العلاقات الوجدانية في خضم المفاهيم التجارية


البيع والشراء هما عمليتان متقابلتان متكاملتان لا تتم إحداها إلا في وجود الأخرى... أو أنهما بالأحرى عملية واحدة تتكون من شقين متعاشقين... وهما مثل كل عمليات الحياة والطبيعة المتكاملة والمتقابلة... مثل: الحياة، والموت، والبناء، والهدم، وفي الكيمياء: مثل الأكسدة، والاختزال، أو الحموضة، والقلوية، وفي الطبيعة مثل التبخر، والتكاثف، أو الانصهار والتجمد... كلها عمليات متقابلة متكاملة تضبط ميزان الحياة حتى تظل قائمة لا يعتريها الفناء...

البيع والشراء إذن هو عملية تبادل خدمات أو ممتلكات بين الناس بين البائع والمشتري بحيث يبدأ البائع في عرض ما يمكنه منحه للآخرين فيأتي المهتمّون أو المشترون للحصول على هذا العرض مقابل خدمات أو ممتلكات أخرى يستحوذون عليها...

وكانت هذه العملية تتمّ في الماضي بصورة مباشرة تسمى المقايضة ثم تحولت إلى عملية غير مباشرة بعد اختراع النقود كمخزن وسيط للقيمة... يُعدّ تسارع وتعاظم حركات البيع والشراء في العالم هو مؤشر على حيوية وازدهار الحياة واعتماد البشر على بعضهم البعض... فلا يستطيع أي إنسان أن يعيش في عزلة عن البشر... إذن البشر يحتاجون بعضهم البعض وهذا الاحتياج يزكي من عملية البيع والشراء، إذن البيع والشراء ظاهرة صحيَّة وتدل على سلامة الحياة العامة للبشر، إذا لم يتم إساءة فهمها ومقاصدها، وإذا تمت في جو صحي سليم نفسيًا واجتماعيًا...

قد تكون عمليات البيع والشراء عمليات ديناميكية ينتج عنها تحديد قيمة أو سعر الأشياء دون تدخل مباشر من البشر فالقيمة تعتمد على عاملي ندرة المنتج من جهة البائعين ووفرة الطلب من جهة المشترين، ورغم تلقائية العاملين إلا، التدخل البشري يمكن أن يدفعهما أحيانًا في الطريق الملتوي، وفي جميع الأحوال تتحدد قيمة الشيء بندرته وليس بقدر ما أنفق فيه من عمل أو مواد، والتي قد تمثل عوامل إضافية للسعر لكن العامل الأكبر هو الندرة، وهذه الآلية في تحديد قيمة الأشياء قد تخضع لكثير من الحظ والعشوائية وكثير من الظلم... فالندرة ليست من صنع البائع رغم أنها قد تصيبه بالحظ الكثير، كما أن زيادة الطلب على منتج تخلقها ظروف متشابكة ليس للبائع أو المشتري يد فيها.

مفهوم عملية البيع والشراء في الحياة العملية والحياة الوجدانية:

البيع والشراء في حد ذاته ظاهرة نشاط إنساني يتضمن الكثير من المعاني أهمّها تداخل حياة البشر بطريقة مكثفة، بحيث لا يمكن لفرد أن يعيش في معزل عن حركة المجتمع، كما أن تسارع الحركة في هذه العملية يدل على حيوية المجتمعات الإنسانية وتقدمها، وهذه العملية في جوهرها تمثل عملية التبادل الحتمية بين مختلف منتجات البشر الفكرية والمادية وبين احتياجات الآخرين لهذه المنتجات...

ويتمثل هذا في الإنتاج والاستهلاك وكلاهما مؤشر لديناميكية المجتمع، ويتم التبادل عبر وسيط تمّ ابتكاره وتوظيفه عبر السنين؛ لتسهيل هذه العمليات في جميع أمم الأرض ألا وهو المال الذي يقوم بوظيفة لا يمكن الاستغناء عنها.

ولأن الكائن الحي يسعى لإبراز وإثبات وتأكيد وجوده فأحيانا يميل للتأثير على عملية التبادل لتحقيق مصالح ومكاسب أعلى على حساب الطرف الآخر، وهذا هو الجانب المؤلم في هذه العملية، فمن الصعب بمكان أن تتم العملية بتوازن عادل بين طرفي العملية لأن كل طرف يسعي بكل تأكيد لإعلاء مصلحته على الطرف الآخر.

وهذا أصبح عرف مقبول في المجتمعات لأنه من الصعب بمكان إيجاد نظام أخلاقي فاضل لهذه العمليات في ضوء الواقع المعاش وما يعتريه من مشاكل يجعل التنافس الوجودي شرسًا في كثير من الأحيان... ومن الصعب بمكان إيجاد نظام عادل يحدد قيمة المواد المتبادلة بعيدا عن مبدأي الندرة والاحتياج... ندرة المنتج واحتياج الآخرين إليه، وهما عاملان طارئان لا فضل لأحد فيهما، ولكنهما يحددان سعر التداول بما يفيد فئة على حساب فئة.

وهذه العملية موجودة في العلاقات الإنسانية بمعنى مختلف عن الحياة العملية فهي أيضًا عملية تقابل بين عطاء وأخذ وهذا العطاء والأخذ يتم أساسا بين المشاعر والأحاسيس والقيم الوجدانية والأخلاقية... ولأنه لا يمكن فصل هذا الجانب الوجداني عن الجانب العملي في الحياة فيحدث كثير من الخلط والتداخل بين مفهوم عملية البيع والشراء في الحياة العملية، ومفهومها في الحياة الإنسانية الوجدانية...

وهذا التداخل بين مفهوم البيع والشراء في الحياة العملية الوجودية، وفي الحياة الوجدانية قد يؤدي إلى فشلها أو فشل أحدهما على الأقل... فكل حياة يجب أن تسير بأدواتها، ففي الحياة العملية لا يمكن استخدام عملة الحب والعواطف وإلا كانت زلفي واستغلال... وفي الحياة الوجدانية لا يمكن استخدام عملة النقود وإلا كانت استخدامًا واستهانة...

نعم في الحياة الوجدانية قد نستخدم النقود ولكن ليس كعملة لشراء الحبّ ولكنه قد يكون أحيانا وسيلة للتعبير عن الحب في أضيق الحدود، فالتوسع في استخدام المال في الحياة الوجدانية يُمكن أن يفسدها تمامًا لأنه يحول المشاعر والأحاسيس إلى صورة مادية غير حقيقية مما يكون مآلها الفشل، فالمشاعر ترفض دائمًا أن تكون حبيسة هذا الإطار حتى لو دخلت حجرات الأسر المالكة في ممالك الأرض، المشاعر لها مساراتها وتفاعلاتها وموازينها الخاصة ومن العبث أن تدخل في موازين المال والمادة...

ولكن هذا الخلط في المفاهيم موجود في الحياة الاجتماعية بصورة تكاد أن تكون قاتلة أحيانا، فمثلاً عند الزواج لا يبحث الأهل أو العرسان عن الحبّ إنما يبحثون عن المال والجاه، فمن الأقوال الشائعة أن هذه العروسة مهرها غالي، وكأنها سلعة تباع وتشترى... وعندما تفشل أحد الزيجات لا يدرك الأهل السبب الحقيقي للفشل، ولكنهم يمعنون في الخطأ فيتصورن أن الفشل كان أساسًا بسبب انخفاض قيمة المهر أو المؤخر، ولا تخجل العروس أن تُعلن على الملأ (أنا اتبعت بثمن رخيص)... وتتمركز أهم أحداث فترة ما قبل الزواج على عمليات تجارية بحتة أحيانًا ما تعصف بمشروع الزواج قبل إتمامه، يا لها من صورة كئيبة كيف نسجنا خيوط المجتمع بحيث تصبح أهم علاقة إنسانية في الحياة هي عملية تجارية أو بيع وشراء بالمفهوم العملي الشائع...

فلا عجب إذن أن تعترض هذه الحياة كثير من المشاكل كونها عملية بيع وشراء مغلفة بمفاهيم ظاهرها الحب والرحمة وباطنها العذاب، فالمغالاة في قيمة المهر والشروط المالية للزواج يوضح أن المجتمع يمارس عملية الزواج بمفهوم تجاري بحت فهذا المجتمع غير عابئ عن إيجاد الوسيلة التي تؤدي لزواج قائم على حب حقيقي... حتى أن الحبّ مجرم ومحرم وهزل يعف الكثيرين عن الحديث عنه، رغم أنه هو الأساس الصحي الوحيد لحياة سليمة... فإلى متى نفسد الحياة بهذه المفاهيم التجارية في علاقات إنسانية لا تقوم حقًا إلا على أساس الحبّ والرحمة والمشاعر الراقية...

وهذا المفهوم المادي التجاري الذي تأسس عليه الارتباط الأسري كثيرًا ما يخيم على مفاهيم الزوجين لفترة طويلة، فكلاهما يحسب المكسب والخسارة وكأنهما شريكان في عملية تجارية، حتى أن الحب ومشاعره يتوارى في الجانب المعتم من جمجمة الإنسان. فالعروسان، أو أحدهما على الأقل، قد يبحثان أكثر عن الأمان المادي أكثر مما يبحثان عن الأمان العاطفي، وبسبب هذا البحث يحدث التباعد العاطفي أكثر وأكثر.

نحو إنشاء بيئة مناسبة لنشوء علاقات سليمة:

المناخ العام والثقافة السائدة تجعل عملية إنشاء أسرة سليمة مبنية على الحب هي عملية تكاد تكون صعبة جدًا إن لم تكن مستحيلة، ولا أدل على ذلك من كم الفشل المعلن وغير المعلن في العلاقات الأسرية السائدة... لا شكَّ أن الثقافة العامة التي يغلب عليها مفاهيم البيع والشراء والمكسب تفسد مفهوم العلاقات الإنسانية السليمة التي يجب أن تكون مبنية على التقارب الوجداني والمشاعر الإنسانية الراقية بعيدا عن المقاييس المادية، ولكن كيف تزرع هذه المفاهيم الوجدانية في أرض جدباء خالية من الثقافة الراقية...

لقد حبانا الله بمشاعر بريئة راقية ولكننا نحولها لمفاهيم تجارية في غيبة الثقافة وفي غياب الاجتهاد في تنميتها وتربيتها... فقد نقضي معظم حياتنا في البحث عن مكاسب مادية لن تعطينا أبدًا لحظة أمان عاطفي حقيقي، ولكننا نستمرئ التمثيل والارتجال... وإذا كنا فشلنا عن تحقيق بيئة سليمة تسمع للأفراد بالبحث عمن يقاربونهم في مشاعرهم ومشاربهم العاطفية، فلا أقل من أن نسمح للأجيال القادمة أن تمارس هذا الحق في جو صحي آمن.

لا يجرم هذه العملية بل يحترمها ويوقرها ويقدسها، وعلى الأقل لا يعتبرها خروجًا عن المألوف أو وقاحة لا تحترم حياء وعفة المجتمع... نعم الحياء والعفة مطلوبين ولكن البحث عن حبّ حقيقي أو أزواج متقاربين في بصمتهم الوجدانية هو أكثر أهمية من هذه العفة الظاهرية... فالإطار الذي يتم فيه مشروع الزواج لا زال فقيرًا للبيئة المناسبة التي تضمن قدرًا معقولاً من صواب الاختيار بناء على مقاييس وجدانية وليس موازين مادية.

ولا شكَّ أن فرصة الاختلاط المحدودة والتي يفرضها المجتمع تقلل من فرص تقابل الأشخاص ذوي الهوى والشارب المتقاربة، فهذا الحصار المفروض على الجنسين في الالتقاء الحر قد يجعل بحثهم عن بعضهم البعض يتم عبر وسيط... وقد يضطر الجنسين أحيانًا للموافقة على أي اختيار تحت ضغط سوط الزمن وأن قطار الزواج السريع لا ينتظر أحدًا... فدور المجتمع أن يبحث عن خلق وسائل اختلاط آمنة تتضمن أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية، تضم الجنسين بما يتيح لكل فرد قدرًا من النجاح للوصول إلى شريك مناسب بعيدًا عن الموازين التجارية والطرق التقليدية، التي تقود أفرادًا لا يعرفون بعضهم البعض للتعايش كزوجين مغتربين طوال رحلة العمر... من حق الجنسين معًا أن يبحثان عن القرين المأمول بلا خجل أو وجل...

بقلم الكاتب


الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..