العقاد والطبيعة ثنائية فريدة في أدبنا العربي، والوصف من أبرز أغراض العقاد الشعرية، ومحوره الأساس هو الطبيعة التي تحيط بنا من كل جانب، متعة البصر، وتحفة الجمال، ومعرض الحسن، وواهبة الحياة، بل بنت الحياة، كما كان أسلوب العقاد الشعري الفلسفي:
تسبي نواظرنا الطبيعة *** وتروع وهي بنا مروعة
لولا الحياة لما تملَّت *** حفل زينتها الطبيعة
الطبيعة، هذه، بنوعيها الصامت والمتحرك، وإن شئت فقل الحي والجامد، وإن شئت أيضًا فقل الطبيعة العلوية والسفلية، لها حيز في شعر العقاد مرموق، ولا غرو.
كيف تأثر العقاد ببيئة أسوان في شعره؟
لفهم جماليات الطبيعة في الشعر عند العقاد، يجب العودة للجذور، ألم يخرج العقاد إلى الحياة من أسوان، تلك المدينة الساحرة الغافية على شاطئ النيل في أعالي الصعيد، أظلته سماؤها، وأقلته غبراؤها، فملأت عليه نفسه بشمسها المشرقة أو الغاربة، وهبَّت عليه نسماتها الندية سحرًا، أو سفعت وجهه رياحها الخماسينية؟

ثم ألم يطلع القمر عليه خفية من وراء حجاب الغمام في لياليها الساجية، فتسيل أنواره فضَّة، أو كالفضَّة فوق صفحة النيل تظللها أشرعة الفلك متثاقلة الخطو حالمة؟ والشجر، والزهر، والثمر، والطير شادية فوق الأفنان مغردة، وترجيع أصوات المزمار، والبحَّة الشجيَّة تنساب من المواويل البلدية، وقطعان الجواميس، ساربة عند الأصيل، وقاصرات الطرف يحملن الجرار على استحياء، والفلاحون، والمكدودون، والصبية الصغار، كالبراعم، وصخور الغرانيت الدهرية، والجبال، والوهاد، والوديان، والتماثيل المنصوبة، وردهات الهياكل والمعابد.
ألم يك كل هذا ليثير في ابن أسوان، شاعرنا الملهم، إحساسًا ولا أرق، ويحفز إلى فكر ولا أدق، ويلهب خيالًا ولا أوسع، وهو ما شكل خيال العقاد الشعري، فإذا الفكر والخيال والإحساس جميعًا يصوغه الشاعر بالكلم شعرًا، ويرسمه الفنان بريشته مشهدًا ولا أكمل، مشهدًا فيه كل عناصر الجمال والدهشة والإعجاب والافتتان؟
1. الطبيعة العِلوية في شعر العقاد
نبدأ بمظاهر الطبيعة العلوية في شعر العقاد وتجلياتها، ونقصد بها السماء في الليل أو النهار؛ في الليل حيث القمر والنجوم وسواد الليل، وفي النهار حيث الشمس والضياء، والغيوم أو الصحو والصفاء، وزرقة السماء، على أن أجمل ما في السماء، بلا شكٍ، شمسها وقمرها، وإن كان شكلها الكروي، وبالأحرى، نصف الكروي، ليثير العجب، وليأخذ من العقاد حيزًا من التفكير والتساؤل والإعجاب والدهشة، ضمن دراسة تحليلية لأسلوب الوصف عند العقاد إذ يقول:
يا للسماء البرزة المحجوبة *** أعجب ما أبصرت من أعجوبة
تروعنا أنجمها المشبوبة *** تهولنا قبتها المضروبة
كأنها الهاوية المقلوبة *** كأنها الجمجمة المنخوبة
والآن ماذا عن الشمس والقمر؟
الشمس والقمر في شعر العقاد
كيف وصف العقاد الشمس والقمر في شعره؟ قد يرى الشاعر في الشمس ما يرى فيها الآخرون من الضياء والبهاء، وقد يتحسس نشوة دفئها في اليوم القارس، لكن العقاد، وهو الذي زاد عقله في شعره على إحساسه، أبى أن يرى في الشمس ما يراه الآخرون، وهنا يبرز النقد الأدبي للعقاد كشاعر فيلسوف، فنظر إليها نظرة المتأمل، أو العابد المتصوف، أو الفيلسوف، أو العاكف عليها واجدًا فيها ما يسمو بالنفس، ويرقى بالروح، فأحس بنشوة وإحساس، لا كالمألوف، وشعر بفيض من الجمال، روحاني عبقري يسمو على كل جمال:
