العلاقة بين السينما والفلسفة

السينما كما نجدها في تلك الأفلام التي أخرجها مُخرجون كبار في تاريخ السينما مثل : (تاركوفسكي، بيرغمان، فيسكونتي، أنجلوبولوس، قودار، باراجانوف) وغيرهم من مخرجين كبار صنعوا أفلامًا ليست مشابهة لتلك الأفلام التجاريّة التي تستهدف المتعة اللحظيّة فقط .

الملاحظ هنا إن السينما نؤكد على إنّ الصورة تشكل الأداة الأساسيّة المعتمدة داخل الفيلم، إذ "تشكل المادة الفيلميّة الأوليّة ؛ ولكنها الأكثر تعقيداً أيضاً ؛ لأنّ تكوينها يتميز، بالفعل، بازدواج عميق: فهي نتاج نشاط أوتوماتيكي لآلة تقنيّة قادرة على إعادة إنتاج الواقع الذي يتقدم إليها بدقّة وموضوعيّة. غير أنها في الآن نفسه، نشاط موجه في الاتجاه المحدد والمرغوب فيه من طرف المخرج.

أندريه تاركوفسكيفي كتابهِ " النحت في الزمن" ،والذي يتساءل فيه " لماذا يوجد الفن؟ ومن يحتاجه؟ وهل يحتاجه أحد بالفعل؟" وهو يجيب بأنّ الوظيفة العمليّة للفن بالنسبة للإنسان "تاج الطبيعة" تكمن في فكرة المعرفة. فالفن مثل العلم وسيلة لمعرفةالإنسان .

بالتأكيد هكذا قول لابدّ أن يثير لدينا أسئلة ذات أصولٍ فلسفيّة، فيلم يجعلنا نستشعر فيهِ مقولة جان لوك غودار: “إن السينما هي أجمل خدعة على الإطلاق” ؛ لهذا أثارت السينما الفلاسفة مثل ثيودور أدورنو والفيلسوف الفرنسي جيل دولوز والذي يحتل مكانة خاصة في مجال الفلسفة السينمائيّة الذي انطلق من كتابات لبرغسون، ليقدم ما يعدّ أفضل منظومة فكريّة عن السينما، شكلاً ومضموناً. وإسهامات : (هنري بيرغسون، وجاك دريد أو آلان باديو) وفلاسفة معاصرين مثل : (سلافويجيجيك ، وستانلي كافيل) ، إذ جعلوا التعمق في دراسة السينما ونتاجاتها جزءاً أساسياً من دراستهم،أيضًا من نقاد ومنظرين كبار. وبالآتي ليس غريباً أن يتناول مفكر منشغل بالفلسفة موضوع السينما وهو تخصص آخر. والحقيقة أن لا غرابة في ذلك ؛ لأنّ الفلسفة هي أولاً أم العلوم. هي العلم الشامل الذي يحلل كل شيء بروح فلسفيّة أو بمنهج فلسفي أو برؤيّة فلسفيّة كما فعل أرسطو. ثانياً إنّ الفن فرع من فروع الفلسفة وهو علم الجمال الذي يتناول موضوع الجمال بأشكالهِ ومضامينهِ. والسينما فن من الفنون، تعرّض لها بعض الفلاسفة المعاصرين مثل برغسون في دراسة الصلة بين : (الصورة والحركة والذاكرة والإدراك الحسي). كما درسها دريدا كنقطة تطبيقيّة في علم السيميولوجيا الذي يدرس العلامات فضلاً عن الى الحركة.

اثارة الموضوع غائيّة هذه الورقة من أجل الوقوف عند معرفة حدود الفلسفة من السينما، وأين تقف فلسفة السينما وإشكالات التأويل ؟ من أجل الإجابة عن العلاقة بين السينما والفلسفة إذ بيّن الاثنان نقاط الافتراق مثلما هناك نقاط التقاء على مستوى التعبير وأدواته والتقنيّات المعتمدة في كل منهما فالتعبير والتقويم والنقد يتمُّ جمالياً وفكرياً .

