العباس بن الأحنف شاعر عباسي بارز ورائد المدرسة العذرية في العصر العباسي، تميز باعتناقه مذهب الغزل العذري، وخصص ديوانًا لقصة حبّه العفيف لـ«فوز» دون التكسب بالمديح أو الهجاء، ممثلًا تيار العفة والوجد الروحي المقيم بين الحنايا في زمن شاع فيه الغزل المادي الحسي، وكان مقرباً من الخليفة هارون الرشيد، وتُوفي بعد رحلة أدبية خلدت اسمه كـ «صناجة الغزل العباسي».
في هذا المقال، سنحلل سيرة العباس بن الأحنف هذا الشاعر الاستثنائي، ومذهبه الشعري، وقصة حبه التراجيدية التي انتهت بنهاية شجية خلدها التاريخ الأدبي كونها واحدة من أروع قصص الوفاء الإنساني.
حين أغرق معظم الشعراء الغزليين زمن بني العباس في النزعة المادية، وأسرفوا في تصوير لذاذات الحب والوصال وأمعنوا في التطرف -آخذين عن الأمم التي سبقتهم وصف الغلمان والتغزل بهم- بقيت فئة منهم بعيدة عن هذه المباذل الخلقية، معتدلةً في فنها الغزلي، كاشفة عن العاطفة الصادقة، صادرة في حنينها وشوقها عن هوى وجداني مقيم بين الحنايا، على غرار ما أنشد أبو العتاهية حين قال:
مَن لِقَلبٍ مُتَيَّمٍ مُشتاقِ ... شَفَّهُ شَوقُهُ وَطولُ الفِراقِ
طالَ شَوقي إِلى قَعيدَةِ بَيتي ... لَيتَ شِعري فَهَل لَنا مِن تَلاقِ
هِيَ حَظّي قَد اِقتَصَرتُ عَلَيها ... مِن ذَواتِ العُقودِ وَالأَطواقِ
جَمَعَ اللَّهُ عاجِلًا بِكِ شَملي ... عَن قَريبٍ وَفَكَّني مِن وَثاقي
ولا نغالي إذا حسبنا الشاعر العباس بن الأحنف في عداد هذه الطائفة من المحبين الذين أعادوا إلى أذهاننا، من قريب أو بعيد، غير قليل من نوازع العذريين أمثال جميل بثينة في العصر الأموي.
ترجم له ياقوت في معجمه فوصفه بأنه «شاعر مجيد رقيق الشعر...»، وذكره ابن خلكان بمثل ذلك حين قال: «كان العباس رقيق الحاشية لطيف الطباع، جميع شعره في الغزل...».
من هو العباس الأحنف؟
هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جَهدان بن كلدة، من بني عدي بن حنيفة اليمامي. وفي رواية علي بن سليمان الأخفش: «أن العباس بن الأحنف كان من عرب خراسان، ومنشؤه ببغداد».
لماذا سُمي العباس بن الأحنف بهذا الاسم؟
عُرف العباس بنسبته إلى أبيه «الأحنف» (واسمه الأسود بن طلحة)، وقد أُطلق لقب «الأحنف» في لغة العرب على مَن كان به اعوجاجٌ وميلٌ في قدميه أو رجليه، حيث يُطلق على المشي على ظهر القدم. وقد اشتهر هذا الشاعر المبدع المولود في البصرة بغزله العذري العفيف الرقيق الذي تغنت به القيان والمغنون، ولم يُعرف عنه هجاءٌ ولا مديحٌ قط.
وقد حدَّث أبو بكر الصولي فقال: «رأيت العباس بن الأحنف ببغداد بعد موت الرشيد، وكان منزله بباب الشام، وكان لي صديقًا، ومات وسنه أقل من ستين سنة...». وإذا صحت رواية الصولي وأن ابن الأحنف مات بعد هارون الرشيد، تكون ولادة الشاعر في نحو العام 103 هجري، ولا يبقى مجال لما قاله ابن خلكان من أنه «مات سنة 188 هجري في اليوم الذي مات فيه الكسائي النحوي المعروف، وأن الرشيد أمر المأمون بالصلاة عليهما».

ما نوع غزل العباس بن الأحنف ومذهبه الشعري؟
لم يكن العباس من الغزليين الذين رقَّت ديباجتهم ولطف طبعهم وحسب، بل كان موضع إعجاب الرواة الذين يقدمونه لأن كل شعره غزل خالص، فصنّف النقاد نمطه تحت باب الشعر العذري. فقد كان غزل العباس بن الأحنف غزلًا عذريًّا عفيفًا لا تشوبه شائبة مادية؛ لأنه تميز بأن «كل شعره غزل لا مديح فيه ولا هجاء ولا شيئًا من ضروب الشعر».
