العلاقات الهندية الباكستانية: هل تصلح الثقافة ما أفسدته السياسة؟

الهند وباكستان، قد يبدو السؤال عن الروابط بينهما غريبًا مع حجم التوتر الكبير الذي يرتفع وينخفض بين الجارتين النوويتين منذ عام 1947م، عندما قُسِّمت الهند إلى دولتين، لكن الجذور التاريخية بين البلدين تحمل كثيرًا من التعقيد والروافد المشتركة والتقاليد الثقافية التي تجعل كلا الشعبين مرتبطين ببعضهما على مستويات عدة، على الرغم من الخلافات السياسية التي تصل إلى التناحر العسكري.

وعند النظر إلى الواقع التاريخي للهند وباكستان، فإننا نجد عددًا من التبادلات الثقافية التي تشكل هوية كلا البلدين، ولا يمكن تصور هوية شعب منهما دون وجود الآخر، وهو ما لا يمكن إنكاره، على الرغم من تأثير تقسيم الهند إلى دولتين والصراعات اللاحقة، ما يجعلنا نعود إلى الخلف قليلًا، ونتأمل المشهد التاريخي لنفهم قدر هذا التعقيد وقدر الترابط بين البلدين.

الهند وباكستان قبل تقسيم شبه القارة الهندية

قبل عام 1947م كانت شبه القارة الهندية وطنًا واحدًا، يضم عددًا من الأديان والثقافات التي استطاعت أن تتلاحم وتكون هوية المكان على مدار مئات السنوات، لكن الاستعمار البريطاني الذي حط الرحال في الهند في منتصف القرن التاسع عشر كان له دور كبير في تغيير الواقع، والدفع في اتجاه الانقسامات الطائفية لأغراض تخدم مصالحه على المدى الطويل.

شبه القارة الهندية

وفعلًا بدأ المسلمون عام 1906م بتكوين رابطة تُسمى (رابطة مسلمي عموم الهند) التي نشأت بغرض الدفاع عن حقوق القلة المسلمة داخل الغالبية الهندوسية في المجتمع الهندي، وظهر عدد من القادة المسلمين الذين بدؤوا بتمثيل القلة المسلمة على المستوى السياسي؛ مثل محمد علي جناح، حتى وصل الأمر إلى المطالبة بتكوين دولة إسلامية مستقلة.

من ناحية أخرى كان توجد أصوات في الهند تطالب بإنشاء دولة علمانية قادرة على تجاوز المرحلة باحتواء الطوائف الموجودة كلها، وهي الفكرة التي نادى بها الزعيم الهندي المهاتما غاندي، لكن أحداث الحرب العالمية الثانية دفعت إلى تقسيم الهند.

تقسيم شبه القارة الهندية

في عام 1947م قُسِّمت الهند بالفعل إلى دولتين مستقلتين هما الهند وباكستان، وهو ما كان قرارًا محفوفًا بالخطر، ولم يراعِ العواقب الإنسانية واللوجستية، ولم ينظر إلى طبيعة الناس ولا الظروف التاريخية في تلك اللحظة، لكن مساندة بريطانيا ودعمها للتقسيم عجّل بتنفيذ القرار.

تقسيم شبه القارة الهندية

وفعلًا بدأت عملية الهجرات الجماعية، فانتقل الهندوس والسيخ من باكستان إلى الهند، وانتقل المسلمون من الهند إلى باكستان، وهي العملية التي شهدت كثيرًا من أعمال العنف الطائفية، وأدت الى تشرد نحو 15 مليون شخص من الجانبين ومقتلهم، وهو ما تصفه المؤرخة ياسمين خان في كتابها (التقسيم العظيم - The Great Partition) بأنه زلزال جيوسياسي، ولا يزال محفورًا حتى الآن في ذاكرة الشعب الذي قسّم إلى بلدين. 

كشمير وبداية النزاع بين البلدين

على الرغم من تقسيم شبه القارة الهندية، لكن المشكلات والصراعات لم تنته، وظلت منطقة كشمير الحدودية بين البلدين بؤرة للنزاع والصراع من عام 1947م حتى الآن، ما دفع كلا الدولتين إلى الدخول في سباق التسلح، وامتلاك الأسلحة النووية، ما كان له تأثيرات اجتماعية واقتصادية كبيرة في كلا البلدين. 

النزاع على إقليم كشمير

الموروث الثقافي والروابط المشتركة بين الهند وباكستان

عند الحديث عن التفاعلات الثقافية والموروثات المشتركة بين الهند وباكستان، فإن الأمر يعود إلى مئات السنين حتى الآن، ويتجلى في عدد من الروافد الثقافية والشعبية، منها على سبيل المثال:

اللغة والأدب جسر ثقافي مشترك بين الهند وباكستان

لا يزال الناس في الهند وباكستان يشتركون في عامل اللغات التي ترتبط بسياقات تاريخية بعيدة، وعلى رأسها الأردية والهندية اللتان تشتملان على تشابه كبير، حتى على مستوى الكتابة تعد اللغتان رافدين من نهر واحد.

إضافة إلى أن الأدب الأردي يحتفي بعدد من الكتّاب والشعراء الذين كتبوا بالأردية هنا وهناك؛ مثل: ميرزا غالب، وإقبال، وكان لهما أعمال عظيمة ناقشت الموضوعات الإنسانية التي لاقت قبولًا كبيرًا وصدى واسعًا في كلا البلدين.

ومن ناحية أخرى فإن الأدب الهندي أيضًا يحتفي بعدد من الشخصيات الأدبية ذات التأثير الكبير في الشعبين؛ مثل: فايز أحمد فايز، وبريم شاند اللذيْن تحدثت أعمالهما عن تعقيدات المشاعر الإنسانية، ولم تفرق بين الهندي والباكستاني.

تقاليد الطعام والمائدة رمز الترابط الشعبي

لعل أبرز مشاهد الترابط الثقافي والشعبي بين الهند وباكستان تتجلى في المائدة والأطعمة في مطابخ البلدين، فقد تجد التوابل العطرية والكاري الهندي حاضرين في باكستان، وقد تجد البرياني الباكستاني حاضرًا في الهند.

وفي الشارع تستطيع أن تلمح ذلك الترابط الثقافي، وتتذوقه في الأطعمة والأطباق المنتشرة في كلا البلدين من السمبوسة والجلب والشتات، إضافة إلى النكهات التي يشترك فيها كلا الشعبين بعيدًا عن توترات السياسة والمشاحنات بين الجيشين على الحدود، كأن الطعام أكثر صدقًا من السلاح.

 وتعد الفعاليات السياحية والمهرجانات التي ضمت طباخين ومتسابقين من كلا البلدين في السنوات الأخيرة دليلًا رائعًا على الوحدة الثقافية بين شطري شبه القارة الهندية، ما يوضح أنه يوجد ترابط كبير واستعداد أكبر لمرحلة جديدة من السلام المبني على التشابه والترابط والتفاهم.

الفنون والمهرجانات المشتركة بين الشعبين

يعد الفن أيضًا أحد الروابط القوية التي تجمع بين الهند وباكستان، فقد تشمل التقاليد الفنية في كلا البلدين طيفًا واسعًا من المدارس الفنية التي تمتد من هنا وهناك، ما يشكل هوية فنية واحدة للبلدين، بالإضافة إلى المهرجانات التي تشهد على تشابه التراث الثقافي بين الهند وباكستان، ففي الهند يعيش الهنود مظاهر احتفالات عيد الأضحى، في حين يحتفل الباكستانيون بمهرجان ديوالي ومهرجان بسنت.

احتفالات الهند بعيد الأضحى

وغالبًا ما تكون الاحتفالات والمناسبات والأعياد والصلوات الجماعية فرصة لالتقاء الأفراد والجماعات من كلا البلدين رغم الخلافات السياسية، فتتجلى قيم الحب والتكاتف والرحمة.

وإضافة إلى ذلك توجد الفنون البصرية التي تشير إلى اشتراك البلدين في مشهد فني واحد، فيتأثر الفنانون الهنود بأعمال نظرائهم الباكستانيين والعكس، وتجمع المعارض الفنية وورش العمل عددًا من الفنانين من كلا البلدين في أعمال فنية مشتركة، ويشهد على ذلك المنصات الفنية الموجودة عبر الإنترنت التي يشرف عليها فنانون من باكستان والهند.

وتتشارك البلدان في حب الموسيقى والغناء، خاصة فن القوالي الصوفي والغزل، فعبر فنانون مثل نصرت فتح علي خان وغلام علي الحدود وأصبحوا رموزًا فنية في شبه القارة بأكملها. وفي عالم السينما، لا يمكن إنكار التأثير الهائل لسينما بوليوود الهندية على الجمهور في باكستان، وتبادل الفنانين والموسيقيين بين البلدين على مر العقود.

مبادرات ثقافية عابرة للحدود

على الرغم من التوتر السياسي، ظهرت عدة مبادرات ثقافية حاولت بناء جسور بين الشعبين. ولعل أبرز مثال هو برنامج (كوك ستوديو) (Coke Studio) بنسخته الباكستانية الذي حقق شهرة عالمية وجمع في بعض مواسمه فنانين من الهند وباكستان، وأثبت أن الموسيقى لغة عالمية قادرة على تجاوز الانقسامات، ثم إن المهرجانات الأدبية والفنية التي تقام في دول محايدة غالبًا ما تكون منصة للقاء المبدعين من كلا البلدين.

برنامج (كوك ستوديو)

هل تصلح الثقافة ما أفسدته السياسة؟

ويبقى هذا السؤال مطروحًا ما دام يوجد أمل، وما دامت توجد روابط مشتركة بين الشعبين، وما دام يوجد نماذج واضحة وجلية كانت الثقافة والمصالح المشتركة فيها مدخلًا للتفاهم والوحدة مثلما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وقد يأتي اليوم الذي تجمع فيه الثقافة والروابط التاريخية المشتركة كلا البلدين بعيدًا عن الخلافات السياسية والعسكرية، وهي الوحدة التي قد تكون قوة عالمية جديدة؛ نظرًا لطبيعة المكان، وحجم الموارد، والثروة البشرية الهائلة في شبه القارة الهندية.

وفي نهاية هذا المقال نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال عبر مواقع التواصل؛ لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة