العلاقة بين الأدب والفلسفة

العلاقة بين الأدب والفلسفة

عامر عبد زيد

 

إنه مفهوم معاصر، يجمع بين الأدب والفلسفة بنسب متفاوتة، إذ ارتبطت الفلسفة ومازالت ترتبط بمجالات فكريّة متعددة من ضمنها مجال الأدب.

هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين، أهمها :

أولا ، البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها.

وثانيا، في مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

 

على مستوى التعريف

1- كلمة الأدب عبارة عن كتابة ''إبداعيّة'' أو ''تخيليّة''، ومنها الكلام البليغ الذي يؤثر في نفوس القرّاء سواء كان شعراً أم نثراً.

2- لقد تطوّر هذا المفهوم على مر العصور واتّخذ العديد من المعاني حتى تكوّن بهذه الصياغة وهذا المعنى.

يتكون من ملفوظين هما الأدب والفلسفة :

أ‌-  فيما مفهوم الفلسفة مصطلح الفلسفة هو مصطلح يونانيّ، إذ تعني الفلسفة حب الحكمة، وهي النظرة العقلانيّة والفكرة التجريديّة، والمنهجيّة في الواقع بشكلٍ عام، فضلاً عن الأبعاد الأساسيّة للوجود البشري والخبرة، وهي عنصر أساسيّ في التاريخ الفكري للكثير من الحضارات، كما أنها دراسة لفهم كيفيّة الوجود، ومعرفة ما هو حقيقي وصادق، وجميل، ويشار إلى اهتمامها بكيفيّة تواجد البشر لمعرفة الحقيقة والأمور الصحيحة.

ب‌- والادب منه جاء (القلق الوجودي)، جسراً رابطاً بين الأدب والفلسفة، وقد جعل من رابطتهما، أكثر ثراء وحيويّة، في سياق البحث والسؤال، على صعيد التخيل الجامح أو التأمل العميق الراسخ سواء في أعماق الذات الإنسانيّة أم الموجودات. وفي كل هذا يستعين بجماليّة الصور وبراعة الاستعارة بعيداً عن المباشرة في التناول.

3- فالأدب الفلسفي هو المنطقة الوسطى الجامعة بين مضامين فلسفيّة وأشكال تعبيرية تخيليّة شعراً أو نثراً.

4- إن التكامل بين الأدب والفلسفة، يعد ظاهرة ملموسة في سياق ما هو منجز من الواقع الفلسفي، بوصفه علامة دالة على إنهما وجهان لعملة واحدة، مهما تباين الأفق بينهما.

 أولا، أفلاطون :

1. إذ كان أفلاطون قد أكّد على التمايز والاختلاف بينهما على الرغم من انه كان كاتباً عظيماً في مجال الأدب كما يظهر في المحاورات.

2. إلا إننا نجده يعبر عن حالة من التضاد بين الأدب والفلسفة كونه رفض وجود (الشعراء) في مدينته؛ بحجة أن الفن عموماً والشعر خصوصاً يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوماً دونياً؛ لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونياً.

      يقول أفلاطون عن الشعر : "أن الشعر الجميل ليس من صنع الانسان و لا من نظم البشر، لكنه سماوي من صنع الآلهة. وما الشعراء؛ إلا مترجمون عن الآلهة".

3. فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخريّة من الأخلاق الذميمة، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا، أما الطبقة الارستقراطيّة، فيجب أن إلا تتمثل مطلقاً في الملهاة.

4. أما المأساة "التراجيديّة" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطيّة لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة.

 ثانيا، ارسطو:

 فقد نظر إلى الأمر من زاويّة أخرى في كتابه "فن الشعر"، عندما قدّم تصنيفاً إلى أشكال التفكير جعل البرهان في المقدمة ثم الجدل وتأتي السفسطة، والتخيل في المرتبة الأخيرة، فهذا التوصيف الأرسطي قد اثر كثيراً في الفكر الوسيط بعد أرسطو وقد تمت محاكاته.

واستناداً على هذا التصنيف تكون التراجيديا:

أولا لأنها تحاكي بوساطة اللغة.

وثانيها عملاً جليلاً لأنها تحاكي أناساً فضلاء وتظهرهم بأخير مما هم عليه.

وثالثاً : دراما ؛ لأنها تقوم بتصوير الشخصيّات،

وهي تفعل وتنشط دونما تدخل من قبل الأدب.

أولا : تداخل جزئي :

كما في شعر (المتنبي)، اذ نجد هناك تداخلاً جزئياً في الشعر الذي يعتمد على مقولات ومفاهيم مستقاة من الفلسفة ما نجدها في شعر المتنبي مثلاً، يقول المتنبي :

"خليلك أنت لا من قلت خَلّي       وَإنْكًثُرَ التَمدّحُ والْكَلامُ"

ثانيا : موقف وجودي :

إذ نجده في شعر المعري (973-1057)م،الذي اتّخذ بعداً أعمق حتى وصف بالموقف الوجودي ، من مؤلفاته "سقط الزند:  وهو مجموعة قصائد و"اللزوميات"في الفلسفة العلائيّة و"رسالة الغفران "في قصة إلهيّة طريفة  ، كان يقول :

فإني وجدتُ النفسَ تبدى ندامةً /على ما جنته حيناً يحضرها النقلُ

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا /فيوشك يوماً أن يعاودها الصقلُ

ثالثا : في الشعر الصوفي :

ونجد التداخل يزداد في ضعف جماليّات الشكل ويزداد المضمون هيمنةً في  الشعر الصوفي فهو يعتمد الشعر في التعبير عن تجربة باطنيّة روحيّة تحاول التعبير عما لا يمكن التعبير عنه من رؤيّة روحيّة حدسيّة، لننظر إلى هذا القول للبسطامي :في (الأحوال)

- آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء ،وليس لنهايّة الأنبياء غايّة تدرك.

- للخلق أحوال، ولا حال للعارف؛ لأنه مُحيت رسومه، وفنيت هويته بهويّة غيره، وغُيبت آثاره بآثار غيره.

- نهايّة الصديقين أول أحوال الأنبياء.

رابعا : في الشعر الفلسفي :

ثم يزداد الأمر إذ يهيمن المضمون على الشكل في قصيدة ابن سينا في "العينيّة"؛ إلا أننا هنا نلمس أن الشكل الأدبي غدا ( وعاءً لشرح فكرة فلسفيّة ويكون العمل فلسفيا قبل كل شيء)

 

بقلم عامر عبد زيد

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة