العقل اليوناني


ركز الإغريق على العلاقة بين المواطن والحضارة من منظور ديني فآلهة الحضارة هي حماتها وقدوة المواطن في آن واحد، وفى إطار العملية السياسية نجد أنه لا وجود سياسي للعبيد في ظلها، بل إنها متاحة للرجال اليونانيين البالغين، وهذا يرجع لأن العبد مطبوع بصفة الاسترقاق حيث الطبيعة التي أوجدتها الآلهة، كما أن الوظائف كانت تُمنح من منطلق القرعة بحكم أنها مشيئة إلهية، ومن ثم كانت تحول دون استخدام المكانة والمجد العسكري والمراكز الموروثة، كما أن القوانين الإنسانية كان مصدرها قانون إلهي واحد. 

كما تتمثل تلك النواة في فكرة نواة الفكر اليوناني في إطار الحضارة باعتبارها عطية الآلهة، والحضارة من هذا المدخل هي تنظيم سياسي واجتماعي موحد داخل أرض محددة، وهذه النواة يتفاعل في إطارها مفهومي المواطنة والعبودية في إطار النظام، انطلاقا من أن الإنسان مواطن، إذا كان يونانياً أو عبداً، إذا كان أجنبيا، بالنسبة للحضارة تم تجنيد كافة الطاقات لخدمتها فالحضارة تربي مواطنيها، وتتسم هذه النواة بالمثالية ف بوجود الحضارات حدث نوع من أنواع التوازن الذي حدد وحصر الإمبريالية ووضع حدود للهجرات والتوسعات، وهذه النواة يرتبط بها ثلاثية محورية تدور حول الديمقراطية، والحرية، والقانون. 

وهذه النواة تتسم بالكلية فالنظام الذي يُنشئ الحاضرة في نظر الإغريق يكون في إطار من القانون الذي وضعته الآلهة أو قوة أعلى من البشر، ومن ثم فإن القانون يندمج بالحضارة، لأن القانون حامي وراعي للدولة، ومع ذلك ظل الصراع التقليدي متواجد بين الحضارات اليونانية. 

بهذا التصور للنواة نبع منطق تحديد مصادر المعالجة على نحو مغاير لما هو معتاد، حيث تناول مجمل الإنتاج الفكري لكلٍ من أفلاطون وأرسطو وفلاسفة آخرين فرعيين في عصور مختلفة، وكان هذا لدرء تُهمة الاقتصار على أفكار مُعينة لفلاسفة بعينهم دون توجيه أي اعتبار لأفكار الفلاسفة الصغار المغمورين، برغم حقيقة أنها قد تكون هي أصل أفكار المشهورين، وقد تكون أكثر عمقا منها وبالتالي لزم الجمع بين آراء مفكرين مشهورين ومغمورين معاً. 

إن المحافظين الإغريق كانت تدور أفكارهم حول الديمقراطية التي كانت تدور حول تطور طبيعي مر بعدة مراحل حتى وصلت لشكلها الأخير، هذه الديمقراطية ارتكزت على المساواة السياسة من حيث إدارة الشؤون العامة، كذلك المساواة الاجتماعية، من حيث فكرة الطوباوية الرافضة لأشكال العبودية والاستغلال من أجل معالجة الاختلالات الاجتماعية، كما أن هذه الحضارة مارست دوراً تحريرياً بتخليص الإنسان من العبودية من منطلق تعريف الحرية بالخضوع لحكم القانون وحده، والتحرر من الإكراه الشخصي حتى أن أرسطو فضل الموت عن تحكم فرد في مصيره.

إن الأفكار الديمقراطية لم تسلم من الانتقادات، حيث يرى بعض الفلاسفة أن الديمقراطية التي تستند على مبدأ الإسراف في المساواة جعل هناك حالة فوضى وعشوائية، وبالتالي فهي تحتاج إلى يد قوية لتطبقها حتى ولو كان ذلك من خلال مستبد، حيث بات الفكر السياسي لأفلاطون يدور حول انتقاد التطور الطبيعي هذا حتى يهاجم الديمقراطية، فهو لم يعترف بتوالي الأحداث وفقاً للصيرورة الحاكمة للقانون العام الذي أعطاه لهذا التطور، ولكن الأحداث محكومة بالحتمية الدقيقة، فهناك أرستقراطية تنبثق منها الأولجاركية ثم التيموقراطية، وهي حكم العسكر الذين يستغلون الفرص لاضطهاد الذين كلفوهم بحمايتهم، ومن ثم تقاسم ثرواتهم وصولاً إلى الاستبدادية، ومثل هذا التطور يمثل انحطاطا أخلاقياً للديمقراطية كما يدعو أفلاطون لعودة الأرستقراطية حتى تكون الحكومة أكثر استقرارا، فالحكومات الديمقراطية في نظرة غير مستقرة نظراً للإسراف في تطبيق مبدأ المساواة بما لا ينسجم مع التحولات التي تُحدث خلل داخل الطبقات، وللتغلب على هذه الحجة اقترح أرسطو العودة لنظام الحكم الدستوري.

ونتيجة لهذه الصراعات والخلافات الفكرية بدأت تنشأ بين الحضارات الإغريقية تحالفات عسكرية وليست سياسية، انطلاقاً من مبدأ اللُحمة الواحدة وذلك بغرض المحافظة على حريتهم ضد الأخطار الخارجية، فالحرية عندهم هي الحد الذي تقف عنده كل التنازلات، ولعل هذا الشرط هو الذي منع سيطرة حضارة على غيرها من الحضارات الأخرى، وتأتي هذه الرغبات الإمبريالية نتيجة حتمية ينجر إليها الحكام الذين لا يستطيعون التعايش مع الأصدقاء.

نتيجة لأن الإمبريالية كانت تشبه سرطاناً يهدد الحضارات اليونانية، ونتيجة حالة الصراعات التي كانت قائمة بين الحضارات بشكل تقليدي أصبح اليونانيين يتمنون قيام بطل يُجمع الطاقات اليونانية للدفاع عنهم ولا شيء أكثر من ذلك يدل على ضياع الفكر السياسي الإغريقي الذي طلب من عاهل أجنبي أن يحترم التراث، وتمثل ذلك في فيليب المقدوني الذي استعمل القوة ضد اليونانيين أنفسهم بعد ذلك، وهكذا فقدت اليونان حريتها قبل أن تفكر في وحدتها، وبعد ذلك بدأت بعض الأفكار تزدهر فيما يتعلق بالاتحادات والأحلاف ولكن بعد فوات الأوان، حيث سقطت اليونان في ربقة الإسكندر. 

وبحلول الفترة الهلينية وهي الاسم العرقي الذي يطلقه اليونانيون على أنفسهم حدث تحول في المظهر السياسي بزوال الحضارات اليونانية، وعادت فكرة النظام الملكي مرة أخرى، وحدث تحول في مفهوم المواطنة ليحل محله مفهوم الرعايا، إلى أن طل علينا فكر الرواقية الذي يرى بأن العالم كله واحد وكلنا بشر وهذا ما جعل اليونانيين يفقدون بالقوة الصورة الذهنية لأنفسهم في مواجهة غيرهم مع السكان الآخرين. 

وبناءً على ما تقدم نجد أن المخاطب هو النظام الدولي الحالي المليء بالتحالفات، وبالتالي بروز خاصية التبعية والانجرار في صراعات بلا داعي لها، وكانت الثمرة التي نود الوصول إليها هي محاولة إثارة انتباه عقولنا التي دوماً متهمة بالجهل، فكلما زادت معرفتنا ازددنا معرفة بجهلنا، وهنا أود أن أدعو الجميع إلى الاطلاع على الحضارات التي أنتجت مثل هذه الأفكار حتى نستطيع الاستفادة منها في واقعنا المعاش. 

وفي تصوري الشخصي أن فكرة الديمقراطية في إطار الهيلينية بالتطبيق على الواقع المعاصر أضحت فكرة غير قابله للصحة، انطلاقا من مبدأ أن ازدهار الأمم يحمل في طياته بذور الانهيار، إذ أننا نجد أن الجمع على أساس إكراهي يَزيد من احتمالية التفكك، ولعل هذا ما لاحظناه في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الأخيرة من رفض القبول بالأمر الواقع ومحاولة تغييره بأي شكل من أشكال العنف. 

بقلم الكاتب


معيد بقسم العلوم السياسية_ جامعه حلوان


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

معيد بقسم العلوم السياسية_ جامعه حلوان