فلو قارنّا بين فهم كل منهما فيم يخصُّ مفهوم الوجود (( فالأنطولوجيا تُعرف بأنها دراسة الوجود، لكن ككل الدراسات اختلف الفلاسفة تاريخيًا والمفكرون بينهم فيما تعني الانطولوجيا بالنسبة لكل منهم. بالعودة إلى السينما، فبإمكاننا اعتبار السينما هذا الوسط الخلَاق الذي باستطاعته أن ينتج أشياءً مختلفة. هذا الوسط -أي السينما- الذي يعنيه فلاسفة السينما ومنظّروها عندما يتحدثون عن ما يحكُم ويحرّك وينتج خواص هذا الوجود في حديثهم عن الانطولوجيا.)) وفي هذا المجال الذي يتناول ماهو راهن في هذا الوجود يقول باديو وهو يرد على سؤال راهن:(( قبل عشرين عاماً، حدث تفكك دموي مع يوغوسلافيا. كيف يمكنك تفسيره وكيف تنظر إلى البلدان التي نشأت على أراضيها من منظور اليوم؟)) ؛ فجاء جوابه:

(أنا مع تذويب الدول، طبقاً لشعار ماركس: "ليس للعمال وطن"، وأنا أممي متشدد ومن وجهة النظر هذه، فإنني أعارض عموماً تقطيع الدول القائمة و "الاستقلال" المصطنع بدعم من القوى الشوفينيّة. نحن بحاجة إلى إلغاء الاضطهاد الوطني من فوق من خلال النشاط الدولي، وليس من خلال القوميّات الإقليميّة. أنا آسف بشدة لاختفاء يوغوسلافيا السابقة، ولا أعتقد على الإطلاق أن وجود عشر ولايات في مكانها يشكِّل تقدماً، ومن المؤكد أنّ الإمبراطوريات الاستعماريّة اضطرت إلى الانهيار، وفي أثناء حرب التحرير الوطنيّة الجزائريّة، دعمتُ الجزائريين، وأيدتُ أيضاً الفيتناميين ضد الجيش الأميركي، ولكنّ هذه الحقبة انتهت، واليوم، تأتي الأمميّة الشيوعيّة أولا!) هذا الجواب يبين رهانات باديو السياسيّة وهو يقارب السينما أيضاً كما سوف نعرض له في هذه الورقة.

من عرضنا لهذه الملامح العامّة للعلاقة بين الفلسفة والسينما نستطيع أن نحدد معالم تعريف عامّة ونحن نحاول استعراض الإجابات عن سؤال يتعلق بملامح فلسفة السينما؟ فهو سؤالٌ صعب ليس فقط أن يُختصر جوابه، ليس؛ لأنها امتداد من فلسفة الجمال المتشعبة والتي يطول الحديث عنها، بل ؛ لأنها تغيّرت وتطورت بتطور آليّات وتقنيّات السينما بشكل أسرع وأكثر من أي مجالٍ فنيّ آخر. فمن السينما الصامتة أو السينما-الحركيّة كما سمّاها وخصّها جيل دولوز بمؤلف مهم، إلى السينما الزمنيّة وتقنيات التقطيع والمونتاج أو ما أطلق عليهِ دولوز بـ( الصورة-الزمن) في مؤلفه الثاني.

في الوقت الذي اكّد فيهِ دولوز على إنّ " الفلسفة لا تترك أي مكان للنقصان ، وهي في الوقت نفسه وصف حقيقي للعالم "  إن تلك الوظيفة التي تمتاز بها الفلسفة، تنظر إلى الفن بوصفه لغةً للأحاسيس التي يمررها الفنان عبر: ( الكلمات والألوان و الأصوات و الحجارة ).إنه لغة غربيّة داخل اللغة.

فهذه العلاقة بين الفكر والفن تظهر بوضوح في الدراسة الموسّعةِ التي قدّمها جيل دولوز " تأثير سطوة الصورة ، المرئيّة في عصرنا هذا وقد ركّز بشكل خاص على الجوانب الايجابيّة لهذا التأثير بعيداً عن جزع البعض واستنكار بعض آخر، وإهمال بعض كبار مفكري الغرب لهذه النوعيّة من الفنون، وقد ركّز جيل دولوز على فكرتين أساسيتين ،هما : (الزمان و الفكر )، أو بمعنى أخر (السينما والفلسفة)،  وقد قسّم دولوز هذه الدراسة على قسمين أو نوعين من أنواعا لسينما ونظامين للصورة النظام الأول كلاسيكي تقليدي يقال إنّه عضوي، أمّا النظام الثاني فهو النظام الحديث، و يعرف بأنه "بلوري".

 السينما كحقل إبداعي تخيلي يهم الفيلسوف على أكثر من صعيد، إذ تملك القدرة على حمل الإنسان على التفكير والاندهاش وتهبه، بفضل خلقها وابتكارها صوراً جديدة للحياة، فرصة تجديد فهمه لذاته وللعالم من حوله. أو ليس التفكير، كما يعلمنا دولوز، هو "اكتشاف وابتكار إمكانات جديدة للحياة"

فالفلسفة السينمائيّة تبدأ من الصورة الصوتيّة المتحركة، إذ تنتج هذه الحركة للصورة ما يسمى بـ“صيغة سينمائيّة(Cinematic form) ، هذه الصيغ تعدُّ شبيهةً بقنوات الاتصال؛ فهي طريقة تواصل وحامل للمعلومة والدلالات اللغويّة، وليست فقط قادرة على إيصال الرسالة وقادرة على الكشف عن “كيانات” ماديّة واجتماعيّة، بل إنتاجها أيضًا وهذه من خصائص السينما فقط ربما.

تختلف الكتابة السينمائيّة عن الروايّة والشعر، إذ أن لها منطقاً خاصّاً. فإذا كانت الفلسفة مثلا ً تتحدد ماهيتها من خلال "وضع المفاهيم" فإن السينما تنبسط، كما يقول كوكتو، "ككتابة بالصور". لكن ما المقصود بالصورة؟ وبأي معنى تحضر في السينما؟

يتعلق الأمر، كما هو واضح، بعلاقة قصديّة تربط وعياً ما بشيء ما. وتبعاً لذلك، ستغدو الصورة صورةً لشيء ما. وعلى الجملة نقول إنه بتسليطهِ الضوء على البنية القصديّة للصورة يكون قد نقلها من مستوى الوعي الساكن إلى مستوى الوعي التركيبي في علاقة بموضوع ترنسندنتالي (متعالي )، كما يكون قد نفى عنها طابع التشيؤ الذي ما فتئ ديكارت يفرغ الجهد من أجل تثبيته.  إذ يقول سارتر مؤكداً على المعنى نفسه: "الصورة نمط من الوعي، إنها فعل وليست "شيئا".

اما عن علاقة الصورة بالواقع، كان يحلو لبارت عند حديثه عن الصورة وما تثيره من قضايا، أن يذكرها بدلالتها الاشتقاقيّة القديمة، إذ تعود كلمة image إلى الأصل اللاتيني imitari الذي يعني المحاكاة. يسمح هذا الربط بطرح جملة من الأسئلة نصوغها على النحو الآتي: ما نوع العلاقة التي تربط الصورة السينمائيّة بالواقع؟ هل تكمن وظيفتها في جعله ينعكس على مرآتها أو  أنها تعمل على إبداعهِ وإعادة تشكيله؟

إن المتأمل في علاقة السينما بالواقع لا يلبث أن يتبين أن هناك أسلوبين لمقاربتها: الأوّل يؤمِّن أن بوسع الصورة أن تعكس الواقع وأن تطبق صورة طبق الأصل له؛ والثاني يضع الواقع موضع إشكال. وبالمثل هناك منهجان لمقاربة السينما في علاقتها بالحقيقة: أولهما يدّعي أن ما تلتقطه عين الكاميرا هو الحقيقة العاريَة من كل الشوائب، في حين أن الثاني يقوم باستشكال الحقيقة ومسائلتها. 

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة