العلاقات الإنسانية بين الأمس واليوم

كان النهار يجمعنا مع أصدقاء الطفولة من أبناء الحارة، يخرج كل واحد من زقاق معينة والابتسامة ترتسم وجهه، والإنسانية تملأ ضميره، صغار لكن الروح كبيرة، نلتف حول بعضنا البعض، كنا مجموعات حين نخرج لنلعب لعبة تزهق حياة كائنات حية، وبيننا تنافس، يتجه اثنان شرقًا واثنان غربًا وهكذا جنوبًا وشمالًا.

طقوس اللعب اليومية

نجتمع بعد مضي ساعات من المهمة في منتصف النهار حيث تصل الشمس في كبد السماء، تعرض كل مجموعة رأسيًا مقدار الضباضب التي قام بقتلها خلال ساعات المهمة المنصرمة، أضحك اليوم كالمعتوه في غرفة التهكم عندما أتذكر هذه اللحظات وليس فقط مما نقوم به من المهمة الغريبة بل من صدق كل مجموعة حول عرضه.

فلم يُحدث عن كذبنا ولا مرة، كأن كل المجموعة بين فرديها خجل، يستحي الواحد من زميله إن نطق زورًا، سبحان الله!

رغم أنهما من نفس المجموعة والقضية قضية نجاح أو رسوب لأننا نتنافس تنافسًا طفوليًا أينا يقتل أكبر عدد من الضباضب، قمة البراءة، أعلى درجات الشفافية، روح صادقة، أعمار مبارك فيها، أين نلتمس هذه الشفافية اليوم في مجتمعنا ولم يمض على الأمس الجميل إلا خمسة عشر حولًا.

كأن الناس أمطروا مطر السوء، ذاب الكره والحقد والنفاق والتملق وكل نوع سيئ في دواخل النفوس، بحيث أصبح الصديق الصادق يتغير بين خيوط الليل والنهار، يأتيك مبتسمًا طلق الوجه كأن الدنيا زينت بوجهه الأنيق، بيد أنه تثور ذاريات النفاق في جوفه ويأجج ضميره السقيم فيأبى إلا لفظة هابيل "والله لأقتلنك".

اقرأ أيضاً قواعد في العلاقات والتعاملات اليومية

الألعاب الشعبية وفترة الطفولة

نبعث نحن الصغار من بين الفئة العمرية التي نلعب معًا إثر إسدال عتمة الليل ستاره وعقب العشاء والعشاء إلى أزقة الحارة مؤذنين إزاء أفنية الأدوار نردد النشيد الآتي:

عيييال حلتنا * تعالوا نلعبو

كن ما مرقتو * عجوز تكبسكو

كبس الرجال * حلتنا

هكذا حفظناها من دون دراسة ولا مقاعد تعليم، نشبنا فوجدنا الفئة التي تجاوزت المرحلة تتغنى بهذا النشيد السحري العاطفي والروحي والإنساني، فرسخت في النفوس البريئة الطيبة.

هكذا روتينيًا إذا جن الظلام نخرج لنؤذن داعين شباب الحارة للخروج إلى ساحة اللعب، لا نلبث دقائق إلا والبنات والبنين يخرجن ويقدمن من كل فج عميق، من بيوت بسيطة، أبوابها خشبية، جدارها طينية، أناسها أطيب من العافية، أثرى الأسر تملك تلفزيونًا واحدا من النوع القديم يتقدم كل أبناء الحارات مساء كل يوم إلى مشاهدة هذا الشيء الغريب، رغم طفولتهم إلا أنه يرحب بهم للمشاهدة شريطة ألا تحدث الضوضاء.

اقرأ أيضاً أهمية نشر ثقافة التفاؤل

لعبة "شيلي شيلي"

يحتشد الشباب في الشوارع الظلماء التي تضاء بقلوبهم والحياة الإنسانية البسيطة آنذاك، تتباين الآراء حول ما نلعب وتأتي الاختيارات حول اللعبة التي تناسبنا، ومن بين هذه الألعاب لعبة ما زلت أحفظ براءتها تعرف بـ" شيلي شيلي".

