو على خريطة النيل.
بل إن الحوادث تنشأ من ارتباط الشاعر أو روحه المدركة بالعالم. وينشأ هذا الارتباط من تحليل الحقيقة في جزء زماني وجزء مكاني. العالم كأنه شريط سينمائي، وليس (رواية). إنه شريط ثابت يمكننا وضعه في صندوق. على العكس من ذلك، تولد الرواية من حركة الفرقة.
التي يمكن أن تتوافق مع حركة النفس المتبصرة. وإذا أردنا مقارنة أخرى، فإن عالم الحقيقة كتاب بين غلافيه كل ما حدث وكل ما سيأتي. فإذا قلبنا صفحاته تتضح لنا القصة ونتابع تراجع البطل الخائن.
لقد انتصرت الفضيلة على الرذيلة، ولكن إذا نظرنا إلى الكتاب وهو موضوع على الطاولة، فلا توجد قصة، ولا انتصار، ولا فضيلة أو رذيلة. يمثل عالم الواقع الخارجي بسطح رباعي الأبعاد بطول وعرض وارتفاع وسمك مرسوم في فضاء عشرة أبعاد، وكأنه سطح «بالون».
وحينئذ هنا تأتي فكرة للفيلسوف: لكي يصف العلماء العالم، كانوا بحاجة إلى مساحة ذات عشرة أبعاد. لقد وضعوا العالم كله على سطح واحد وتركوا تلك المساحة فارغة. هذه المساحة الآن «للإيجار». علماء المواد ليس لديهم ما يحلونه.
إذن فقد انتهى الوقت الذي كان فيه العالم مزدحمًا بالمادة، عندما لم يكن هناك مكان لعقل أو روح، وعندما كان من الضروري تفسير العقل والروح على أساس مادي.
وكانت الأفكار والمشاعر والآمال مجرد مواد كيميائية لردود الفعل في خلايا الدماغ، ولكن الآن توجد مساحة متزايدة في العالم لهذه الكائنات النفسية.
وفعلًا فقد أشار السير جيمس جينز في كتابه The Mysterions Univerce إلى أن الروح الشعرية تسكن خارج العالم المادي.
وقال: «إن أبسط تفسير للروح الشعرية هو تصورها خارج الصورة التي تمثل العالم وعليها الماسة على الخط الذي هو الخط العام لأجسادنا، فيلامس طريقك سطح الواقع على طول خطك العام وروحي».
في الطريق إلى الكوني، وهكذا، والأثر المباشر لهذا الاتصال هو الشعور الذي نشعر به كما لو كان مدفوعًا أو مشدودًا على طول خطنا العالمي، حتى ندرك نقاطه المختلفة التي تمثل حالتنا في أوقات مختلفة «لحظة بلحظة»، يكتب عالم الطبيعة اليوم.
وجهة النظر هذه من وجهة نظر «ديكارت» أو «كانط»! ومن التطورات العلمية الحديثة التي لها تأثيرها الفلسفي ما آلت إليه مسألة السببية في ضوء النظرية النسبية و«نظرية الكم».
إذا كان الواقع ساكنًا وله أربعة أبعاد بحيث يمكن تمثيله بصورة أو خريطة يُمثل منها كل ما حدث وكل ما يحدث في الحاضر والمستقبل، فما معنى السببية؟
وتطبيق السببية على الحقيقة الرباعية الأبعاد كالقول إن المسافة من طنطا إلى الإسكندرية 70 كيلومترًا، لأن المسافة من القاهرة إلى طنطا 55 كيلومترًا، والصحيح أن كلا منا يقبل تلك الحقائق باعتبارها جزأين من الحقيقة الموجودة.
فكلاهما يمثل المسافة بين نقطتين على خريطة مرسومة بالفعل. ولا يتوقف السؤال عند هذا الحد، بل يتعدى إنكار إمكانية معرفة ما هو الواقع على وجه التحديد: فقد طور بور وهاينزبرج مبدأ يسمى «مبدأ عدم الدقة».
والذي يخلص إلى أنه لا يمكن، من طبيعة الأشياء، لتحديد موضع الجسم وسرعته في الوقت نفسه وبدقة تامة. كلما حاولنا تحديد الموضع بعناية أكبر، زاد الخطأ في تحديد السرعة، والعكس صحيح.
ونحن نعلم أن بعض المبادئ الفلسفية تقول إن من الممكن معرفة مستقبل العالم المادي إذا عرفنا حالته في لحظة معينة وإذا عرفنا أسباب تغير هذه الحالة.
لأنه إذا عُرفت الأسباب عُرفت نتائجها، ويمكنك أن ترى من الأمر ما يتعلق بما إذا كان من الممكن تحقيق معرفة المستقبل من المعرفة الكاملة للماضي.
هذا الموضوع لا ينشأ على الإطلاق ولا يُطرح للبحث؛ لأن المعرفة الكاملة بالماضي هي ادعاء متناقض لا معنى له، وللفائدة لمن لا يعرف هايزنبرج، أذكر أنه عالم طبيعة وليس فيلسوفًا.
المراجع
-
جريدة السياسة ، القاهرة 18 فبراير 1933م، ملحق للعدد 3039.
-
مشرفة، علي مصطفى، (1989م)، الفلسفة والعلم، مجلة دراسات تربوية، الناشر: رابطة التربية الحديثة، مج4، ج20، ص ص : 5-12.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.