«كن لنفسك كل شيء، لا أحد يبقى لأحد»
تدعونا هذه الجملة إلى أن نكتفي بأنفسنا في كل شيء، فهل هذا الأمر ممكن؟!
تبدو العبارة من النظرة الأولى أنها تدعو لـ (القوة الداخلية أو الثبات الذاتي) أو أي عنوان يدل على القوة والصلابة.
وتتضمن أيضًا حقيقةً واضحةً، وهي أنه لا أحد يبقى لأحد، وهذا صحيح جدًّا، فالتغيير سمة الحياة التي نعيشها، وفي النهاية لا أحد ولا شيء يبقى ويدوم.
لكن هل هذا كل شيء؟
اقرأ أيضًا أهمية العلاقات الصحية في بناء حياة مستقرة
قبل أن تسمع وتبين إعجابك
نسمع ونقرأ عبارات كثيرة رنّانة عبر صفحات السوشيال تبدو أنها حكمة أو قل نصيحة، وإذا سمعتها ستكسب بالتأكيد.
مثلًا هذه الجملة تدعوك إلى أن تكون لنفسك كل شيء، فهل هذا صحيح؟ وهل حقًّا هذه الجملة يمكن أن تساعدني؟
أنا فقط أدعوك إلى التفكير في المحتوى أولًا، وتتحقق من مناسبته، فليس كل ما يُقدم يستحق إعجابكم، والآن لنفكر معًا في هذه الكلمات القليلة، فقد تقنعك وجهة نظري وقد لا تقنعك.
اقرأ أيضًا 5 خطوات للتخلص من العلاقات السامة وطرق التعافي منها
انتبه جيدًا
في الأقل نسبة كبيرة من الناس خسرت أصدقاء وأحباء -لا أقصد الفقد- وصُدمت بأشخاص مقربين، وبعد صعوبة تجاوز الأمر تعود الحياة مرة أخرى، وتأتي إلينا فرص أخرى لنعرف أشخاصًا جدد.
لكن ماذا عن الاكتفاء بنفسي كما تدعونا إليه هذه العبارة؟
من وجهة نظري هذه العبارة فخ، وبنظرة أكثر تركيزًا سوف نشعر كأن خلفية قائل الجملة موسيقى حزينة، يبدو أنه مجروح، أو صُدم من أحدهم.
لذلك يريد أن يكتفي بذلك، وهو ما سيضيف جرحًا آخر إليه أو في الأقل سيزيد جرحه ألمًا، فعندما نفكر في هذا الكلام نجد صعوبة في أمور كثيرة، مثل:
كيف سأكون كلهم لي؟
كيف سأكون صديقة نفسي في كل الأوقات؟ وكيف سأقدم المشورة لي عندما أحتار؟ وكيف سأعتني فقط بنفسي ولا أرى أحدًا آخر في المشهد؟
كيف سينجح زواجي إذا كنت لنفسي زوجًا وزوجة؟ ولماذا سأربي أبنائي ولا أحد يبقى لأحد؟
وماذا عن عائلتي ووالديّ وأخي؟ هل يمكن استبدال نفسي بهم؟
هل ألغي أصدقائي وأمسح كل ذكرياتي معهم؟ فأنا أكفي نفسي.
بلا شك توجد علاقات سامة وعلاقات تستهلكنا، لكن هذا لا يعني محو الكل، بل يعني زيادة الحكمة والتمييز.
اقرأ أيضًا الاستقلال الذاتي في العلاقات.. كيف نكون علاقة صحية؟
استمرار العلاقات
بلا ريب لا أحد يبقى لأحد؛ لأننا نتغير ونُغيّر أمكنتنا، بيوتنا، عملنا، أو قد تدفعنا الظروف إلى أن نغيرها، ونحن أيضًا لن نحيا إلى الأبد، وعلى هذا لن نبقى حتى لأنفسنا..
لكن هذا لا يعني أنه مع كل تغيير علينا أن نلغي المرحلة التي سبقته، فنحن لسنا أزمنة في حياة بعضنا إلا إذا قررنا بإرادتنا ذلك، فالعلاقات الجيّدة تستحق الاهتمام والجهد لتدوم.
وعلى هذا أنا أحتاج إلى علاقات متزنة في حياتي، ولا أقصد أن يكون الشخص اجتماعيًا كثير العلاقات؛ لأن لكل منّا علاقاتٍ في حياته سواء أكان انبساطيًا أم انطوائيًا.
والعلاقات تستمر بشروط من أول علاقات الصداقة والعلاقات العائلية إلى علاقة الزواج والأسرة.
وهذه الشروط تتضمن الاتزان، وأن تكون العلاقة حقيقية خالية من الزيف، أجد نفسي فيها وأرتاح، ولا تستنزف طاقتي طوال الوقت.
والحمد لله على نعمة المواقف والظروف التي تجعلنا نُعيد النظر لنستوضح الحقائق.
اقرأ أيضًا عوامل نجاح العلاقات الأسرية وأسباب فشلها
الخريف لا يأتي طوال العام
نحن لا نعيش في عالم مثالي، وعلاقتنا مثلنا ليست مثالية طوال الوقت، توجد مراحل مُجهدة نحتاج فيها إلى عناية أكبر ممن حولنا أو حتى الابتعاد عنهم حتى نستعيد طاقتنا.
والآخرون مثلنا، تمر بهم الأوقات القاسية التي يحتاجون فيها إلى الدعم أكثر من أوقات الراحة.
وكلنا في وقت الحيرة نحتاج إلى من يرشدنا نحو النور، ويرتب معنا أفكارنا؛ لنفهم أنفسنا، والعلاقات الحقيقية هي التي تصمد في النهاية رغم اختلاف الفصول.
اقرأ أيضًا العلاقات السامة وتأثيرها في الصحة النفسية للأفراد
لست أفضل من الآخرين
لستُ أفضل من الآخرين، وأنت أيضًا لست كذلك، وهذه حقيقة نحتاج كلنا إلى أن ندركها تمامًا، فالجميع ليسوا غير صالحين، ويجب الابتعاد عنهم والاكتفاء بنفسي، والناس ليسوا أعدائي، وأنا الضحية بينهم.
وفكرة أن أكون لنفسي كل شيء تُعزز إحساس الأفضلية والفوقية من ناحية الآخر، وتجعلني أبتعد دون أن أدري عن الجميع، وبالتدريج سوف أوُاجه حقيقة أني لا أقدر أن أكون جميع الناس، وأني بلا شك أحتاج إليهم، وأحتاج إلى الصادقين منهم.
في النهاية، علاقاتنا مُعقدة مثلنا، لكننا نحتاج إليها لنعيش حياة غنيّة.
لم ننكر وجود العلاقات المُسيئة، وهذه الكلمات لا تدعو إلى الاستمرار في علاقات سامة على أي مستوى، لكننا نُقرّ بوجود علاقات جميلة نحتاج إليها وتحتاج إلى أن نحافظ عليها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.