تتميز هذه اللعبة بأن يصطف البنين بجهة وفي المقابل لهم تصطف البنات، الأرواح متصلة، والقلوب صافية، تتشابك أيادي كل صف من الصفين، وتنطلق أناشيد الطفولة الحلوة كالماء الرقراق نبراتها متوازنة، لم نلتحق لا بقسم من أقسام الأغاني ولا قسم من أقسام العروض والقوافي، قائلين:

شيلي شيلي * شيلي قدركي

ألمى قدركي  * بفك صدركي

اليوم بعد التعقل والتبصر أتساءل من علمنا هذا؟ ومن ألف هذا؟ ومن أين هذا الإبداع الذي يساوي القوافي، سبحان الله، كانت أيامًا سحرية، تبتسم الزهور وتتفتح على جمال تلك البيئة الراقية.

بعد النشيد بتلك الأبيات، وكنا ندرك معنى هذا الكلام غير أنه فهم سطحي وظاهري ولا يخطر على البال عمق معنى هذا الكلام كيف تأخذ الفتاة من يساوي قدرتها وإلا تفك صدرها، كيف تفك صدرها إن اختارت من هو أقوى منها؟

لم يخطر لي عمق المعنى إلا مؤخرًا، فما المقصود بفك الصدر؟ وكيف يحدث ذلك إن أخذت من هو أقوى منها؟ أسئلة غريبة محيرة ومضحكة، لكن كانت تلك الأيام بريئة براءة الذئب من دم يوسف أو براءة يوسف من شغف زليخة وإلصاق التهمة عليه، ليالي أجمل من القمر ومن الزهر والعطر والعنبر.

تترك الأيادي وتتقدم بسحرها وسط الصفين تلعب والمجموعة تغني، وفجأة تبغت الصف الذكوري وتختار واحدًا يتقدم إلى وسط الصفين ليلعب وهو بدوره يباغت الفئة الأنثوية، ويختار واحدة تدخل المسرح، وهكذا دواليك، فالنفوس مغمورة عن الله؛ لأنها الطفولة رغم ذلك تخاف العصيان، من من تخاف وهي لا دراية لها عن الله؟ من علم هذه النفوس أنها يجب أن تخاف من المعصية بل يجب ألا تعرف ما هي المعصية ولا تتقرب منها.

اقرأ أيضاً المصالح لغه العصر.. في السياسة والتجارة وغير ذلك

العلاقات الإنسانية بين الأمس واليوم

في صبيحة صيف 2021م عقب مضي 15 عامًا على تلك الأيام الطفولية البريئة كنت مع أحد الإخوة في شوارع فرشا، حارة من حارات العاصمة إنجامينا.

رأينا بنات أتراب يلعبن معًا، حيث لمحت غلامًا دار كأنه لؤلؤ مكنون، يجلس على بعد خمسة أقدام ويطلع عليهن، فلمست أخي لمسة خفيفة، وقلت له بماذا يذكرك هذا المشهد؟ فقال لا أتذكر شيئًا!

قلت له أنسيت أيامنا الطفولية قبل عصر التكنولوجيا التي أذهبت الثقة بين الصغار قبل الكبار، التي فرقت بين البنين والبنات في ألعاب البراءة كما أسميها، ألا تتذكر عندما كنا نشرك البنات في الألعاب ونمسك بيدهن متشابكين بين الأصابع، حين كان القلب خاليًا من التلوث، لا تشعر إلا كمصحف يحمله زنديق لا يعرف قيمته ولا يقشعر قلبه، فتمسك بيدها ولا تشعر بشيء كأن لم تكن أنثى، ألا تتذكر عندما كانت الفتيات روح مقدس، وعندما كنا ذو مروءة رغم الطفولة، ألا تتذكر كل هذا؟

ابتسم ابتسامة الوعي والاستيقاظ قائلًا: الدنيا أصبحت ملوّثة بالعولمة والزندقة واختراق الأخلاقيات والسلوكيات الإنسانية الإسلامية الراقية التي ما عاشها البشرية إلا وسادها السعادة، فانقلبت الموازين رأسًا على عقب، بحيث أصبح هذا الغلام المسكين يتشوق إلى اللعب معهن لكن هيهات ما يطلب، ظلمته الأيام الفاسدة، أيام تلوثها الغرب بوسائلها المختلفة، إذ أصبحت الثقة مفقودة، لا يستطيع الإنسان أن يؤمن على أخته والعكس ولا اللعب بعضهم ببعض، مات الإنسان الأصيل وماتت المروءة والأخلاق والشفافية. 

اقرأ أيضاً أصدقاء الأمس والغد

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة