إن العلوم الإسلامية مرتبطة بالعلوم الدنيوية ارتباطًا وثيقًا؛ لذلك تشجع الشريعة الإسلامية على خوض ميدانها والتبحر فيها؛ لأن في هذا خدمة للعلوم الشرعية نفسها، لذلك انشرت هذه العلوم وازدهرت إبان قوة الحضارة الإسلامية التي كان الإسلام سبب قوتها الأول، وضاعت عندما تهاون المسلمون في أمر دينهم.
تطور العلوم المختلفة على يد علماء المسلمين
فالرياضيات مثلًا مرتبطة بعلم الميراث والزكاة، وهما أصلان مهمان في العلوم الإسلامية، لذلك فالاهتمام بها -الرياضيات- يُعد اهتمامًا بالدين الإسلامي نفسه، ومثلها الجغرافيا التي بها يعرف المسلمون البلاد ومسالكها، فيستطيعون بها معرفة الطريق إلى مكة لأداء الحج والعمرة، ومعرفة تحديد اتجاه القبلة في الصلاة، والمساعدة في الفتوحات والجهاد، والفلك مثله، فبسببه نراقب النجوم والكواكب، لمعرفة دخول الشهر العربي، المرتبطة به بعض العبادات، كالصيام والحج والعدة وغيرها.

لذلك ازدهرت هذه العلوم في الحضارة الإسلامية، عندما كان الإسلام هو العماد الأول لهذه الحضارة. وإن كان المسلمون قد أضاعوا هذه العلوم، فهذا ليس ذنب الشريعة، ولا ذنب علماء السلف المجددين الذين اتبعوا التجديد على قول الله ورسوله.
ولكن وبالمقابل هذا لا يعني أن يتحول الفلك إلى تنجيم، والكيماء والرياضيات إلى ممارسة السحر والشعوذة والشعبذة، والفلسفة إلى طعن في العقيدة، وتحريف لكلام الله ورسوله، وتحوير له عن معناه الذي أراده الله ورسول الله، والقول مثلًا إن النبوة مكتسبة، وإن الموسيقى والغناء أمران واجبان في الحضارة، هذا ما هاجم فيه العلماء الراسخون بعض من اشتغل بهذه العلوم من المسلمين التي أصبحت فيما بعد سببًا لتدمير الحضارة الإسلامية.
علماء المسلمين والطب
ولنا أن نسأل ونستعجب: لماذا يهاجم علماء المسلمين الطب؟! وقد كان طبيب العرب الحارث بن كلدة موجودًا على عهد النبي، ويعالج الصحابة بعلمه، بل وهو من نصحهم عليه السلام بذلك، بل ووضع علماء السلف كتبًا في الطب النبوي، تمثل النصائح الطبية التي وجهها النبي لصحابته الكرام.
إن العلماء لم يهاجموا الطب، بل هاجموا بعض الأطباء الذين انحرفت عقيدتهم، فاتجهوا إلى السحر والشعوذة والشعبذة التي خاف العلماء من أن تنتشر في المجتمع الإسلامي، فتدمره وتسبب تراجعه، وهاجموا اتجاه بعضهم إلى الفلسفة بحجة التنوير، والتي أدَّت ببعضهم إلى الإلحاد والعياذ بالله.

لو سمع حكام المسلمين مثلًا لقول العلماء الراسخين في محاربة التصوف، ومنع أتباعه ولو بالقوة، بحبسهم ومنعهم والقضاء عليهم، عندما انتشر التصوف في ديار المسلمين، وكان سببًا في تحطيم دينهم وحضارتهم، وجعلهم سخرية الرحالة والكُتاب الغربيين الذين زاروا بلاد المسلمين في زمن الانحطاط.
حتى إن القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت عندما احتل مصر جمع علماء الأزهر وسألهم عما يراه من تبرك الناس ببعض المجانين، وبعض متسخي الأجسام والثياب، وبعض ممن يسمونهم بالدراويش الذين يسيرون عراة في الطرقات، وقد بدت سوءاتهم، بل ويتبركون ببعض الماعز والخراف التي يملكها بعض شيوخ الطرق الصوفية، قائلًا لهم متعجبًا: هل هذا هو الإسلام؟!
الإسلام وخرافات التصوف
لقد كان التصوف سببًا في تدمير حضارة المسلمين ودينهم، بما نشره من بدع وتُرهات وخرافات، وسببًا في تحطيم عزائمهم وتشجيع الفتور فيهم؛ كونه يدعو إلى التواكل، وترك الأخذ بالأسباب، وتشجيع الخمول، وترك العمل الدنيوي، فأضاعوا الدين والدنيا، لما تعودوه من الكسل، واختيارهم التمسك بالخرافات.
فأصبحوا يواجهون عدوهم، سواء كان هذا العدو هو الجهل، أو كان الدول المعتدية عليهم، يواجهونه بما ابتكروه من بدع في الدعاء، لم يُنزل الله بها من سلطان، فكان العدو يدك بيوتهم بالمدافع مثلًا، وهم مجتمعون يقرأون صحيح البخاري قراءة جماعية، وهم يهزون رؤوسهم، أو يذكرون الله ذكرًا جماعيًا وهم يتراقصون، أو يطلبون النجدة والمساعدة من راقد في القبر، ونسوا أن الرسول كان يدعو الله كما أمر وشرع، وهو يحمل السيف.

ولا يغيب عن أحد كيف أن بعض الحكام -خاصة في العهدين المملوكي والعثماني- قد شجعوا هذا التصوف، حتى إن أحد السلاطين الكبار، أقام لابن عربي الصوفي الشهير مسجدًا وضريحًا يُزار؛ لأنهم وجدوا في التصوف وسيلة للحفاظ على عروشهم، بما يسببه التصوف من قتل الأمل، وقتل حب المحاولة والعمل للإصلاح في نفوس الشعب. فالتصوف يزرع في أتباعه الرضا بالواقع المرير، ولو قرروا أن يتخلصوا من مراره، فإنهم يتمسكون بأهداب الخرافات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
لذلك نجد أن الاستعمار الغربي الذي ابتُليت به الدول الإسلامية، حرص كذلك على دعم التصوف؛ لأن من شأنه قتل الرغبة داخل الإنسان، في العمل للخلاص من الاستعمار الأجنبي، حتى إن بريطانيا عندما كانت تحتل العراق، وعجزت أن تقنع الناس بترك طريق بري كانوا يسلكونه، إلى طريق آخر جديد، خدمةً لمخططاتها الاستعمارية، بعد أن عجزت عن هذا، جعلت في الطريق الجديد بعض القبور، وأشاعت للناس أنها قبور أولياء، فانتقل الزحام إليها وتركوا الطريق القديم خاليًا.
الجامدون والجاحدون في الإسلام
إن الإسلام ابتُلي بصنفين من المسلمين، هما الجامدون والجاحدون. أما الصنف الأول، فهو صنف الجامدين الذين هاجموا كل تطور ظهر في العصر الحديث، متهمين إياه بأنه بدعة، وأن من أخذ بمخترعات العلم الحديث مثلًا، يكون قد هدم للإسلام حصونًا، وأظهر للمسلمين عيوبًا، بالرغم من أن هذه المخترعات قد تخدم الإسلام.
فالكهرباء مثلًا، والهاتف، ومكبرات الصوت حين ظهورها، خاض بعض العلماء (المجددين) الذين أجازوها، حربًا عنيفة ضد خصومهم، الذين اتهموهم ورموهم بالبدعة، وإدخال مخترعات الكفار لمساجد المسلمين، خاصة عندما أفتى علماء الحرمين الشريفين بجواز إدخالها الحرم! الأمر يبدو من البديهيات الآن، ولكنه وقتها كان ميدانًا عنيفًا للنقاش.

فمثلًا عند ظهور الطباعة، حرَّمها معظم علماء الدولة العثمانية، بمن فيهم شيخ الإسلام (مفتي الدولة)، وقالوا إنها عمل شيطاني، وظلوا سنين على ذلك، إلى أن تم السماح بها بشرط ألا تُطبع بها المصاحف وكتب الحديث النبوي!
أما الصنف الثاني فهم الجاحدون، وهم من جحدوا ما للمسلمين من حضارة وقدرة على اكتساب المعارف والعلوم الحديثة، قائلين إن المسلمين لن يلحقوا بركب العلم إلا إذا انسلخواعن دينهم تمامًا، كما انسلخت أوروبا عن الكنيسة؛ لأن الدين بزعمهم يكبِّل التفكير، ويخوِّف من التغيير، وطالبوا المسلمين على الأقل أن يتركوا الدين للمسجد فقط، ولا يحكِّمونه في شؤون الحياة والاقتصاد والسياسة.
ونسوا أن المسلمين عندما كانوا متمسكين بدينهم كما يجب أن يكون التمسك، كانوا سادة الدنيا في العلم والحضارة، كما ظهر ذلك في كتب التاريخ، وأن الإسلام حينها لم يكن سببًا في عدم تمكنهم من العلوم والمخترعات، بل إنه كان السبب الذي نقل قبائل العرب من حياة البداوة والتخلف والجهل، إلى حياة العلم والرفاه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.