في سنة 30 ق.م عاد الملك الفرثي فرهاد الرابع مع جيش من الاسكيثيين إلى بلاده لاسترداد عرشه، ولما رأى المغتصب تيرداد الأول أن الأمور تسير في غير صالحه أخذ الابن الاصغر للملك فرهاد الرابع رهينة وفرَّ به إلى سوريا.
إذ لجأ عند الإمبراطور أغسطس الذي توجه في ذلك الوقت إليها لتهدئتها ولإخضاعها من جديد بعد أن كان الإمبراطور أنطونيوس قد وهبها لزوجته كليوباترا.
ولا نجد في المصادر الإيرانية وكذلك الرومانية ما يشير إلى وجود نوع من العلاقات بين الفرثيين والرومان في السنوات من 30- 23 ق.م. وعمومًا فإن تاريخ الفرثيين في تلك المدة (سبع سنوات) غامض، فالمصادر الإيرانية المتوفرة لدينا لا تذكر عنه شيئًا.
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية للدولة الرومانية خلال تلك المدة، فإن الإمبراطور أغسطس بعد أن تمكن من السيطرة على مصر سنة 30 ق.م وجعلها تابعة لروما، ركَّز اهتمامه نحو الاستيلاء على الممالك التجارية في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية – أي اليمن – لضمان مصالح الرومان في ذلك الجزء المهم من العالم، وجعل البحر الأحمر بحرًا رومانيًا.
اقرأ ايضاً وصول الأمير ولي العهد تيبيريوس إمبراطورًا
ما الذي دفع الإمبراطور أغسطس السيطرة على اليمن؟
ولعل السبب الرئيس الذي دفع الإمبراطور أغسطس إلى تركيز اهتمامه في السيطرة على اليمن وترك محاربة الفرثيين أن الأخيرين لا يشكِّلون تهديدًا للإمبراطورية الرومانية لو تركوهم وشأنهم. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أنه كان يدرك تمامًا مقدار ما تنفقه روما سنويًّا من الأموال على البخور والأفاويه وغيرها من الطيوب.
فقد كانت معظم أموالها تذهب إلى عرب اليمن ثمنًا لتلك السلع التي كان يستخدمها الرومان في شتى المجالات ولا توجد بغير اليمن، كما أن الرومان كانوا يشكون من فداحة الأسعار التي كان يفرضها التجار اليمنيون ثمنًا لتلك السلع.
ولذلك وجَّه الإمبراطور أغسطس اهتمامه سنة 24 ق.م للاستيلاء على اليمن وامتلاك السلع التي استنفدت خزانة الإمبراطورية، وأموال المجتمع الروماني، وليحول التجارة في البحر الأحمر من يد التجار اليمنيين إلى التجار الرومان وبذلك يصبح بحرًا رومانيًّا خالصًا.
وقد عهد بتنفيذ تلك المهمة إلى حاكم مصر الروماني أليوس جالوس (Aelius Gallus)، فجرد الأخير حملة عسكرية بلغ تعدادها عشرة آلاف جندي من المشاة وأسطول بحري مكون مــن 80 سفينة حربية و130 سفينة نقل.
واستعان بدليل عربي اسمه صالح، وبما أن شرح تفاصيل تلك الحملة تبعدنا عن نطاق بحثنا نكتفي بالإشارة إلى أن الفشل كان النتيجة التي آل اليها مصير تلك الحملة، وأن الدرس الذي تلقوه فيها جعل الأباطرة الذين خلفوا أغسطس لا يفكرون مطلقًا باستخدام القوة العسكرية.
اقرأ ايضاً ما لا تعرفه عن الحروب الفرثية والسلوقية
ما موقف الإمبراطور أغسطس من الاستيلاء على أرمينيا؟
أما عن موقف الإمبراطور أغسطس من أرمينيا فيبدو أن استيلاءه على مصر وسيطرته على قسم من تجارة الشرق ولا سيما مع الهند عن طريق البحر الأحمر جعله يغض الطرف عنها، فلم يحاول الانتقام من ملكها أرتاكسيس الذي أجلسه على عرشها الملك الفرثي فرهاد الرابع، ولم يحاول ضم مملكته إلى الأملاك الرومانية.
بل إن المؤرخ أندرسون (Anderson) يذكر أن الإمبراطور أغسطس قد فكر في ترك أرمينيا نهائيًّا للفرثيين، لكنه عدل عن فكرته تلك بعد فشل حملة أليوس جالوس، وبعد أن تبين له أن طريق البحر الأحمر وتجارة الهند لم تحقق للرومان سد احتياجاتهم من الحرير؛ لأن الهند وإن كانت تنتج الحرير لكنه كان قليل الكمية.
ثم إنه كان رديء النوع مقارنة بالحرير الصيني. لكنه مع ذلك لم يستخدم القوة ضدها بل لجأ إلى سياسة (فرق تسد)، وذلك بتشكيل حزب موالٍ للرومان في داخلها من طبقة النبلاء والأمراء يناوئ الحزب الموالي للفرثيين المتمثل بالملك أرتاكسيس الثاني.
وفي سنة 23 ق.م أرسل الملك فرهاد الرابع رسولًا إلى الإمبراطور أغسطس طالبًا منه أن يعيد إليه ابنه وتسليمه تيرداد أيضًا، فامتنع الإمبراطور عن تسليم تيرداد، ولكنه وافق على إعادة ابنه إليه بشرط أن تعيد له الدولة الفرثية الأعلام الرومانية والأسرى، الذين وقعوا في أسر الفرثيين في حرب حران سنة 53 ق.م.
ولم يكن الملك الفرثي فرهاد الرابع مستعدًّا لإعادة الأعلام الرومانية لذلك رفض شروط الإمبراطور، لكنه عاد مجددًا ووافق على تلك الشروط في 12 حزيران سنة 20 ق.م، وكان ذلك نتيجة نجاح الحملة الرومانية التي قادها الأمير تيبريوس (Tiberius) ابن الإمبراطور أغسطس، وقد توجهت هذه الحملة في سنة 20 ق.م إلى أرمينيا لتأييد الفريق المناصر بها لروما.
الذي كان يطالب بعزل ملكها أرتاكسيس الثاني المناصر للفرثيين، الذين أقاموه في الملك وتنصيب أخيه تيكران ملكًا على أرمينيا بدلًا عنه، والأمير تيكران هو ذاته الذي اقتاده الإمبراطور أنطونيوس أسيرًا مع أخيه وأبيهما أرتافاردس الثالث إلى مصر سنة 34 ق.م.
وقد عاش الأمير تيكران منذ استيلاء الرومان على مصر سنة 30 ق.م بروما مدة عشر سنوات، فتطبع بالطابع الروماني وصار مناصرًا لروما، وقد كان مرافقًا لتلك الحملة إلى أرمينيا.
فلما اقتربت منها قام أنصار روما بها على ملكها أرتاكسيس الثاني وقتلوه، فدخلها الأمير الروماني تيباريوس دون قتال، ونصب على عرشها الأمير الأرمني المرافق له باسم تيكران الثالث (20-6 ق.م)، وقد أقر الصلح الذي عقده الملك الفرثي فرهاد الرابع مع الإمبراطور أغسطس هذا الوضع الجديد في أرمينيا.
اقرأ ايضاً حملة القائد أنطونيوس على الفرثيين سنة 36 ق.م
ماذا فعل أغسطس لتوطيد العلاقات مع الملك فرهاد الرابع؟
ولتوطيد العلاقات بين الطرفين أرسل الإمبراطور أغسطس للملك الفرثي فرهاد الرابع أميرة إيطالية تسمى موزا (Muse) أنجب منها ولده فرهاد الخامس (Phraates V)، وتلقى الملك الفرثي فرهاد الرابع بدوره تلك العلاقات الطيبة بقبول حسن فأرسل أبناءه الأربعة ليقيموا في البلاط الروماني ويتثقفوا بالثقافة الرومانية الغربية.
ويذكر المؤرخ (ولسكي)(Wolski) -دون أن يحدد تاريخ ذلك- أنه عثر على نقود تعود إلى الملك الفرثي فرهاد الرابع نقش عليها عبارة (صديق الرومان).
والذي نعتقده أن الملك فرهاد الرابع سكَّ تلك النقود عقب معاهدة الصلح مع الإمبراطور أغسطس، وبعد أن توثقت صلاته به بزواجه من الأميرة موزا.
والواقع أن الرومان بذلك الزواج وجدوا طريقة لإضعاف وتقويض الدولة الفرثية من الداخل، إذ كان ذلك الزواج سببًا في أن يذهب أولاد الملك فرهاد الرابع إلى بلاد الرومان ويقيموا فيها، فاستفادت الدولة الرومانية من وجودهم، إذ طوت تحت أجنحتها طالبي السلطة.
فكلما اقتضى الأمر لجأت إليهم لإشعال الحرب الداخلية في الدولة الفرثية، وحقَّقت عن طريقهم أهدافها إلى حد ما، ولا سيما في مسألة بسط نفوذها على أرمينيا -كما سنوضحه-.
اقرأ ايضاً الأحوال في روما قبل الإمبراطور أوكتافيوس
لماذا توترت العلاقة بين الفرثيين والإمبراطورية الرومانية؟
وفي 6 ق.م تعكَّر صفو العلاقات الفرثية الرومانية بسبب أرمينيا إذ اختلفت وجهة نظر كل من الملك فرهاد الرابع والإمبراطور أغسطس حول الملك الذي يتولى عرشها، فبعد وفاة الملك الأرمني تيكران الثالث سنة 6 ق.م، أجلس الحزب الموالي للفرثيين على العرش الأرمني ولديه تيكران الرابع والملكة ايراتو(Erato)(6 ق.م –1م).
وكان هذان الأخوان الشقيقان قد تزوجا من بعضهما حسب التقاليد القديمة التي كانت تبيح ذلك، فأثار ذلك غضب الإمبراطور أغسطس لأن ذلك يعني إزالة النفوذ الروماني عن البلاد، وبما أنه لم يكن راغبًا في الحرب، فقد أرسل حفيده كايوس (Caius) سنة 2 ق.م إلى أرمينيا بصلاحيات تامة ليسوي تلك المسألة، وقد اقترن وصوله بوفاة الملك الفرثي فرهاد الرابع.
وتجمع المصادر على أن موزا استغلت فرصة وجود أبناء زوجها في روما، فدست السم لزوجها سنة 2 ق.م، وأجلست على عرش الدولة الفرثية ابنها فرهاد الخامس (2ق .م – 4م).
وفيما يتعلق بأرمينيا فقد عمل كايوس حفيد الإمبراطور أغسطس سنة 2 ق.م على عزل الملك تيكران الرابع، وأجلس على عرشها ارتفزاد الرابع المناصر للرومان، ففر تيكران الرابع إلى الملك الفرثي فرهاد الخامس.
استهل الملك الفرثي فرهاد الخامس عهده بأن أرسل إلى الإمبراطور أغسطس يعلمه بجلوسه على عرش الدولة الفرثية، ويطلب منه أن يعيد إليه إخوته الأربعة من أبيه، وقد أثارت مسألة مطالبة الملك فرهاد الخامس بإخوته وسكوته عن مسألة أرمينيا استغراب الإمبراطور أغسطس.
وظن أن فرهاد الخامس إنما طالب باستعادة إخوته لغرض القضاء عليهم والتخلص من منافستهم له في الحكم، ولذلك وجد في الامتناع عن تسليمهم إياه وتهديده بعدم الاعتراف بشرعية حكمه، وأنه سوف ينصِّب أحد الأمراء الموجودين عنده حاكمًا شرعيًّا ذريعة لإجباره على ترك التدخل في مسألة أرمينيا.
ماذا فعل الملك فرهاد الخامس عندما شعر بكره الشعب له؟
لما وجد الملك الفرثي فرهاد الخامس أن مكانته مزعزعة بين شعبه بسبب كرههم له، وأنه إذا ما حارب الرومان فإنهم سينقلبون عليه، قرَّر صرف النظر عن الاستعداد للحرب، ووافق على طلب الإمبراطور أغسطس في عقد الصلح، فخرج لمقابلة كايوس حفيد الإمبراطور في إحدى مدن الجزيرة الفراتية.
وعقد معه صلحًا في السنة الأولى للميلاد، ومقابل تنازل الملك الفرثي فرهاد الخامس عن أرمينيا اعترف الإمبراطور أغسطس بشرعية حكمه واتخاذه لقب ملك الملوك.
وبعد ذلك الاعتراف وبالتحديد سنة 4م، سكَّ الملك الفرثي فرهاد الخامس نقودًا نقش عليها صورته وصورة أمه التي كان قد تزوج منها، وقد أثار تصرفه ذلك إلى جانب تنازله عن أرمينيا غضب النبلاء وكبار القادة في بلاده، فثاروا عليه وخلعوه ثم قتلوه في السنة نفسها، وأجلسوا على العــرش أحد الأمراء الفرثيين.
ويقال له أرد الثاني (4-8م)، والمعلومات عن حكمه وعلاقته بالرومان تكاد تكون معدومة، وكل ما ذكر عنه أنه اتبع سياسة استبدادية مع رعيته، فثاروا عليه وقتلوه سنة 8 م.
ويذكر المؤرخ الروماني (Tacitus) أنه بعد مقتله أرسل كبار رجال الدين الفرثيين إلى الإمبراطور أغسطس يطلبون منه أن يرسل إليهم وانون الأول (Vonone 1) (8-17م) الابن الاكبر للملك فرهاد الرابع ليتولى حكمهم.
