العلاقة بين السياسة والأخلاق

سؤال قديم قدم الإنسان ذاته، وجدلية أُثيرت على طاولة المفكرين والفلاسفة على مر العصور، هل توجد علاقة تربط بين السياسة والأخلاق، أم أن الإنسان يبقى ذئبًا لأخيه الإنسان مثلما قال الفيلسوف والمفكر توماس هوبز؟

وهل الأخلاق لا تنفصل عن السياسة أم أن السياسة واحدة من العلوم التي لا تنطوي إلا على المصلحة وبقائها، إذ يكون البقاء دومًا للأقوى ولا وجود للأخلاق بين طياتها؟

قد يهمك أيضًا الأخلاق و الإيطيقا والسياسة

هل هناك علاقة بين السياسة والأخلاق؟

أسئلة كثيرة طُرحت، ولكن كانت الإجابات دومًا غير وافية أو مرضية، فدومًا ما ينتهي الجدال بطريقة ضبابية وغير واضحة بشأن العلاقة التي تجمع كلًّا من السياسة والأخلاق.

وفي السطور القادمة عزيزي القارئ سنتناول بطريقة واضحة بنسبة ما العلاقة التي تجمع السياسة بالأخلاق، فقط كل ما عليك أن تصنع رأيك الخاص.

فكل ما ستقرأه ما إلا مجرد تعبير شخصي من صاحب المقال عن رأيه في الجدلية المثارة، ومعالجتها من منظور ومنهج علمي بمحاولة إيضاح وجهة نظره لا غير، لكن يبقى الأهم تكوين وصناعة رأي للقارئ، حتى يصبح قادرًا على خلق آفاق جديدة للنقاش والنقد.

 واحد من الكتب المعروفة في مجال السياسة هو (الأخلاق والسياسة الخارجية)، يتحدث الكاتب فيه عن الموضوع فيقول: «تبقى الأنانية الخاطئة خاطئة من جميع النواحي -ينطوي التصرف الأخلاقي على وعي مصالح الآخرين والتحلي بالحساسية إزاءها- غير أن نكران الذات ليس إلزاميًّا.

ثمة ظروف قد يشعر فيها الأفراد بأنهم مدفوعون إلى التضحية بالذات، غير أن مثل هذا السلوك يبقى -بنظر أكثرية الشرائع الأخلاقية- نافلًا، أي شيئًا يحسن فعله.

ولكن الامتناع عنه ليس خطأ، سيبقى الشيء الذي يصح عمله في الغالب، ربما عادة، منطويًا على عدم السعي وراء المصالح الذاتية إلى الحدود القصوى، ولكنه لن ينطوي، إلا في أكثر الظروف استثنائية، على تجاهل تلك المصالح كليًّا.

ما لم تكن مخترعة بوضوح لهذا الغرض، نادرًا جدًّا ما تكون المآزق الأخلاقية منطوية على أي اختيار صارخ بين مصالح المرء الخاصة ومبادئه الأخلاقية».

فحسب كلام الكاتب أعلاه عزيزي القارئ، هل ترى وجود تعارض واضح بين السياسة وكل فعل أخلاقي؟

أم أن السياسة تنطوي بطريقة ما على بعد أخلاقي لا يمكن تجاهله؟

قبل أن نتطرق للتفكير سويًّا في هذا الجزء، علينا معرفة التعريف الاصطلاحي (للأخلاق) في البداية.

قد يهمك أيضًا السياسة والاقتصاد والسلوك الاجتماعي الجزء الاول

التعريف الاصطلاحي الفلسفي للأخلاق

عرف أفلاطون الأخلاق قائلًا: إن الأخلاق تتمثل في كبح شهوات الإنسان، وترويض مطالب الجسد عن طريق الالتفات للروح والنفس، وتدريبهما على محاربة الجهل وتحصيل الخير.

أما رأي الفيلسوف أرسطو عن الأخلاق فكان ارتباط الأخلاق ارتباطًا وثيقًا بالسعادة التي تعد غاية وجود الإنسان.

أما الأخلاق في وجهة نظر الفيلسوف جان جاك روسو فكانت الأحاسيس الفطرية التي دومًا ما تجعلنا نفرق ونميز بين الشر والخير، وتفادي ما يلحق بالإنسان من أذى، ويعود بالنفع على المجتمع، كانت له الأخلاق هي ما ميزت بين الإنسان والحيوان.

وعند تأمل تعريفات الفلاسفة عن الأخلاق فنرى أن غالبهم نظر للأخلاق من منظور مثالي، كونها ما يجب أن تكون، ليس ما قائم أو واقع، فتناولوا مفهوم الأخلاق انطلاقًا من منهج فلسفي بحت لا يتعارض مع السياسة التي لا تنطلق إلا من منهج واقعي قائم على المصلحة والأنانية كرأي غالب رواد المنهج الواقعي.

فعلم السياسة هو علم إدارة الدول والأنساق المجتمعية من منظور تفاعلي.

لكن تجاوز علم السياسة كونه مجرد علم ليصبح ضربًا من ضروب الفن كذلك، لتصبح السياسة (علمًا وفنًّا)، فحسب المفهوم القديم والمعروف لعلم السياسة فهو (فن التفاوض)، والتفاوض ما إلا علاقة تفاعلية بين طرفين أو أكثر قائمة على المصالح المتبادلة التي تنتهي بخروج جميع الأطراف حائزة منفعة أو مصلحة ما.

ومن البشر من يعرف السياسة أنها (أن تقطع عدوك بالسكين دون أن ينزف دمًا)، وهو واحد من التعريفات التي توضح ما ينطوي عليه هذا العلم من حيل وألاعيب، يمارسها شخص أو مجموعة بهدف الاستحواذ على مصلحة منشودة في النهاية.

فهل في سبيل المصلحة العليا قد نضطر للتخلي عن الأخلاق، في محاولة لممارسة السياسة؟

وهل وضع هتلر كتاب (الأمير) لمكيافيلي تحت وسادته في محاولة منه للبقاء بالقرب من مبدئه المفضل (الغاية تبرر الوسيلة) من أخلاقيات عالم السياسة؟

الحقيقة عزيزي القارئ أن الهدف الأسمى للعلاقات بين الدول هو تحقيق المصلحة، تلك المصلحة التي يعلو صوتها على صوت المفاوضات والمعاهدات الدولية وما نصت عليه في ديباجتها، وعند تعارض المصلحة لا يسمع وقتها غير صوت المدافع، وهذا ما نص عليه المنهج الواقعي الذي يحرك العلاقات الدولية ويسيرها بعيدًا عن المبادئ البالية وحلم المثالية الخيالي.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة