حين يتمرد أبطال الرواية: لماذا يعجز الكتَّاب عن قتل شخصياتهم المتخيلة؟

إن شخصية الراوي في العمل الأدبي ليست مجرد حبر على ورق، بل هي كيان حي يُستدعى من العالم الافتراضي ليعيش بيننا واقعًا ملموسًا، ولطالما تساءل النقاد عن سر ذلك الانفصام الذي يصيب الروائيين العظماء أثناء الكتابة؛ حيث تنصهر الحدود بين الحقيقة والمتخيل، وتتحول الشخصيات الروائية إلى أسياد يملون إرادتهم على صانعيهم.

في هذا المقال، نستعرض تجارب أدبية خالدة لمبدعين مثل ماركيز وديكنز وفلوبير، ممن عاشوا صراعًا مريرًا مع أبطال رواياتهم، حتى غدت الكتابة لديهم رحلة وجودية يبحثون فيها عن ذواتهم المختبئة خلف أقنعة الورق.

يعجز كثير من الروائيين عن قتل شخصياتهم، لأن الذاكرة الإبداعية تعيد تشكيلها باستمرار حتى تغدو كيانًا نفسيًا حيًا يفرض مساره ويقاوم نهايته داخل وعي الكاتب.

إن شخصية الراوي أو المتحدث أو من يلقي علينا الرواية لم تأتِ من العدم، فهي موجودة وفاعلة حولنا، تنتظر إعادة الصياغة. الكتَّاب والروائيون استدعَوها من هذا العالم الافتراضي، وأضافوا إليها بعضًا من تجاربهم، وطباعهم، وأمنياتهم، وكثيرًا من الأحزان، ومن السعادة أيضًا. الشاهد في الأمر أن تلك الشخصيات المختلقة، في النهاية، أصبحت واقعًا ملموسًا، والبعض من الكتَّاب تمنَّى أن يكون هو تلك الشخصية التي ابتكرها، ومن الممكن أن نقول: «لقد تمنيت أن أكون أنا هذا الشخص، وأستطيع أن أغيِّر حياتي كما أفعل في سرد الرواية».

تمرد العقيد أوريليانو

غابرييل غارسيا ماركيز (جابو)، متحدثًا عن أحوال العقيد، وهي شخصية ابتكرها في روايته الأشهر «مائة عام من العزلة»: «لقد أفلت العقيد من يدي، في أول الأمر كنت أنا من يتحكم به، ولكنه الآن يتحكم بي وبمسار الرواية. حتى إنه الآن أصبح يملي عليَّ ما يريده، وأنا إلى الآن غير قادر على قتله. أعلم أنه شخصية متخيلة، ولكن الجنرالات لا يموتون هكذا ببساطة».

أخبرته مرسيدس، زوجته، عدة مرات وبإلحاح شديد: «لقد أفسد عليك هذا اللعين حياتك. لقد أصبحت مهووسًا به». أجابها جابو: «كيف أقتله؟ أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك، على الأقل في الوقت الحالي».

تعلق غابرييل غارسيا ماركيز بشخصية العقيد التي ابتكرها في روايته مائة عام من العزلة

ذات مساء، ترك مقعده خلف مكتبه المحبب إليه في أثناء الكتابة، وقصد زوجته مرسيدس، ودموعه تجري على وجنتيه، صارخًا: «لقد قتلت العقيد». هكذا تعلَّق جابو بشخصية العقيد أوريليانو بونديا.

وعندما سأل الصحفيون جابو، بعد نشر «مائة عام من العزلة»، عن حقيقة شخصية الكولونيل أوريليانو، أجابهم: «إن معظم شخصياتي لها أصل، وليست كلها من مخيلتي. نعم، التفاصيل اهتممت بها حتى أضيف إليها بعضًا من التألق لمحاكاة الواقع، بعيدًا عن المتخيل، ولكن الشخصية لها وجود حتمًا. ومع مرور الوقت اخترتهم، واستمعت إلى أحاديثهم معي، وإلى آرائهم في سير أحداث الرواية، هم موجودون معي في غرفتي الخاصة بالكتابة، وحتى بعد طبع الكتاب، أعلم أنهم هناك في حبر الكتاب، وأستطيع أن أستدعيهم مرة أخرى».

هذا حال الروائيين في أثناء الكتابة: التعلق بشخصية الرواية، والانغماس بمشاعرها، والتحكم بحياتها ومماتها، وكيفية الانتقال من حالة السعادة إلى الحزن والحب والكره والغيرة؛ وهي حالة من الانفصام عن الواقع. إن حياة الكاتب الطبيعية خارج حدود شخصيات روايته تشبه، إلى حد كبير، حياته الشخصية، ومع مرور الوقت لم يعد بالإمكان معرفة الفرق بين الواقع والمتخيل.

شبح ليتل نيل: صرخات ديكنز في وجه الواقع

وهذا تشارلز ديكنز، صارخًا فيهم حينًا، ومتحدثًا إليهم معظم الوقت، هكذا كان حاله أثناء كتابة معظم أعماله، ولما ظن أهله أن الجنون أصابه، أخبرهم: «إن شخصيات رواياتي تتحدث معي بانتظام، وأحيانًا كثيرة يتشاجرون معي لأنهم يعتقدون أن لديهم الحق في تعديل سير أحداث الرواية، هكذا يظنون».

في رواية «متجر التحف القديمة» التي كانت تُنشر مسلسلة في إحدى الدوريات الأدبية، قتل ديكنز شخصية ليتل نيل، ولكنه بعدها تلقى آلاف الرسائل من قراء غاضبين، مفجوعين، متأثرين جدًا بسير أحداث الرواية، ولكن ديكنز كان الأكثر حزنًا، وقال: «إن موت ليتل نيل أفجعني، وأصبح من العسير عليَّ أن أفكر في أي شيء آخر، ولكنني لا أستطيع إعادتها مرة أخرى إلى الحياة».

شخصيات ديكنز، في ذلك الوقت، كانت الأقرب إلى الواقع من بين أدباء عصره، هذا ما صرَّح به النقاد عند تحليل أعمال تشارلز ديكنز.

لعنة مدام بوفاري

غوستاف فلوبير (أديب فرنسي له عدة أعمال مترجمة إلى عدة لغات)، ولكن أشهرها تحفته «مدام بوفاري»، وكان هو أكثرهم تأثيرًا وتأثرًا بما كتب، فشخصية إيما بوفاري تمكنت منه طيلة حياته حتى مات.

تمكنت شخصية إيما بوفاري في رواية مدام بوفاري من كاتبها غوستاف فلوبير حتى مات

في منزل الأديب كانت لديه مساعدة شخصية خاصة، وهي كانت الوحيدة التي ظلت معه حتى نهاية عمره، تهتم بشؤونه، وقد تبرع لها بكثير من ماله عند موته، وهذا مذكور في وصيته الخاصة، وقد روت مساعدته الآتي: «إن الأديب في آخر أيامه كان يردد كثيرًا: «إيما بوفاري، مدام بوفاري»، ليلًا ونهارًا، في أثناء تناوله للطعام وبعده».

في أحد الأيام طلب منها أن تعد له طعام الإفطار، وعندما عادت إليه وجدته نائمًا على درج مكتبه، وتلك لم تكن من طباعه، ثم إنها نظرت إلى ماكينة الكتابة الخاصة به، فكانت «مدام بوفاري» آخر ما سطره الكاتب، ومات بعدها. استغرق في كتابتها ثلاث سنوات، وتعرض بعدها للمحاكمة بتهمة نشر الفجور؛ «مدام بوفاري» أسطورة، والأسطورة لا تموت.

تحدث غوستاف فلوبير كثيرًا عن «مدام بوفاري» في لقاءات صحفية وندوات للنقاد ودور النشر، وكثيرًا ما سأله الصحفيون عن ماهية «مدام بوفاري»، فأجابهم: «مدام بوفاري هي أنا».

أندريه جيد قال: «إن في داخل كل منا مدام بوفاري: أمنياتُ وأحلامُ مدام بوفاري، عشقُنا الخفي، سرُّنا الذي لا نبوح به لأحد، رغباتُنا الدفينة، إيما بوفاري هي ثيمة الحظ لكثيرين».

في تلك المنطقة الواقعة بين الواقع والمتخيل، يعيش الروائيون أكثر من حياة، وأحيانًا كثيرة لا يريدون أن يتخلوا عن تلك الحياة (يمكن مشاهدة فيلم «النافذة السرية» للرائع جوني ديب). ومن دون الخوض في التفاصيل، لقد جُنَّ الكاتب بالشخصية التي ابتكرها؛ «هل لأن تلك الحياة هي التي تمنَّوها في مخيلتهم، أم أنهم اعتادوا العيش بتلك الشخصية التي ابتدعوها؟».

في أحيان كثيرة، بعض الروايات كانت تستغرق عدة سنوات من المؤلف، وتصبح شخصيات الرواية هي، فعليًا، حياة الكاتب. هي ليست حياة متخيلة سطرها هؤلاء النبلاء، إنما هي حياة عاشوا تفاصيلها وخاضوا غمارها.

فيكتور هوغو والبؤساء: معايشة الألم لنسج خيوط الواقع

مثال آخر فيكتور هوغو ورائعته «البؤساء» (جان فالجان وكوزيت)، للكاتب أيضًا عدة روايات، ولكن هذه تحفة خاصة. كان أسطورة في فن الكتابة عن المهمشين؛ عاش حياتهم وخاض تجاربهم نفسها، وعاش الفقر نفسه، وبات لياليَ عدة في أماكنهم نفسها حتى يستطيع أن يكتب عن تجاربهم، وأحلامهم، وإلا كيف له أن يكتب تحفته الخالدة «البؤساء»؟

كان « فيكتور هوغو» أسطورة في فن الكتابة عن المهمشين وقد تأثر بروايته «البؤساء»

رأى بعينيه الخير والبؤس والمرض في حياة جان فالجان والطفلة كوزيت، ولام المجتمع كثيرًا لإفراز شخصية بحقارةِ المفتش خافير.

إن التمازج الروحي بين الروائيين والشخصية الروائية هو الذي خلق لنا أعمالًا عظيمة، مثل «مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير، و«الأبله» لدوستويفسكي، الذي يُعَدُّ حالة خاصة من بين معظم الكتَّاب في سبر غور النفس البشرية، و«البؤساء» لفيكتور هوغو، و«مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز، و«آنا كارنينا» لتولستوي، و«البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست.

شخصيات عربية خالدة: من متعب الهذال إلى فاطمة شيخون

المبدعون العرب حالة خاصة في كيفية التعلق بشخصيات الرواية.

  • كنت كلما مررت بجانب المقهى، عَنَّ لي أن أمر على مختار كحيل وأقرئه السلام، وأحتسي معه فنجانًا من القهوة، ونتحدث معًا، ولكني كنت أعود إلى رشدي، متذكرًا أن تلك مجرد شخصية خيالية غير موجودة، «ولكنه موجود في عالمي الافتراضي ومؤثر»، إبراهيم عبد المجيد، روائي مصري.
  • «متعب الهذال بن الصحراء، أنا لم أخلقه من العدم، هو موجود هناك وأنا فقط استدعيته لبعض الوقت. كان يزورني كثيرًا في الليل وفي الأحلام، ويسخر مني أحيانًا». عبد الرحمن منيف، أحد أعظم الروائيين العرب.
  • «بنت الحرام لا تريد أن تموت، مع أنني متيقن تمامًا أنني دفنتها مرات عدة، ولكنهم لا يريدون موتها»، محمد شكري الطنجاوي، متحدثًا عن «الخبز الحافي».
  • «لقد أعطيتها عمرًا جديدًا، لأنني خلقتها من العدم ولم أعد أكترث، ولكن فاطمة شيخون ألحت على أن أعيدها إلى الحياة مرة أخرى»، يوسف السباعي، روائي مصري.

هؤلاء الرجال العظماء ابتكروا تلك الشخصيات، أوجدوها من العدم، ثم رحلوا، ولكنهم وشخصياتهم ملءُ السمع والبصر، ستظل موجودة مدى الحياة، تنتظر أن تعود مرة أخرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.