أرى الشمس روحانيةً في جمالها *** وإلا فما بالُ النفوس بها تسمو
إذا فاض منها النورُ هزت قلوبنا *** سعادة روح ليس يعرفها الجسم
عجبتُ لأرضٍ تخطر الشمسُ فوقها *** وتشرق فيها كيف يطرُقُها الغمُّ
تحليل قصيدة العقاد عن الغروب
وها هي ذي الشمس تؤذن بالمغيب، مودعة الأفق وداع والهٍ شاك باك، وقد صبغت الأفق ومعه النهر أو البحر برداء أرجواني بديع، لكأنه الدم مسفوحًا، أو اللهب ضرامًا. يقول العقاد وقد شغفه هذا المشهد حبًا، من شعر يصف فيه غروب القرص البديع:
انظر إلى جنب السماء الدامي *** لهب على الأمواج ذات ضرام
شفقان: هذا في السماء منشَّرٌ *** قانٍ، وذاك على العباب الطامي
الشمس والبحر المريجُ تلاقيا *** أم الضياء ومعدن الإنعام
دهر يدور صباحه ومساؤه *** متعاقبان على مدى الأيام
ويا لجمال الشمس، ويا لدفء أشعتها في كبد السماء بأسوان، دفء، لا كالذي هو معروف وتألفه الأجسام، إنها الشمس عروس السماء، وفيض الحسن والضياء والبهاء:
شمس أسوان في الشتا *** ء ارقصي أو تبرَّجي
إنك الشمس صُوِّرت *** فوقنا للتفرُّج
لا لدفءٍ كما ادعوا *** أو لتوضيح منهج
والقمر، صنو الشمس، يغرب هو بدوره أيضًا، وتغرب النجوم، آيات بينات لكل ذي لب وبصيرة، وإن حجبت عن البصر النور.. وما أحلاها ومعها البدر، غائبة، ويا للظلام مخيمًا ساترًا عورة كل خسيس، دأبها هكذا منذ كانت، ما يثير شجن النفس ويحرك الشعور، ويبعث على التأمل والتفكير، وإن كنت شاعرًا فما عليك إلا أن تترجم بالشعر مثل هذا الشعور. ومن الصور الفنية في شعر العقاد:
غرب البدرُ أم دفينٌ بقبر *** وهوى النجمُ أم أوى خلف ستر
ضل هادي العيون واحلولك الليـ *** ل فلا فرق بين أعمى وهرّ
ولهذا الظلام خيرٌ من النو *** ر إذا كنت لا ترى وجه حُرّ
ها هنا أطلق العنان لأشجا *** ني وأبكي لنفسي وأنشد شعري
والقمر، هذا القرص البديع من الضياء أو النور، أجمل ما يكون في ليالي الصيف، وما ليلة من ليالي الشهر كالليلة القمراء، ولا مثلها يشف عن جمال السماء، وما وراء السماء:
شف لطفًا عما وراء السماء *** نور بدر مفضض الآلاء
رق سجف السماء حتى كأن الـ *** ـعين تتلو هناك سر القضاء
تلك أولى لوائح الصيف والصيـ *** ـف بهيجٌ في الليلة القمراء
2. الطبيعة السفلية في شعر العقاد
هذا كان خبر السماء، فماذا في الأرض؟ نهبط مع الشاعر من عليائه، من العالم العلوي إلى العالم السفلي، لنستكشف الطبيعة السفلية في شعر العقاد ودلالاتها، من الأرض حيث الماء والخضراء، والجبال والصحراء والوهاد والوديان والمنبسطات من السهول والمروج، وحيث الشجر والزهر والثمر والطير، وحيث تجد من كل زوج بهيج. يرى العقاد هذا الجمال المختلف الأنواع المتعدد الأشكال فيصفه، ويتأثر به فيترجمه شعرًا وصفيًا جميلًا، فيه الكثير من أحاسيسه ومشاعره وخوالج نفسه.

تحليل قصيدة أمنا الأرض
عرفنا العقاد أديبًا ناقدًا، وعالمًا متفلسفًا باحثًا عن الحقيقة، لينظر إلى الأرض أحيانًا نظرة العالم، لا نظرة الشاعر، فيسأل أحيانًا أخرى، سؤال الطفل الذاهل الساذج، مستخدمًا الأسلوب التصويري في وصف الطبيعة، ذاهبًا إلى أن الخوالج التي تحرك الأطفال هي التي تتصرف بالرجال، وأن الأقدار تخدعنا، ونحن نخدع الأطفال، وأنها تؤدبنا فنسخط، ونحن نؤدب الأطفال، ثم إننا نعجب لأنهم يسخطون، ونسخط لأنهم يعجبون. يقول العقاد من قصيدة بعنوان (أمنا الأرض):
أسائل أمنا الأرضا *** سؤال الطفل للأم
فتخبرني بما أفضى *** إلى إدراكه علمي
ألا يا أم كم طلعا *** عليك الشمس والقمر
وكم أسنى وكم وضعا *** على أرجائك القدر
الربيع في شعر العقاد
وصف الربيع في قصائد العقاد يجمع بين البهجة والشجن، تتعاقب الفصول فتتبدل الأرض من حال إلى حال، وأجمل ما تكون الأرض، في فصل الأزاهير والرياحين، فصل ولادة الطبيعة، فصل الحياة والتجدد من بعد إغفاءة حالمة وهجوع طويل. وها هو ذا العقاد متوفرًا، ومعه المازني، وشوقي، على قراءة رائعة ابن الرومي المسماة بـ (دار البطيخ) التي يمدح فيها أبا الصقر، الوزير، فيصف الربيع وصفًا بديعًا، ومطلع القصيدة هو:
أجنت لك الوجد أغصان وكثبان *** فيهن نوعان: تفاح ورمان
قصيدة من أجمل قصائد ابن الرومي، توفر على قراءتها العقاد وصحبه ما حفزهم إلى معارضتها فكانت معارضة صاحبنا العقاد أهداها إلى روح الشاعر المتطير، وكان منها هذه الأبيات الوجدانية يتغنى فيها بملك الفصول، وبزهره الذي يناجيه فيقول:
يهنيــك يــا زهـر أطيـارٌ وأفنـان *** الطيـــر ينشــد والأفنــان عيــدان
طوبـــاك لســت بإنســان فتشــبهني *** إنـــي ظمئت وأنــت اليــوم ريــان
هــذا الربيــع تجلــى فـي مـواكبه *** وهكــــذا الـــدهر آن بعـــده آن
تفتحــت عنــه أكمـام السـماء رضـىً *** وزفــهُ مــن نعيــم الخلــد رضـوان
الشـــمس تضـــحك والآفــاق صــافية *** جلــواء والــروض بالأثمــار قينـان
وللنســـيم خفـــوق فـــي جــوانبه *** وللطيــــور ترانيــــم وألحــــان
كأنمــا الأرض فــي الفـردوس سـابحة *** يحـــدو خطاهــا مــن الأملاك ريــان
ضـاق الفضـاء بمـا يحـويه مـن فـرح *** فكــل مــا فـي فضـاء اللـه فرحـان
في تحليل قصائد العقاد الوجدانية
قد تلقي أشجان الشاعر وأحزانه على المشهد الفاتن، مشهد الربيع الضاحك بالنور والزهر والطير، فإذا الأرض غير الأرض، والسماء، وإذا الشدو ما هو شدو، ولا الروض روض، وهل المشهد، أي مشهد، إلا ما تراه العين، وتحسه النفس، فإن كانت هذه فرحة مطمئنة جميلة كان المشهد ضاحكًا جميلًا، والعكس صحيح حتى ولو كان المشهد هو الربيع في إبانه، والجمال في عنفوانه. يقول العقاد الحزين القلب، الكئيب النفس:
قد كنت آنس بالربيع إذا أتى *** أنس المتيم بالحبيب الطارق
وتكاد تنسيني صوادح أيكه *** عزف القيان على الجماد الناطق
فالآن لا شدو الطيور برائع *** سمعي ولا روض الربيع بشائقي
الورود والرياحين في شعر العقاد
ليس أجمل في الطبيعة من الربيع، وإن أجمل ما في هذا أزهاره وأنواره، وإن الورد بأنواعه وألوانه في السنام الأعلى من الأزاهير، كيف لا وهو زينة الأرض والبساتين والرياض، ومتعة العين، وبهجة النفس، وجلاء الهم. يقول العقاد من شعر لا يخلو من إحياء وتشخيص:

أراح الورد عازفة النفوس *** وأشرق نجمه بعد النحوس
مـجـامـر للطـبـيـعـة أرّجـتـهـا *** وخــصـتـهـا بـقـربـان الشـمـوس
كــأن غـصـونـه والورد فـيـهـا *** مـبـاخـرُ فـي مـحـاريب المجوس
أطــل مـن الرغـام كـأن روحـًا *** تنادي الناس من خلف الرموس
3. الطبيعة الصامتة: وصف الهياكل والآثار في شعر العقاد
فتن العقاد بما أبدعته يد الإنسان افتتانه بما أبدعه الخالق، وربما زاد عليه، لذا فإنك تجد في شعره كثير من القصائد التي يصف فيها الدور والقصور والآثار والمعابد والهياكل التي خلدت مع الزمن شاهدة على عظمة الإنسان، وإبداعه، وفنه، وقدرته على اجتراح المعجزات؛ وميزة الوصف لمظاهر الطبيعة المصنوعة في شعر العقاد، لا تختلف عنها في وصف السماء والأرض والربيع.
إنه لا يكتفي بنقل المشهد المحسوس، ولا يقف عند حدود الظاهرة، بل يتجاوزها إلى ما وراءها وهنا تتجلى جماليات الوصف، مضفيًا على المشهد خلجات نفسه وعواطفه، وانفعالاته التي تنم في الغالب عن الدهشة والإعجاب، وخير مثال على هذا قوله من قصيدة يتحدث فيها عن أنس الوجود بأسوان، حيث التماثيل المنحوتة من الصخر، أو المنقوشة فيه، لا تزال تشهد على حضارة مصر الفرعونية منذ أقدم العصور، يقول العقاد مخاطبًا تلك التماثيل:
تماثيل مصر أنت صورتها الصغرى *** وطلسمها الواقي وآيتها الكبرى
حياتك أجدى من رجال كأنهم *** تماثيل لا تحيي الصناعة والذكرى
رعى الله من أسوان دارًا سحيقة *** وخلد في أرجائها ذلك القصرَ
ثم يخاطب أنصاب أوزيريس، أعظم آلهة مصر القديمة، وتماثيلها، فيقول:
صوامع أوزيريس شيدن للضحى *** وفيهن ليل لا يماط ولا يسري
يطير بها الخفاش ظهرًا ولم يكن *** يطير بها الخفاش لو عرف الظهرا
ترى ألف عام بعد أخرى ولا ترى *** نهارًا عليها آخر الدهر مفترا
فيا وجه أوزيريس هلا أضأتها *** وأنت تضيء السهل والجبل الوعرا

يتبين لنا أن علاقة العقاد والطبيعة لم تكن علاقة شاعر بمشهد عابر فقط، بل كانت حوارًا وجوديًّا عميقًا بين ابن النيل والكون من حوله، لقد استطاع العقاد بعبقريته الفذة أن ينقل جماليات الطبيعة في الشعر من وصف خارجي للألوان والأشكال إلى تأملات فلسفية تغوص في جوهر الأشياء.
سواء كان يصف الطبيعة العلوية بجلالها، أو الطبيعة السفلية برقتها، أو حتى صمت الآثار، يظل أسلوب العقاد الشعري مدرسة متفردة تمزج بين رصانة العقل وحرارة العاطفة، لتبقى قصائده لوحات حية تخلد جمال أسوان وروعة الخلق، وتدعو القارئ دائماً للتفكّر في خيال العقاد الشعري الذي لا يشيخ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.