الظاهر بيبرس.. من الأسر إلى سلطان مهيب

لم يكن الظاهر بيبرس سلطانًا مملوكيًّا عابرًا في تاريخ الشرق الإسلامي فحسب، بل كان علامة فارقة في صراع الحضارات ومواجهة الغزو المغولي والصليبي، وُلد عبدًا وخُطف من موطنه طفلًا، ثم صعد عبر سلم المجد ليصبح أحد أعظم القادة الذين أنقذوا العالم الإسلامي في لحظاته الحرجة، في هذا المقال، نقترب من مراحل نشأته، وأهم إنجازاته العسكرية والسياسية، ونتأمل في ظروف وفاته الغامضة، وكيف استطاع الظاهر بيبرس أن يخوض هذه الرحلة الطويلة، وأن يصل إلى هذه المكانة الرفيعة؟ ونحلل إرثه الذي لا يزال حيًا حتى اليوم في كتب التاريخ.

هذا الفتى الصغير الذي أسره المغول في وسط آسيا، استطاع أن يصبح أبرز فرسان الملك الصالح نجم الدين أيوب، ولم يكتفِ بأن يصبح أميرًا وقائدًا للجيش، وإنما قاد مؤامرة لقتل السلطان قطز، ليصبح بعد ذلك سلطانًا على مصر، ويحيي الخلافة العباسية في القاهرة، ويعيش مدة حكم هي الأطول بين سلاطين الدولة المملوكية.

الظاهر بيبرس: المولد والنشأة

وُلد ركن الدين بيبرس البندقداري في وسط آسيا، وبالتحديد في أرض «القبجاق» التي يُطلق عليها الآن «أوزبكستان»، ورغم أن تاريخ ميلاده غير معلوم بالتحديد، فإن معظم المراجع تتحدث عن ولادته في حدود عام 625 هجرية، وتم أسره وهو طفل صغير ضمن الحملات التي كان يقوم بها المغول على مناطق وسط آسيا، وتم بيعه وشراؤه مرات عدة حتى وصل في النهاية إلى أن يكون ضمن ملكية الملك الصالح نجم الدين أيوب في عام 647 هجرية.

عاش الظاهر بيبرس ضمن المماليك البحرية المملوكة للملك الصالح الذين كانوا يسكنون على شاطئ النيل، وتلقى بينهم المعارف والعلوم الشرعية وعلوم اللغة، إضافة إلى الخبرات الإدارية والعسكرية التي كان يتلقاها المماليك، وذلك لأنهم كانوا يُهَيَّؤون ليستعين بهم الحكام والسلاطين في ذلك العصر.

نشأة الظاهر بيبرس

تألَّق الظاهر بيبرس في مجالات عدة، من بينها الفروسية ومجالات الإدارة العسكرية، وهو ما جعله يلفت انتباه السلطان الذي رقَّاه إلى رتبة «أمير» بعد أن أعتقه وقرَّبه إليه، فكان مخلصًا له بطريقة لافتة، لا سيما بعد ما تعرَّض نجم الدين أيوب لعدد من الصراعات مع الأيوبيين، ولم يبقَ حوله من المخلصين إلا بعض قادته، ومنهم الظاهر بيبرس الذي كان يتحلَّى بالشجاعة والإقدام والإخلاص الشديد لسيده.

الظاهر بيبرس القائد السياسي والعسكري

بدأت الحياة السياسية والعسكرية المزدهرة للظاهر بيبرس عندما زحف المغول على مصر، فقبلها، كان الظاهر بيبرس قد فرَّ إلى بلاد الشام بعد مقتل «فارس الدين أقطاي» زعيم المماليك البحرية، من قبل الملك «المعز عز الدين أيبك» الذي سارع بالتخلُّص من عدد كبير من المماليك الذين كانوا يتبعون فارس الدين أقطاي، وهو ما جعل الظاهر بيبرس يلجأ إلى الشام، لكنه أرسل إلى سيف الدين قطز يطلب منه الأمان والعودة إلى مصر لمواجهة المغول، وهو ما حدث فعلًا، فقد عفا عنه قطز، ووضعه في مكانة عالية، وأنزله في دار الوزارة.

كانت السمعة العسكرية القوية التي اكتسبها الظاهر بيبرس من معركة المنصورة، والخطة التي وضعها لاستدراج الصليبيين، سببًا في محبة سيف الدين قطز وتقديره للظاهر بيبرس، لا سيما مع زحف المغول على العالم الإسلامي، ووصولهم إلى أعتاب مصر، وهو ما جعل الملك المظفّر قطز يُعيِّن الظاهر بيبرس قائدًا للجيش.

الظاهر بيبرس قائد الجيش

وفعلًا استمع قطز لنصائح الظاهر بيبرس الخاصة بقتل رسل هولاكو، قائد التتار، وكان السبب وراء هذه النصيحة هو قطع الطريق على كل أمراء المماليك الذين يرغبون في تسليم البلاد للمغول، فلا يبقى أمامهم سوى القتال. ثم إن الظاهر بيبرس كان له تأثير كبير في معركة «عين جالوت» التي التقى فيها الجيش المصري مع جيش المغول، فكان في مقدمة الجيش عند الهجوم الأول، إضافة إلى ملاحقته لفلول المغول إلى منطقة حمص في بلاد الشام، وهو ما كان له الأثر الكبير في دخول بلاد الشام تحت راية دولة المماليك.

الظاهر بيبرس سلطانًا على مصر

عند الحديث عن تولي الظاهر بيبرس لحكم مصر، يجب أن نوضح أن تلك المدة من حكم المماليك كانت مملوءة بالمؤامرات والنزاعات، وكانت فكرة الغدر والقتل رائجة، كما كان المنتصر دائمًا هو من يحصل على كل شيء؛ لذا فإن انتصار المماليك على جيش المغول، وانطواء بلاد الشام تحت راية الحكم المصري، فتح بابًا جديدًا من الصراع على الحكم، فقتل الظاهر بيبرس الملك المظفر سيف الدين قطز سريعًا ليتولى حكم مصر، وهي الحادثة التي تحدثت عنها كتب التاريخ كثيرًا.

وكان للمؤرخين آراء مختلفة في مشاركة بيبرس في قتل قطز، إذ تحدَّث بعضهم عن العداوة القديمة التي كانت بين المماليك «المعزية» والمماليك «البحرية»، في حين تحدَّث آخرون عن براءة بيبرس من دم قطز أو في الأقل اضطراره إلى هذا الاغتيال، لكن النتيجة واحدة، فقد قُتل السلطان المنتصر الذي خاض المعركة وأوقف غزو المغول ووحَّد الجبهة، في حين حصل القاتل على كل المكاسب وأصبح سلطانًا على البلاد.

الظاهر بيبرس سلطان مصر

وصلت طلائع الجيش المنتصر إلى منطقة «الصالحية»، وهي المدينة التي بناها السلطان الصالح أيوب، وعندما سألهم نائب السلطنة عن السلطان المظفر قطز، وقف الظاهر بيبرس وأشار إلى نفسه في فخر شديد، معترفًا بقتل السلطان، ومطالبًا بعرش السلطنة.

واستدعى الأمراء وقادة الجنود من أجل أداء اليمين للسلطان الجديد في اليوم نفسه الذي قُتل فيه السلطان السابق، ثم اتجه إلى القاهرة للحصول على المبايعة، ولقب بالظاهر بيبرس.

لم تكن الأمور سهلة في بداية عهد الظاهر بيبرس في حكم مصر، نظرًا لوجود عدد كبير من الأمراء والمماليك الموالين للسلطان قطز، إضافة إلى جهود الأيوبيين في بلاد الشام لاستعادة السلطة، ثم إن هجمات المغول ما زالت تمثل قلقًا على البلاد الإسلامية، وهي الأمور التي كان على السلطان الظاهر بيبرس أن يتعامل معها سريعًا إذا أراد أن يثبت حكمه وسلطانه على البلاد.

أعمال الظاهر بيبرس في حكم مصر

أهم الأعمال التي قام بها الظاهر بيبرس بعد تولِّيه حكم مصر، هو إلغاء الضرائب التي فرضها السلطان سيف الدين قطز بسبب الحرب، وهو القرار الذي حصل به على تأييد شعبي كبير، واستمال السلطان الظاهر بيبرس بعض الأمراء وقادة الجيش بالهدايا، لكي يؤمّن البطانة التي تحيط به ولا يحدث معه مثلما حدث مع من قبله.

إنجازات بيبرس في حكم مصر

سارع السلطان الظاهر بيبرس إلى القضاء على الضربات بواسطة حملة عسكرية إلى بلاد الشام من أجل السيطرة على دمشق وحلب، إضافة إلى القضاء على ثورة «الكوراني» أحد الفاطميين الذين كانوا يطالبون بعودة الحكم الفاطمي، إذ قبض الظاهر بيبرس عليه وأعدمه.

أما الحدث الأهم على المستوى السياسي في أعمال الظاهر بيبرس، فهو إحياؤه للخلافة العباسية ونقل مقرها إلى القاهرة، وهو ما أعطاه السلطة الشرعية والرسمية وسمح له بالسيطرة على الأراضي المقدسة.

واستمرت حروبه مع المغول سنوات عدة، حتى بعد تحالفهم مع سلاجقة الروم، إذ حقق الظاهر بيبرس انتصارات متتالية عليهم حتى موقعة «الأبلستين» عام 675 هجرية، ومن بعدها دخل إلى مدينة «قيصرية» عاصمة ملكهم، لتكون آخر فتوحاته.

من ناحية أخرى فإن حروب ومناوشات الظاهر بيبرس مع الصليبيين لم تتوقف على مدار 17 عامًا هي مدة حكمه، وعلى طول الساحل الشامي، إذ استطاع الظاهر بيبرس استرداد عدد من الحصون والمدن والممالك والإمارات، وعلى رأسها إمارة «أنطاكية» عاصمة الحملة الصليبية الثانية، إضافة إلى سيطرته على قلعة «الحصن» أكبر القلاع الصليبية في طرابلس، وكذلك دخوله إلى مدينة جبلة ومدينة اللاذقية ومدينة يافا ومدينة حيفا، وهو ما يعبر عن القوة العسكرية للمماليك تحت قيادة السلطان الظاهر بيبرس.

وعلى مستوى السياسة الداخلية، فكان الظاهر بيبرس حاكمًا رشيدًا محبوبًا بين الناس، فكان أول من نظر في مظالم الناس من بين سلاطين المماليك، وهو من أمر بإنشاء «دار العدل» التي استخدمها للفصل في القضايا بمساعدة العلماء والقضاة.

وكذلك فقد اهتم الظاهر بيبرس بالاقتصاد والأمن اهتمامًا كبيرًا، وحرص على تمهيد الطرق وبناء الجسور والخانات، وله عدد من المشروعات الزراعية الكبيرة، واهتم كثيرًا بإنشاء البساتين التي أصبحت تنافس بساتين الشام في جودة إنتاجها.

يُذكر أيضًا للظاهر بيبرس أنه في أوقات الغلاء فرض على الأغنياء إطعام الفقراء ومنحهم العطايا، حتى قال عنه النويري: كان ملكًا جليلًا، شجاعًا، مهيبًا، حسن السياسة، كثير التحيل، وكان متنبّهًا، شهمًا، لا يفتر ليلًا ولا نهارًا عن مناجزة الأعداء ونصرة الإسلام، وكان مقتصدًا في ملبسه ومطعمه، وكذلك في جيشه».

وفاة الظاهر بيبرس

مكث الظاهر بيبرس سلطانًا على مصر وبلاد الشام والجزيرة والحجاز واليمن والنوبة وبعض أجزاء آسيا الصغرى مدة 17 عامًا، ليصبح الظاهر بيبرس بذلك أطول حكام المماليك عمرًا على عرش البلاد، إضافة لكونه أكثرهم إنجازًا في النواحي الاقتصادية والعسكرية.

وبعد أن عاد السلطان الظاهر بيبرس من حملته على دولة السلاجقة الروم، وانتصاره في معركة «الأبلستين»، ساءت حالته الصحية بعد أن تعرَّض لوعكة، وزادت حرارته، وأُصيب بإسهال ونزيف، وظلَّت أحواله تسوء حتى توفي يوم الخميس 28 محرم عام 676 هجرية، الموافق 1277 ميلادية.

وعلى الرغم من أن الروايات التي خرجت من القصر السلطاني تتحدث عن موته بسبب الوعكة الصحية، فإن بعض المؤرخين قد تحدث أيضًا عن تعرُّضه للتسمم، وهي النظرية التي لا يمكن استبعادها أبدًا لأسباب عدة: أولها أن هذا العصر كان يتسم بالغدر والخيانة، وكانت الأجواء السياسية لا تخلو أبدًا من الاغتيالات للوصول إلى السلطة، والأمر الآخر أن الظاهر بيبرس قد جاء إلى الحكم عن طريق الاغتيال، فليس غريبًا أن يموت مسمومًا.

ودُفن الظاهر بيبرس في دمشق، وبنيت المدرسة الظاهرية على ضريحه لتحمل لقبه، وتشهد على السلطان الذي تعرّض للأسر والخطف وهو طفل صغير، وعاش سنوات في العبودية قبل أن يصبح قائدًا للجيش وسلطانًا على الدولة المملوكية أكثر من 17 عامًا.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة سريعة في حياة الظاهر بيبرس، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعمّ الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.