ولهذا أشاد به المبرد في كتاب «الروضة»، وفضَّله على نظرائه حين قال: «وكان العباس من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلًا ولم يكن فاسقًا، وكان ظاهر النعمة ملوكي المذهب شديد الترف، وذلك بيّن في شعره، وكان قصده الغزل وشغله النسيب، وكان حلوًا مقبولًا غزلًا غزير الفكر واسع الكلام كثير التصرف في الغزل وحده، ولم يكن هجاء ولا مداحًا».
وما ذهب إليه المبرد أيده فيه آخرون، منهم أبو الفرج الأصفهاني القائل: «وكان العباس شاعرًا غزلًا شريفًا مطبوعًا من شعراء الدولة العباسية، وله مذهب حسن، ولديباجة شعره رونق، ولمعانيه عذوبة ولطف...».
وبناءً على هذا التميز، تربع على عرش القلوب وأصبح شعر العباس بن الأحنف في الغزل مدرسة قائمة بذاتها، حيث استوعب ديوان العباس بن الأحنف كل مشاعر الصبابة والوجد، واحتفى الرواة بنسخ هذا النتاج العذب فبات ديوانه مرجعًا لكل من يبحث عن عاطفة حقيقية تفيض رقة وعفة.
قصة الشاعر العباس بن الأحنف مع حبيبته فوز
إن شاعرنا العباس إنما أنطقته في الشعر لوعة، وحملته على إدمان الترجمة عن صباباته حرقة في الهوى ذاق خلالها قسوة المحبوب؛ حيث أحبّ الشاعر العباسي جاريةً تُدعى «فوز»، ولكي يحمي سمعتها في المجتمع العباسي المُتحفِّظ، أخفى اسمها الحقيقي مُستخدمًا أسماءً مُستعارة مثل «ظلوم» و«ذلفاء».
عاش الشاعر عذابًا طويلًا بسبب الفراق، وخلّد هذا الحب العذري في نتاجه، وحين نبحث في قصة شاعرنا مع حبيبته نجد طابعًا تراجيديًّا وإنسانيًّا فريدًا، حتى إن بعض المؤرخين رجّحوا أنها لم تكن جارية عادية، بل ربما كانت إحدى سيدات البلاط العباسي أو شاعرة أخفى هويتها خوفًا من بطش الخلفاء، وقد ظل وفيًا لهذا الحب حتى وفاته دون أن يتزوج بغيرها. وعُرف بها حتى ارتبط الاسمان معًا في تاريخ الأدب باسم العباس بن الأحنف وفوز، ولذا استحسن الرواة قوله:
واللهِ لو أنَّ القلوبَ كقلبِها ... ما رَقَّ للولدِ الضعيفِ الوالدُ
ومن أجمل ما قال العباس بن الأحنف قوله معلنًا اسم محبوبته بصراحة في أبيات تُعد من الروائع:
يا فوزُ يا منيةَ عباسِ ... قلبي يفدي قلبَكِ القاسي
يقلقني الشوقُ فآتيكم ... والقلبُ مملوءٌ من الياسِ
أشهر قصائد العباس بن الأحنف ومساجلاته
وقد تعددت القصائد الطنانة التي تروي تفاصيل حبه، ومنها تلك التي عاتب فيها محبوبته بنبرة الأسى الرفيق؛ لذا تبارى الدارسون في شرح قصيدة العباس بن الأحنف: «ألم تعلمي يا فوز» ليفككوا مغاليق وجدانه وعتابه العفيف لها؛ فتفيض الأبيات برقة الصياغة وعمق اللوعة وعتاب المحب الفذ الحريص على عهده.
ومن عيون شعر العباس بن الأحنف التي تناقلها الرواة، تلك التي تعبر عن لوعته بعد أن انتقلت حبيبته للحجاز، ما زاد من شجونه، واستجرد فيها الدموع طلبًا للراحة، ومنها الأبيات التي استجادها ابن خلكان:
يا أيها الرجلُ المعذِّبُ نفسَه ... أقْصِرْ فإنَّ شفاءَك الإقصارُ
تَزِفُ البكاءَ دموعُ عينِك فاستعرْ ... عينًا لغيرك دمعُها مدرارُ
مَن ذا يعيرُك عينَه تبكي بها ... أرأيتَ عينًا للبكاء تُعارُ؟
العباس بن الأحنف وهارون الرشيد
ولم تقف شهرة شعر العباس بن الأحنف عند لوعته الذاتية، بل طارت شهرته في الآفاق حتى اقترن اسمه بالخلفاء، فكانت حكاياته فصلًا ممتعًا من فصول الأدب؛ فقد تميّزت العلاقة بين الخليفة العباسي هارون الرشيد والشاعر بتقديرٍ رفيع ومنافسات شعرية في الغزل.
وأشهر حكاياتهما عندما استدعاه الرشيد ليلًا لإكمال شطر بيتٍ نظّمه في جاريته (جَنان) قائلًا للعباس بن الأحنف: جنان قد رأيناها فلم نرَ مثلها بشرًا. فأكمله العباس على الفور: «يزيدُكَ وجهُها حسنًا إذا ما زدته نظرًا».
وقد جمعت بينهما مساجلات شهيرة تظهر ذوقهما العالي، فقد سأل الرشيد العباس يومًا عن أرقّ بيت قالته العرب، فأجابه العباس: «قول جميل بن معمر»، لكن الرشيد أثبت له أن شعره هو الأرق في أبياتٍ شهيرة تغزلا فيها.
وكان العباس بارعًا أيضًا في حلّ الخلافات السياسية والزوجية؛ فعندما غضب الرشيد من جاريته (ماردة)، استعان بالعباس الذي نظَّم له أبياتًا جعلت الخليفة يُسارع لصلحها؛ ما أدى إلى مكافأته بسخاء. كما تروي الأخبار مساجلة فريدة تجلت في قصيدة العباس بن الأحنف:
قالَت مَرِضتُ فَعُدتُها فَتَبَرَّمَت ... وَهِيَ الصَحيحَةُ وَالمَريضُ العائِدُ
وَاللَهِ لَو أَنَّ القُلوبَ كَقلبِها ... ما رَقَّ لِلوَلَدِ الصَغيرِ الوالِدُ
كَتَبَت بِأَن لا تَأتِني فَهَجَرتُها ... لِتَذوقَ طَعمَ الهَجرِ ثُمَّ أُعاوِدُ
ماذا عَلَيها أَن يُلِمَّ بِبابِها ... ذو حاجَةٍ بِسَلامِهِ مُتَعاهِدُ
إِن كانَ ذَنبي في الزيارَةِ فَاِعلَمي ... أَنّي عَلى كَسبِ الذُنوبِ لَجاهِدُ
وهي تمثل حوارية بديعة تفيض رقة ودلالًا بين الحبيبين.
النهاية الشجية لصناجة الغزل
أما نهاية العباس بن الأحنف فقد كانت -كما رواها جماعة من أهل البصرة عن الصولي، وكما أثبتها المسعودي في مروج الذهب- شجية وغريبة، وكأنها أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع، لتبكيه المحافل وتخلد ذكرى وفاته.
قالت الجماعة: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجّة وهو ينادي: «أيها الناس، هل فيكم أحد من البصرة؟». قالوا: فعدلنا إليه وقلنا له: «ما تريد؟»، قال: «إن مولاي لما به، يريد أن يوصيكم»، فملنا معه فإذا شخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة.. فجلسنا حوله فأحس بنا.. وأنشأ يقول:
يا غريبَ الدارِ عن وطنِه ... مفردًا يبكي على شجنِه
كَلِماتٌ جَدَّ البكاءُ به ... دَبَّتِ الأسقامُ في بدنِه
ثم أُغمي عليه طويلًا... ثم أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد، ولما سمع تغريد الطائر فتح عينيه ثم أنشأ يقول متممًا مشهد الوداع الأخير:
ولَقَد زادَ الفُؤادَ شَجًا ... طائِرٌ يَبكي عَلى فَنَنِه
شَفَّهُ ما شَفَّني فَبَكى ... كُلُّنا يَبكي عَلى سَكَنِه
وهكذا انطوت صفحة «صناجة الغزل العباسي» بعد أن أعاد للذاكرة العربية نقاء الحب العذري في زمن صاخب بالتحولات، لتظل قصة العباس بن الأحنف مع حبيبته فوز نموذجًا حيًا للوفاء الإنساني الأسمى، ولتبقى أبيات ديوانه شاهدةً على أن العاطفة الصادقة لا تموت بموت صاحبها، بل تتجدد في القلوب مع كل نبضة وجد وحنين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.