وعي يدوِّن عجزه.. حين تصبح الكتابة آخر ما تبقى

أيّهما أكبر: قطعة خبز أم قطعة أرض؟

سؤال يبدو ساذجًا، لكن المأساة تُزعزع حتى أكثر الأسئلة بداهة.

فظاعة العجز تُشلّ حتى الخيال.

مع كل الصور الواضحة والوقائع التي تمعن في جرح نرجسيتنا، لا أستطيع أن أتخيل أنه في زمنٍ تُكدّس فيه الأطعمة في حاويات القمامة، هناك من يموت جوعًا. وكسرة خبز جافّة هي آخر ما تسمح له الحياة أن يحلم به.

نعاين أجسادًا تتضاءل، تتآكل بما تحمله الكلمة من قبح المعنى.

لم يتبقَّ لهم أي شيء.. يحتفظون بالحق في الكتابة فقط. آخر ما يُعبّرون عنه هو حروف قليلة.. تختفي في حروف أخرى.

نعاين المأساة وهي تأكل المأساة، الذي حصل على كيس طحين وطلقة في قدمه أفضل حالًا من الذي مات ولسانه ممتد لحفنة طحين تكفل له البقاء.

مع كل الممارسات السادية التي أُمارسها في حق مشاعري لتنزف أكثر، ما زلت لا أستطيع أن أصدق أني أسرد وقائع حقيقية، ليست نصًا لمحمد شكري، ولا مشهدًا من البؤساء هيغو. إنها وقائع فحسب.

بخزيٍ أتأمل، وبخزيٍ أكبر أكتب كلمات أعلم أنها لن تُنقذ، ولن تُغيّر حتى مسار نملة، لكنها آخر ما تبقّى لي كي لا أختنق بالعجز.

أتأمل التاريخ: هذا الركام العفن.

الحدود الوهمية، المعتقدات الجبانة، الأساطير التي تحوّلت إلى حقائق بالقوة، والخرافات التي تحكم ملايين البشر دون مساءلة.

وأتساءل بمرارة: كيف لنا أن نتحمّل عواقب غباء القدماء؟

سؤال عبثي، كعبث محاولتي في عقد مقارنة لا تقلّ حماقة.

الأجيال السابقة عاشت مآسيها، لكنها امتلكت إمكانية الفعل.

كان التاريخ، آنذاك، يسمح بالاعتقاد أن الإرادة قادرة على خرق جدار الضرورة.

كان من الممكن تحويل الألم إلى مشروع، والمعاناة إلى تمرّد، أو في الأقل إلى بناءٍ ما.

ولا أعتقد أنه يحقُّ لأجدادنا أن يتذمّروا من الحرب، ففي الأقل كانت الحرب تُوفّر فرصة.

في الخراب، كانت توجد احتمالات، كان يوجد فعل، وكان يوجد معنى، حتى لو كان دمويًّا.

اليوم، لا حقّ لنا في الحرب، إننا لسنا أكثر من دودة نيتشه، ننكمش على أنفسنا حتى نقلِّل من فرص أن نُداس نحن أيضًا.

اليوم، الموت هو الخيار الوحيد المتاح، البديل الوحيد عن الخضوع.

حُرمنا حتى من الامتياز التراجيدي للموت في معركة.

لربما تطبّعنا مع الاستسلام حتى وجوديًّا، أو لربما الوعي قضى على ذلك.

لا أمل في فرصة للتغيير.

الإنسان، كرة الثلج هذه، يُولد مقيَّدًا ويستمر في التدحرج، ويُمدّدُ قيودَهُ.

لم يعد مشروعٌ قائمًا، يا سارتر.

ما تبقّى ليس إلا تراكمًا زمنيًا لخيباتٍ قديمة، خيبات لم نعد نعرف متى بدأت، لكنها لم تنتهِ.

بدأ اليأس يتسرّب، لا كحالة طارئة، بل كبنية إدراكية متجذّرة.

وغدت الثورة حلمًا رومانسيًّا لا بعدِّها وسيلة لقلب الواقع، بل بوصفها حنينًا لما لم يحدث.

نحن اليوم نعيش في ما بعد الحلم، في ما بعد الإمكانية.

ورثنا العجز، لا كموقف عابر، بل كونها شرطًا وجوديًّا دائمًا.

لم نعد نؤمن بأن الكلام يُحدث فرقًا، ولا بأن التفكير ضرورة.

كل محاولة لقول شيء تُقابل بلا جدوى من الكلام، وبلامبالاة العالم.

صار الفعل نوعًا من السذاجة، والكلام تكرارًا عقيمًا في فراغ مزدحم.

ما نعيشه ليس صراعًا بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بل صراعًا بين الصمت وما هو أشد صمتًا.

نحن لسنا ضحايا الظلم، بل ضحايا فائض الوعي، وعيٌ لا يجد موطئًا له، ولا يؤدي إلا إلى مزيد من العجز.

وعي تحوَّل من أداة إدراك إلى عبء ثقيل، كعالة علينا لا يمكن التخلص منها.

لكن يوجد شيء نحسد عليه: نحن ما زلنا نكتب.

إني أتأسف للأجيال القادمة التي لن يكون بمقدورها الكتابة، لأنها لن تراها إلا طقسًا تقليديًّا مليئًا بالأحلام، والخوف من مواجهة الحقيقة.

أعتقد أنه، شيئًا فشيئًا، سيختفي الكلام المنطوق، ولن تبقى سوى الثرثرة، بوصفها أنجع وسيلة لتجنّب آلام الخوض في الحقيقة.

في النهاية، لن يكون مآل التفكير هو الصمت، كما تنبأ فيتغنشتاين، بل ستكون الثرثرة آلية دفاع ضد فظاعة واقع لم نعد نحتمله.

كلامٌ يُستدعى لتجنّب ألم التفكير لا لمواصلته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.