"الموسيقى غذاء الروح "...
تلك المقولة ندركها جميعًا حتى أصبحت مقولة كلاشيهية شعبية، ولكن الأمثل هو أن "الموسيقى غذاء العقل".
فهي تدخل في أعماق الغرفة السوداء حتى تسيطر عليه وتعلو بهرموناته، من هرمون السعادة "الدوبامين" المسؤولة عن النشوة والانتشاء، فتشعر وكأنك تحارب وأنت فارس حصان طروادة في حروب الرومان واليونان، أو تشرب الفودكا وأنت في أحضان مارلين مونرو.. وتثور ثورات جامحة بأساطيرك الوهمية، أو هرمونات الخوف والإثارة "الأدرينالين".. فتشعر بأن الميدوسا تلهث.
اقرأ أيضًا: العندليب ليس آخر نموذج.. جنون التعلق بالمشاهير في الطب النفسي
خلفك على جبل الأوليمب حتى تلاحقك وتقضي عليك، تجعلك في عالم ساحر يهيم بك أو عالم جرد سحيق...
كل هذه العوالم تبنى وتهدم من أجل نفخة بشرية بسيطة ممزوجة بمشاعر شعورية يخلقها الرب أو بشري، ففي أسطورة هندية قديمة تحكي عن أن هناك إله يسمى (فيشنو) وهو خالق العالم وهادمه في ثقافتهم، مع الآلهة (براهما وشيفا) فوقف فيشنو على جسد الشيطان ومسك بيديه الأربعة، اثنان منهم في كفتيهما طبلة حتى طرقها ليخرج أول إيقاع يعرفه العالم أجمع، ومن ثم يبدأ بعدها بالرقص.
ومنذ بداية هذه اللحظة التي خلق البشر منها..
فمن الرأس خلق النبلاء ومن الكتف والأذرع خلق الكهنة ومن الخصر والأحشاء خلق العامة ومن القدمين خلق المنبوذين.
فعمر العالم وأصبحت لغة الموسيقى والرقص عندهم عبادة وصلاة يتعبدون بها ويتقربون من الآلهة، وهنا الموسيقى والرقص خلقت من عباءتهم وليس خارجها.
هذا هو حال الموسيقى بالنسبة للجنس البشري وغرائزه، فإذا ولعت بها وقعت في أثرها سواء كنت عشيقًا تحت أقدامها مثل كثير من العازفين أو بعض البشر الذين يستمتعون بلحظات سماع ضربة واحدة على وتر حساس..
اقرأ أيضًا: العلاج بالفن| ووظائف الفن في مواجهة المرض النفسي
وأحيانًا ما نجد عازفين فعلوا علاقة جنسية مع آلهتهم أو ظلوا يتعبدونها وسيطرت على أعماق عقولهم، وأثارت مشاعرهم.
وهذا ما نخشاه.. أن نقع في فخ الجنون بسبب مقطوعة موسيقية عزفناها أو حتى سمعناها.. فاحذر ما وقع فيه أسلافنا الموسيقيين.
كحال "بيتهوفن" وإثارة انفعالاته الشعورية حد الجنون، أو "سالري" الأستاذ الأكاديمي الموسيقي وهو من أعظم ما قدم الكلاسيكيات، بسبب عجزه على أداء مقطوعة ساحرة، مثل التي يؤديها تلميذ بوهيمي عبثي ذي موهبة فذة وجنونية يحب المرح ويكسر كل قيود اللغة الموسيقية ويبهرنا بعظمته.. وهو "موتسارات".
سؤال.. ألا وهو..
ما سبب جنون أو اكتئاب أو انتحار مثل هؤلاء العباقرة الموسيقيين؟
هل هو جنون العظمة؟
أم ذلك "الكلب اليائس الأسود".. الذي ينهش في خلايا العقل ويسحق جمجمته، ذلك الكلب الذي يثير أفكارك وانفعالاتك ويجعلها تتضارب حتى تموت خلايا عقلك ويجعلك أسيرًا لكل فكرة سوداوية كئيبة؟
اقرأ أيضًا: جوني ديب وآمبر هيرد.. لمن تكون الغلبة؟
فمن المتعارف عليه في سيكولوجية فنون الأداء أن الموسيقيين (خاملون وخاضعون، وغير ميالين للمغامرة وغير طموحين، وغير اجتماعيين، وأيضًا غير متعاطفين بالآخرين ومتحكمين في مشاعرهم)
ولكن هؤلاء الأغلبية وليس الجمع، وتتراوح النسبة بين (0.78_0.38)، ويتعرضون معظم الوقت لتشوهات جسدية سواء في العنق أم الكوع أم الظهر أم يصابوا بشلل الارتجاف
فهل كل تلك الآفات تجعل من الكلب اليائس الأسود حيوانًا شرسًا في عقول الموسيقيين؟
أم أنه مرض وراثي كمثل الذي كان عند "تشرشل" منذ طفولته وهو ينشأ معه، وكان أكثر عرضة للسوداوية؟
والدليل أبوه الذي مات في سن مبكر، حتى أن تشرشل لجأ للرسم ولكن دون جدوى.
أم تظهر نوبات الاكتئاب والسوداوية من عوامل خارجية وطبية مثل فصول السنة أو نقص كيميائي مثل نقص معادن الجسم؟
اقرأ أيضًا
-أفلام جريمة وغموض رائعة نرشحها لك من أجل المشاهدة
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.