أزمة العقل العربي: بين تخمة المعلومات وفراغ التفكير النقدي

يشكل الفكر العربي قاطرة الوعي التي تصوغ موضوعات وقضايا الواقع ابتداءً من عقول الأفراده. وفي عصر تتسارع فيه الأحداث وتتعدد مصادر استقطاب المعلومات، يجد العقل العربي نفسه أمام مفارقة وجودية؛ فهو عقل ممتلئ حد التخمة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، لكنه يعيش في الوقت ذاته حالة من الفراغ الفكري والتبعية.

إن هذه المعضلة تدفعنا إلى التساؤل: هل يخدمنا هذا الامتلاء المعرفي أم أنه يكرس لغياب التفكير النقدي؟ وما هي الحاجة إلى الاستغاثة الفلسفية لإعادة غربلة ما يدخل عقولنا وصناعة وعي ذاتي حُر؟

فالفلسفة إنما وُجدت لطرح تساؤلات لا لإيجاد الحلول، ومع مرور الوقت أصبح تسليط الضوء على العقل العربي وكيفية تفكيره من أهم محاور العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث لا يمكن بناء المسكن دونه هو، ولكن هذا الذي حدث أساسًا.

ننظر إلى تعدد مصادر استقطاب المعلومات ونتأمل في امتلائه بالكثير من الأفكار، امتلاءً حدَّ التخمة، وامتلاءً حدَّ العيار الكمي، ولكن ما يظهر جليًا أن الواقع العربي يعيش في تناقض بين الامتلاء الذي يحتوي عليه عقله، وبين تسجيل تثاقل في خطواته إلى المضي قدمًا نحو صناعة الوعي، فهل يعود هذا التناقض إلى نوعية امتلائه؟

العقل العربي ممتلئ، ولكن هل يخدمه هذا الامتلاء؟

نعيش في عصر السرعة، في أقل من ثانية تدخل المعلومات وتُبنى الأفكار في العقول، وهذا يعود إلى تعدد مصادر الامتلاء من وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وحتى من المجتمع ذاته.

إلا إنه، وبالرغم من هذا، يعيش العقل العربي في فراغ فكري. حيث إن هذا الامتلاء، امتلاء لا يخدم رؤياه إن وُجدت، ولا يجعله يحقق الاكتفاء الذاتي في حقل الفكر والفلسفة والعلوم، وهذا ما ينتج عنه تلقائيًا التبعية الفكرية والاقتصادية في كثير من المجالات.

لا يكفي أن نمتلئ، ولكن أي امتلاء هذا؟ إن تسارع الأحداث والأفكار جعلنا عقولًا تميل إلى الكم أكثر من أن تبحث عن جودة ونوعية ما تملك. فالحياة ما هي إلا لحظة عابرة، ولكنها كفيلة بأن تجعلنا نمتلئ، امتلاءً غير عادي، حيث يركض الإنسان إلى سعي غير متناهٍ، يجعله لا يدرك بأن عليه أن يتوقف لثانية متأملًا هذه المرة ذاته، وامتلاءه.

العقل العربي ممتلئ بمعلوماتٍ تورثه التبعية والفراغ

وهنا تكمن المعضلة الكبرى، لأننا في الأصل لم نعترف بعد بأن ما نمتلئ به يجعلنا عبيدًا لا نقادًا، مستهلكين لا منتجين، وبهذا نسجل غياب التفكير النقدي، ونفلت زمام الأمور في التعامل مع المشكلات الفكرية لهذا العصر. فالتعامل هو محور أساسي في تقويض مخاطر هذا الامتلاء، تعاملًا بحكمة وروية، وتعاملًا يجعلنا نمتلك الفطنة في تمحيص ما يدخل عقولنا، فليس كل آتٍ يشكل في أدمغتنا خلايا تصلح للبناء الفكري.

فالحرب الحقيقية التي يخوضها الواقع العربي تكمن داخل عقله، حرب في الخفاء تتطلب الاستغاثة الفلسفية في طرح إشكالات والكشف عن خبايا هذا الامتلاء. إننا نمتلئ بالحب، والأفكار، والحياة، ونهايات عن دروب امتلاء غريبة، امتلاء يوجه شراعنا إلى اللاطريق؛ لأنه، وببساطة، هذا الامتلاء استنشقناه من الخارج، ولم يكن صنعة ذاتية وُجدت بعد رحلة اكتشاف وبحث وتمحيص وغربلة.

يقول ديكارت: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وإذا أسقطنا هذه المقولة على الوجود العربي فإنه يفكر نعم، ولكن أي تفكير هذا؟ لأن التفكير له علاقة بجودة الوجود من عدمها، فلا يكفي أن نفكر لنكن موجودين، بل أن تكون عملية تفكيرنا تخدم وجودنا.

إن الامتلاء الفكري ضرورة وجب الالتفات إليها، إننا لن نلبس ثوب الكمال، ولكن علينا أن نلبس ثوب التحسين ونسعى إليه، لن نمتلئ لنكون مثاليين، ولكن نمتلئ لنكون أحرارًا لا عبيدًا؛ لأننا، وبكل بساطة، نُستعبد فكريًا. لا بد وأن ينفجر هذا الامتلاء، إنه بركان خامد.

فإلى أي مدى سيصمد الفكر العربي أمام هذا الامتلاء الذي ينحت انهيارًا لا مجدًا؟

وختامًا، يظل التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر العربي اليوم هو الانفلات من قيد الاستهلاك المعرفي والتحول نحو الإنتاج الفكري الذاتي. إن الاستصراخ الفلسفي والتأمل الواعي هما طوق النجاة لتفكيك هذا الامتلاء الخارجي وغربلته، لكي لا نتحول إلى عقول مبرمجة تتحرك بلا بوصلة.

لن يصمد الوجود العربي في وجه عواصف العصر ما لم ينفجر هذا البركان الخامد ليتحول من امتلاء يورث التبعية، إلى وعي يورث الحرية والمجد. فالقضية لم تعد «أن نفكر لنوجد»، بل كيف نفكر لنصنع جودة هذا الوجود؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة