العبقرية الأدبية.. بين إلهام العقل الباطن والجنون

العبقرية.. لفظة في اللغــة العربية منسـوبة إلى (وادى عبقر) الذي كان الجاهلة يعتقدون أنه وادٍ مملوء بالجن، ويقابل هذه اللفظة في اللغة الإنجليزية كلمة (جينس) وهي مأخوذة من لفظة (جني) في العربية على أرجح الظن.

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن العبقري حين ينتج إبداعاته الرائعة لا يشعر بنفسه، فهو يدخل في حالة شاذة لها شبه بالصرع أو الغيبوبة أو الهذيان. ويرى بعض الباحثين أن العبقري يتقمص عند الإنتاج شخصية أخرى غير شخصيته الاعتيادية تفقد الشعور بالحدود المكانية والزمانية، وهو حين يرجع إلى حالته الاعتيادية ينذهل من روعة إنتاجه ويتعجب كيف استطاع هو نفسه أن ينتجه.. وهي ردة فعل تحدث لكل مبتكر تقريبًا.

العبقرية خروج عن الذات ودخول في عالم آخر

يقول الأديب الإنجليزي (كيتس) إنه كان يشعر عند الإبداع بأن شخصًا آخر في داخله يُملي عليه، وهو لا يكاد يدرك جمال الأفكار التي يأتي بها إلا بعد أن ينتهي من كتابتها. ويقول (شيللي) إنه عندما يستعر دماغه ببعض الأفكار يأخذ بالغليان.. فيقذف عند ذلك بالصور والتعبيرات بسرعة أكبر ما يستطيع هو أن يسجلها على الورق.

جون كيتس

ما يعني أن العبقرية فيها شيء من الخروج عن الذات والدخول في عالم آخر لا يعرف مداه، لكنه ظاهريًا مغلق على ما يحوي، فهو لا يدرك البيئة الخارجية، فهي تُعد نوعًا من أنواع الجنون أحيانًا لأنها تخرج بصاحبها عن حالته الاعتيادية وتجعله ينظر إلى الحياة بمنظار ثاقب نفَّاذ لم يعهده الناس من قبل، حتى إن العبقري كثيرًا ما يضحك على نفسه وعلى جماعته وهو لا يكاد يعرف الخجل من هذا أحيانًا.

فلاسفة العبقرية.. رؤية شوبنهور وبرجسون وتويني

يرى ثلاثة من كبار الفلاسفة هم (شوبنهاور) الألماني، و(هنرى برجسون) الفرنسي، و(توينبي) الإنجليزي أن العبقرية خروج من الذات وانغمار في عالم أوسع.

يقول (شوبنهاور): «العبقرية هي الموضوعية الخالصة في الفكر، فهي تلك القوة التي تجعل صاحبها يهمل مصالحه ورغباته وأهدافه، وينبذ شخصيته مدة معينة بحيث يكون فيها أداة خالصة للمعرفة وللنظر في الكون نظرًا نقيًا». ويرى أن هذا هو السبب الذي يجعل الناس في العادة لا يفهمون العبقري، وهو أيضًا لا يفهمهم، فهو يمشي وينظر نحو السماء فيقع في البئر. 

والواقع أن المنغمس في إطاره الفكري والذي يجمد على ما اعتاد عليه من مألوفات اجتماعية وحضارية تقليدية وسائدة يصعب عليه أن يكون مبدعًا أو عبقريًا، فساعات الإلهام المباركة على سبيل المثال التي تكتنف معظم العباقرة تستبد بهم، بحيث لا تدع مجالًا لأن يفكر أحدهم بما تقتضيه مألوفات الناس وما يستسيغه منطقهم، لذا فإنه كلما كان الإنسان أكثر اجتماعية كان في رأي (شوبنهور) أقل عبقرية وأكثر رياءً وابتذالًا، وفي رأيي أنه لن يجد الإنسان ما هو أصدق من عقله الباطن، فهو لا يتماهى مع أفانين الكذب والرياء وتجميل الحقيقة، بل يبثها كما هي.

آرثر شوبنهاور

ويقول (شوبنهاور) أيضًا: «إن تراجم الرجال العظام تشير إلى ترابط الجنون والعبقرية»؛ معللًا ذلك بأنه قد درس كثيرًا من الحالات الفردية من مستشفيات المجانين، فوجد أمارات العبقرية واضحة فيها.

برجسون.. العبقرية والانتماء للبشرية

أما (برجسون) فيرى أن العبقري لا ينتمي لزمرة أو جماعة محددة، وإنما يشعر أنه ينتمي إلى البشرية جمعاء، لذا فهو يخترق حدود الجماعة التي نشأ فيها، ويثور على العرف الذي يدعم كيانها، ويرى أيضًا أن العبقري فيه نزعة من التصوف؛ وذلك أنه حين ينغمر في ساعة الإبداع (الإلهام) يغيب عن وعيه ويدخل فيما يشبه الوجد الصوفي أو الغيبوبة، إنه عند ذلك يتحد مع الدفقة الحيوية الكبرى التي تسيِّر الكون، ويستشف من الحقيقة المطلقة ما لا يستطيع أن يستشفه المنغمسون في همومهم الضيقة المحدودة.

توينبي.. العبقرية والثورة على التقاليد

يأتي (توينبي) فيوافق على ما قاله (برجسون) موافقة تامة فيقول إن العبقري هو على النقيض من الجمود والتمسك الأجوف بالعادات، فهو يحب الابتداع والثورة على التقاليد، ويشعر أنه كُلف برسالة، وكثيرًا ما يحب الفناء في هذه الرسالة بحيث يصبح العاشق الولهان لا يعرف من الدنيا إلا إياها.

المدنية والبدائية بيئة العبقرية

إن الفارق الذي يميز المدنية عن الحياة البدائية هو في كثرة ظهور العباقرة في الأولى وقلته في الثانية، فأحد الفروق الجوهرية بين المدنية والبدائية أن المتمدنين يتجهون في إعجابهم وتقديرهم نحو المبتكرين والمخترعين والعباقرة، إذ إن المدينة تفسح المجال للعبقري أن يقول ما يشاء أو يبدع ما يهوى.

أما بين البدائيين والمتأخرين فالمجدد ممقوت، وكل من يبتدع شيئًا لم يعهدوه قابلوه بالإنكار أو الاستهزاء أو الأذى، ولا ينجح بينهم إلا الجامدون المتزمتون الذين يتنافسون ويتفاخرون على مبلغ ما يتفوق به أحدهم في تمسكه بالعادات الموروثة والقيم الاجتماعية وقدرته على التفكير المنطقي الذي يعتمد على مقدمات مألوفة ومعلومات سابقة، وهذا النمط من البشر لا يستطيع أن يستشف ما وراء الزمان والمكان من حوادث جديدة، كما يتأتى للأشخاص الذين يتمتعون بالعبقرية أو بشيء منها.

العقل الواعي والباطن المحرك الخفي للإبداع

وإن لهذا الأمر تفسيرًا قد لا يروق لكثيرين -إلا إنها الحقيقة التي لا ريب فيها- وهي أن لكل منا عقلين يحركانه ويسيطران على حياته وسلوكياته، هما العقل الواعي والعقل الباطن (أو اللاواعي أو اللاشعوري)، وهما متناقضان تمامًا حسب طبيعة عملهما.

 فأحدهما -العقل الواعي- ينصاع للحدود الدينية والأطر الاجتماعية وما يحكم بيئة الإنسان من معروفات ومألوفات وهو العقل الواعي وهو مصدر كل فلسفة أو منطق.

أما العقل الباطن أو غير الواعي فلا يعترف بأية حدود أو قواعد أو أطر ولا يعرف البرهان المنطقي، إلا إن له قدرة عجيبة على تخطي المسافات المكانية والزمانية، فضلًا على أنه يتسم بذكاء وحكمة لا نهائيتين يستطيعان أن يقدما للمرء ألوانًا رائعة وجديدة من المعرفة، إذ إن العقل الباطن يمتلك ذاكرة جبارة لكل شيء حدث في تاريخ الإنسانية، وذلك ما يجعل كثيرًا من علماء الآثار يتمكنون من تخيل أطلال الشعوب القديمة كما كانت بالضبط، بل والأكثر من ذلك قدرته على تخيل المستقبل بتفاصيله وأحداثه على نحو مذهل.

وأكثر ما في أمر هذا العقل أنه مكمن الرغبات المكبوتة التي لم يستطع الإنسان إشباعها لسبب من الأسباب، وتظل تلك الرغبات حبيسة العقل الباطن تحت ضغط شديد ناتج عن رقابة العقل الواعي الذي يخشى لوم بيئته من جراء أي سلوك قد يرتكبه (استجابة لتلك الرغبات المكبوتة) فمنها الرغبات العدوانية أو الجنسية.. إلى آخره مما هو غير مقبول أو مألوف.

ولكن على الرغم من كل هذا فإن العقل الباطن هو منبع كل إبداع لم يقبله النمطيون وعدُّوه يومًا ما مستحيلًا، فالتحليق كان رغبة في العقل الباطن لأحدهم، شأنه شأن كل اختراع اعتقد كثيرون في استحالة تنفيذه، ولكن ماذا لو تم تخدير العقل الواعي أو ضعف أو نام.. ماذا لو حدث هذا؟

بلا شك ستطفو كل رغبات العقل الباطن وتصبح قيد التنفيذ، وهذا ما يفسر انتقال العبقرية من حالة الوعي إلى اللاوعي (الاقتراب من الجنون) في أثناء تقديم أحد إبدعاتهم؛ لذا فإن أغلب العلماء والفنانين والشعراء والكتاب والمخترعين العظماء يتمتعون بفهم عميق للمهام والأعمال التي يقوم بها العقل الباطن، فلقد أدركوا على مر العصور الأهمية الحقيقية لهذا العقل اللاشعوري، فكثير منهم أمثال (أديسون، ماركونى، أينشتاين، بتهوفن، شكسبير، ليوناردو دافنشي، الأخوان رايت، جورج إيستمان، جرهام بل) وغيرهم كثيرون قد استخدموا عقلهم الباطن ليلهمهم بالأفكار الثاقبة والأصيلة ويزودهم بالمعرفة حتى حققوا إنجازاتهم العظيمة.

ومن الأمور البديعة في أمر العقل الباطن أنه لا ينام مطلقًا ولا يرتاح، فهو يمارس مهام عمله حتى في أثناء النوم (كما سبق وأوضحنا)، ويعمل بفعل قانون الجذب على آخر الأفكار التي مر بها الفرد قبل أن يستغرق في النوم، وتستطيع أن تكتشف قدرته على صنع المعجزات بما تخبره به قبل النوم مباشرة فيحققه أكثر مما كنت تتخيل، إنها القوة الجبارة الكامنة بداخلك.

حتى إن البعض ذهب إلى تعريف ماهية العقل الباطن إلى صيغ قد تبدو غريبة وغير علمية، لكن فيها شيئًا من الحقيقة، فمنهم من يعتقد أنه مهبط الوحي والكشف والإلهام في الإنسان، وهو منبع العبقرية والنبوة والإلهام وما أشبه، ومنهم من تطرف فذهب إلى أن العقل الباطن هو الروح، وآخرون ادعوا بأنه جزء من الله الذي حلَّ بالإنسان.

العبقرية تحرر من القيود وتجاوز للمألوف

إن العبقري هو الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يتحرر ويتجرد من قيود عقله وبيئته ويسمو محلقًا في سماء الإبداع والاختراع، لذا فكلما كان التجرد في عقل من العقول «من المألوفات والمعروفات الثابتة التي يظن البعض أنها لا تتغير» أتم.. كانت قدرته على الإبداع أعظم، فلقد ذهب زمان الحقائق المطلقة وحلَّ محله زمان المعدلات والاحتمالات؛ لذا فالعباقرة يتفاضلون بمقدار ما يتحررون قليلًا أو كثيرًا من إطارهم الفكري، بيد أنه يجب الأخذ في الحسبان أن التجرد المطلق مستحيل، ثم إن العبقرية الكاملة كذلك غير ممكنة.

العبقرية تحرر من القيود

هل العبقرية حكر على العظماء فقط؟

إن كل شخص يمكن أن يتسم بشيء من العبقرية في أثناء عمله وكدِّه من أجل تحقيق هدف ما، وعليه أن يتبع ما تمليه عليه نفسه فقط «عقله وقلبه وروحه»، ودون إرادة كلية بالأطر العامة والحدود الخارجية، في حين يدرك ويعي جيدًا محط قدميه ويقصده في أحيان كثيرة، فهو يعمل لا شعوريًا ودون إدراك تام بالبيئة المحيطة لا يلتفت إلى ما يدور حوله من ضغائن وتدابير سيئة أو حتى بداية الطريق ومتى ينتهي، إنه يعيش الحياة لحظة بلحظة، لا يرى فيها غير ما هو واجب عليه أن يفعله «التمثيل الداخلي وما تحدثه به نفسه مرارًا وتكرارًا».

وبالاقتراب شيئًا ما من الأمر نجد أن العبقرية أو نوبة العبقرية تجعل من صاحبها يدخل فى دائرة يراها الإنسان الواعي صغيرة وضيقة، في حين يشعرها هو لا نهائية ودون حدود، لكنه في هذه الدائرة الضيقة يعمل بوعي كامل فيضع الخطط والتدابير ويدرك جيدًا ما يجب عليه فعله داخل حدودها، في حين لا يدرك شيئًا عن الحدود الكبرى من البيئة الواقعية التي يعمل بها والأشخاص المحيطين به والأمور الجارية.. إلخ، فهو يدرك ما في دائرته الخيالية ولا يدرك الأطر الخارجية الكبيرة والمحيطة بها.

الأمر أشبه بشخص داخل قاعة كبيرة مظلمة حالكة السواد، وقد أفردت أرضيتها بالرمال، وهو يقبع في بقعة معينة في منتصفها، في حين سُلطت عليه بعض المؤثرات كأصوات أمواج البحر المتلاطمة وفحيح نسائمه وضخت روائح اليود المنعشة، فجلس هو في منتصفها يتلاعب بالرمال ويتلقى دفقات الهواء ويشتم رائحة اليود «وهو يفعل ذلك بوعي كامل» ظانًا أنه يجلس على شاطئ البحر، في حين لا يدرك أنها محض قاعة كبيرة مظلمة فرشت بالرمال، إنه فقد الوعي بالبيئة الكلية مع أنه كان يتعامل بوعي كامل في بيئته التخيلية الصغيرة وهو على يقين بأنها غاية في الواقعية وما دونها زيف ووهم، والأمر أيضًا أشبه بالسائر في الطريق الخطأ ظانًا أنه في وجهته الصحيحة، هو في كامل وعيه في أثناء عملية السير ويعرف جيدًا أين تحط قدماه، في حين فقد وعيه بالطريق الكلي فلم يعِ بأنه على الطريق الخطأ.

ويُقصد بالوعي الكلي الوعي بالبيئة التي نعيش فيها بنمطيتها ومألوفاتها، أما البيئة الصغيرة فهي تلك البيئة المتفردة التخليقية التي تثور على كل ما هو سائد ونمطي.

إلا أن ثمًة شيئًا فارقًا وشديد الأهمية طرحه خبراء التنمية البشرية، فهم لا يعتقدون في هذا الانفصال بين الوعي الكلي والجزئي قائلين إن على المرء لكي يتبنى أفكارًا معينة أن يكون في تام وعيه وإدراكه وشعوره بها، فضلًا على حضوره الذهني الأتم بالبيئة المحيطة، ولا يعتقدون بهذا الانفصال بين ذات المرء الداخلية والذات الخارجية بدعوى أن كل الأشياء والمخلوقات من بشر وحيوانات وجماد وحتى الأكوان المحيطة هي في الأصل مكونة من مادة وطاقة واحدة، فلا ثمة ما هو خارجي أو داخلي، فيداك تنطبق مع الهواء والجمادات المختلفة حتى النجوم والمجرات في أصل المادة والطاقة.

ولكن هذا لا ينفي أبدًا وجود تلك النوبات الإبداعية المسماة (بالعبقرية)، فمنهم من يمتلكها بنسب ضئيلة ومتفاوتة ومنهم من تكتنف حياته وسلوكياته بالكلية، ولعل تفسيري في هذا أنه كلما باتت الفكرة مستحيلة وجنونية ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصديقها «كحلم الطيران مثلًا في العصور البدائية»، دخل صاحبها مرغمًا ولا إراديًا في تلك النوبات من العبقرية على قدر إيمانه بفكرته واستحالة تصديقها وامتلاكه لسبل تحقيقها في آنٍ واحد، وفي تلك الحالة تحديدًا فمن الصعب أن يتعايش المرء ويفكر على نهج طبيعي تتحد فيه ذاته مع المكونات الخارجية التي ترفضها وترفض أفكارها، وأظن أن كلًا من اعتقاد رواد التنمية البشرية «بشأن أن الكون كله مؤلف من مادة وطاقة واحدة بحيث يصبح كل ما هو داخلي متمم لما هو خارجي» والعبقرية لأنها حالة متفردة تنمو وتتصاعد وتيرتها طرديًا في حالة التعاطي مع المستحيلات، فهى أيضًا درجات.. صحيح.

خصائص الحالة العبقرية بين الانهماك والجنون

إن لفظة (عبقري) لا يُنعت بها إلا من أتى شيئًا يرفضه العقل الواعي رفضًا قاطعًا لا احتمال في صدقه ولو بنسب صغيرة؛ إذ إن الوعي الكامل بالأفكار داخليًا وخارجيًا (العقل الواعي والباطن) يمكن أن نسميه بالتفكير الذكي بما لا يبتعد كثيرًا عن حقائق الناس ومألوفاتهم فيصيبهم بالصدمة ربما أذهلهم لبعض الوقت، أما الوعي المنفصل شعوريًا ولا شعوريًا فهذا هو (التفكير الابتكاري) نهج العباقرة والمبدعين، ولا ضيم فيه من إصابة الناس بصدمات فكرية ربما وضعتهم في حالة من الذهول والرفض لأعوام مديدة.. يدفع ثمنها المبدع وحده، فكم من المخترعين والمكتشفين الذين وصلوا إلى حد رميهم بالجنون والسفه، وإلى الحكم بإعدامهم حتى لا يفسدوا عقول العامة كما حدث من السلطات الدينية في العصور الوسطى.

وعليه يمكن أن نقول إن العبقرية هي اجتماع النقائض في شخص وآنٍ واحد، ولو درسنا شخصية كل من الناجحين العظام لوجدناها غريبة الأطوار، فهي لا تأخذ قالبًا معينًا فتظل فيه زمنًا طويلًا، كل يوم هي في شأن، على عكس الشخصية العادية التي تحجرت على ما ألفته من أمور.

إن العبقرية لا تتأتى بالمثابرة والصبر فقط بقدر ما تعتمد على الهدوء والاسترسال وعدم التكلف والمغالاة الجوفاء، وذلك باستثمار الومضات المبدعة التي تنبعث من اللاشعور.. دون تعمد ملاحظتها وترقبها وانتظارها في أحيان كثيرة. فالعباقرة يعملون كالأطفال الذين شغفوا باللعب فانهمكوا فيه.. وغفلوا عن هبة لحظات الحماس المطلق التي حُرم منها الكبار، وغفلوا عما حولهم من الناس والأشياء.

يقول ستيفن آر كوفي: «دون انهماك.. لا يكون هناك التزام». فالعبقري هو الذي ينساب على سليقته وينغمر في عمله ويذوب فيه وكأنه جزء منه.. دون أن يقصد النجاح أو الكمال في أدائه، حينها يترك زمام الأمور لعقله الباطن فيقوده إلى الغاية المنشودة من حيث لا يدري، وذلك أن العقل الباطن (اللاوعي) مناقض في عمله عن العقل الواعي، إلا إنه يصل بنا إلى ما نحلم به ونتمناه، ولكن البداية هي الفارق. وفي أحد الأقوال المأثورة «عليك البداية وعليه التمام».. يقصد الله سبحانه وتعالى.   

ستيفن آر كوفي

وبغض النظر عن كل تلك التفسيرات والتأويلات والرؤى السالفة حول مفهوم العبقرية وخصائصها.. فإنه يمكن تعريفها باختصار على أنها أصل كل إبداع أو ابتكار أو اختراع أو اكتشاف «وثمة اختلاف بالطبع بين الأربعة مصطلحات وهذا ما سنعرفه لاحقًا» نتج عن عمليات توليد الأفكار وتخليقها، لذا فكل مبدع أو مبتكر أو مخترع أو مكتشف هو في الأصل عبقري يمتلك نوعًا ما من الموهبة والمعرفة والتفاعل للإنتاج المتميز والمتفرد، لكنه ليس شرطًا أن يكون كل عبقري قد أنتج خلال حياته شيئًا مختلفًا يُعتد به، فمنهم من ينغلق على معرفته ونظرته الثاقبة ولا يمنح البشرية إلا نعرته الجوفاء وسخريته من العامة والبسطاء والسذج.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.