ومن البديهي أن يستقبل الإمبراطور ذلك الطلب بالرضا والسرور؛ لأن وانون الأول تربى تحت رعايته، ولا شك أن جلوسه على عرش الدولة الفرثية يعني أنه سيتصرف في أمورها السياسية بما يخدم مصلحة الرومان، وهذا يعني أن الدولة الفرثية ستكون خاضعة له دون تدخل عسكري.
وافق الإمبراطور أغسطس على طلبهم وأرسل وانون الأول ليتولى حكمهم سنة 8 م، وقد أحضر الملك وانون الأول معه عددًا من أصدقائه الرومان وعيَّنهم في مناصب الدولة المهمة.
فكان ذلك إلى جانب أن الشعب الفرثي وجد أن سلوكه وتصرفاته تدل على أنه تخلق بالأخلاق الرومانية البعيدة عنهم سببًا في أن ينفروا منه، وأن يلجأوا إلى حاكم أتروباتين أردون الثالث (أرطبان الثالث) (Artabanus III)، ويشجعوه على القيام بثورة على الملك وانون وعزله وتولي العرش بدلًا عنه.
في سنة 10 م تقدَّم أردوان الثالث بجيشه إلى العاصمة طيسفون، لكن الملك وانون الأول تمكَّن في معركة لا تذكر المصادر تفاصيلها من هزيمته واضطره إلى العودة إلى أتروباتين. وما يدلل على انتصار الملك وانون الأول، أنه سكَّ نقودًا نقش على الوجه الأول منها صورته، وعلى الوجه الثاني عبارة (شاه انن، أردوان شكست داد) أي (الملك وانون هزم أردوان).
ويبدو أن تلك الهزيمة زادت من إصرار أردوان الثالث (17-42 م) على خلع الملك وانون الأول وانتزاع العرش منه، ولذلك جمع جيشًا كبيرًا وتوجه به سنة 12 م نحو العاصمة طيسفون، ولم يقْوَ الملك وانون على التصدي له هذه المرة، ففرَّ إلى سلوقية ومنها إلى أرمينيا، ودخل أردوان الثالث العاصمة طيسفون ووضع التاج على رأسه.
ومما يلفت النظر أننا لم نجد في المصادر ما يشير إلى أن الإمبراطور أغسطس قدَّم دعمًا ومساعدة إلى الملك وانون الأول الموالي للرومان ضد خصمه أردوان الثالث، مع أن تلك المساعدة كانت تضمن له تحقيق مصالح روما السياسية داخل الدولة الفرثية، وأن الملك وانون الأول هو الآخر لم يلجأ إلى الإمبراطور أغسطس مباشرة، وإنما فرَّ إلى أرمينيا، ولعل ذلك يعود إلى أن الأخيرة أصبحت من ممتلكات الرومان منذ معاهدة الصلح التي عقدت سنة 2 م مع الملك الفرثي فرهاد الخامس.
ومهما يكن الأمر فإن عرش أرمينيا سنة 16م أصبح شاغرًا بعد وفاة ملكها تيكران الخامس (Tigran V) ( 11- 16م)، فتولاه وانون الأول سنة 16م بتأييد من الإمبراطور تيبريوس (Tiberius) (14-37م)، لكنه لم يبق في ملوكيته إلا مدة سنة (16-17م)، إذ إن الملك الفرثي أردوان الثالث أرسل إلى الإمبراطور تيبريوس يهدده بإعلان الحرب عليه إذا لم يبادر إلى خلع وانون الأول.
أمام ثقل ذلك التهديد، ولأن الإمبراطور تيبريوس لم يكن مستعدًّا لخوض الحرب معه، قرَّر أن يرسل إلى أرمينيا سنة 18م ابن أخيه جرمانيكوس ليقوي نفوذ ومركز الرومان فيها، فتمكَّن الأخير من أن يستميل الأرمن نحوه واستجاب لرغبتهم في أن يتولى عرشهم الأمير زينو (Zeno) البنتي، بعد أن فرَّ وانون الأول إلى سوريا، وسموه باسم أرتكسياس الثالث (18-34م).
ولتجنب الخلاف مع الفرثيين وافق القائد الروماني جرمانيكوس على طلب الملك الفرثي أردوان الثالث مقابل الاعتراف بـ(أرتاكسيس الثالث) ملكًا على أرمينيا تحت حماية الرومان، وإبعاد وانون الأول عن سوريا، لأن وجوده فيها حسب رأي الملك الفرثي يمثل خطرًا عليه، وبموافقة القائد جرمانكيوس على ذلك الطلب ساد السلام والهدوء بين الطرفين حتى سنة 34م.
أما عن وانون الأول فإنه في سنة 19م ترك سوريا متوجهًا إلى كيليكيا، لكنه قُتل على مسافة قريبة منها في السنة نفسها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.