تُعد الكتابة حجر الزاوية في صرح الحضارة الإنسانية، فهي الأداة التي حفظت لنا العلوم والتاريخ والآداب. ولكن، هل هذا الصرح المنيع قادر على احتواء كل تفاصيل لغاتنا؟ يكشف هذا المقال عن قصور الكتابة الجوهري، ويغوص في الفجوة العميقة بين الحرف المكتوب والنغم المنطوق، متسائلًا: كيف يمكننا توثيق (رنّة) اللهجات التي تمثل بصمة صوتية لهويتنا التي تعجز الأبجدية عن تدوينها؟ إنها دعوة لاستكشاف حدود القلم وأسرار الكنوز الشفهية.
عندما تخون الحروف الأصوات: معضلة تدوين اللهجات
صحيح أن تخيل الحياة بلا كتابة -أي كتابة- كانت هي صعبة نوعًا ما، أو قل مستحيلة، ولكن حتى هذه الظاهرة الحضارية الأولى والأهم في حياة الإنسان على كرة الأرض قد تعتريها المشكلات والتحديات الصعبة التي تخرجها من حيز الأهمية إلى العجز التام.
قبل أن أوضح هذا يجب عليّ إيراد أمثلة في قالب أسئلة:
رنّة اللهجة: هل يمكن للكلمات أن تصفها حقًا؟
هل يمكن لأديب أو لغوي أو عارف بلهجات العرب مثلًا أن يصف لنا (بالكتابة) الطريقة التي يلهج بها المصريون أواخر حروف كلماتهم؟ أو الكويتيون والخليجيون بصورة عامة؟ هل تعرفون رنة صوت لهجتهم في أثناء التكلم؟ تلك التي لا يملكها العراقي ولا السعودي ولا غيره مثلًا، حتى صار الفرق واضحًا في اللهجات والفرق بينهما حتى على مستوى مصر، فالمداوم على مشاهدة الأفلام المصرية يمكنه أن يميز بين لهجة الصعايدة وغيرهم من المصريين.
ولست أعني طبعًا طريقة نطق الجيم والقاف، بل الرنة التي تصدر منهم في كل جملة ينطقونها، وهو ما يُعرف في علم اللسانيات بالتنغيم، أي موسيقى الكلام وإيقاعه ونبرته التي تحمل جزءًا كبيرًا من المعنى والشعور، ومع أن هذه التي أتكلم عنها يمكن تقليدها وبسهولة تامة، ولكن التعبير عنها بالكلمات قد يكون صعبًا أو غير ممكن أساسًا.
من (مجراها) في القرآن إلى لهجة لبنان: ظاهرة الإمالة نموذجًا
وأما الفرق بين لهجة اللبنانيين وبين بقية أقرانهم من بلاد الشام -في نطق الألف خصوصًا- فتلك يعرفها علماء التجويد والقراءة العربية. فهذه ظاهرة إمالة الألف وموجودة في القرآن في آية واحدة، إذا كان بمقدوركم الاستماع إلى قوله تعالى كيف يتلوها القراء: "بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا"، وهي ظاهرة صوتية دقيقة يدرسها علم الأصوات. هكذا فقط يمكننا كتابة هذه الكلمة أعني "مجريها" هنا بالخصوص؛ لأن الذي يقرره أهل التجويد والقراءة القرآنية هي إمالة هذه الألف كما أحلتكم إلى استماع القراءات المسجلة كيف تكون. ونرى في أغلب الخطوط القرآنية علامة فوق هذه الياء تبيّن الإمالة في قراءة حفص الكوفيّ في الأقل.
تصحيح تاريخي: الكتابة والشعر في العصر الجاهلي
وأما إذا سألتني كيف أمكن تسجيل العرب لشعرهم ومعلقاتهم في العصر العباسي بعدما كانت شفوية، وهل أهمل منها شيئًا كما قررنا لأنه استعصى على ناسخها تسجيل طريقة نطقها ورأى أن عرب الشمال أو الشرق مثلًا لن يعرفوا نطقها فلم التسجيل أساسًا؟
والإجابة عن هذه الشبهة سهلة لمن قرأ في تاريخ العرب فيما قبل الإسلام، فسيقف بكل تأكيد على هذه المعلومة وهي (أن العرب مذ يومها عرفت الكتابة بأشكالها وألوانها المختلفة إلى جانب علمها بالشعر وطرق البيان المختلفة كالخطابة وإبداعهم فيها، فالشعر العربي ولد والكتابة موجودة حقًا فقد دونت وتناقلها قومها، لا ما يشيع أنها كانت في العصر العباسي بل كانت لأبعد من ذلك قبل).
وتدعم هذا الرأي اكتشافات أثرية حاسمة، فقد أشارت دراسة في موقع King Saud University إلى أن النقوش العربية تمتد إلى ما هو أبعد من القرن الرابع الميلادي، مثل نقش النمارة الشهير الذي يعد شاهدًا على نضج الكتابة العربية قبل الإسلام بقرون.
والعرب الذين عاشوا في الزمن القريب من القرنين قبل الإسلام وهو المسمى بالجاهلية دون تاريخهم الممتد لثلاثة آلاف عام منذ جدهم إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- لم يكتبوا على الجدران في المعابد والزقورات والمقابر ولا على الصخور ولا الألواح الطينية التي تجفف كغيرهم من الأمم، بل استعملوا الورق وإلى جانبه الجلود التي مصدرها كان حيوانيًا ونباتيًا مما كانوا يصنعون. وهذه معلومة أخرى مهمة وهذه هي مصادر العرب الكتابية الأولى، ولكن الظاهر أن كل هذه الخطب والرسائل والأشعار قد عفا عنها الدهرُ، ونسخ القرآن الكريم الأولى هي الباقية كونها أول نسخ عربية نراها تاريخيًا.
مستقبل اللهجات: هل تنقذها التكنولوجيا مما عجز عنه القلم؟
الغرض من هذا كله التنبيه على أن كثيرًا من الظواهر اللسانية واللغوية هي تكون شفهية بالخصوص لا كتابية، فبدون استماعها لا يمكنك التعرف عليها. وتصور إذا جئنا بعد تقريبًا مئة عام أخرى وقرأ أحدهم المقال وقد تغيرت لهجة عرب الكويت ومصر فهل سيعرف قصدي؟ بلا شك، لا، إلّا إذا شاهد مسلسلًا أو فيلمًا نطق بهذه اللهجات، ونحن في القرن الحادي والعشرين واللغة ما تزال تتطور واللهجات معها.
في الختام، يتضح أن الاعتراف بقصور الكتابة ليس انتقاصًا من عظمتها، بل هو تقدير لثراء اللغة الشفهية التي تحمل في طياتها هوية ثقافية لا يمكن اختزالها في رموز. وبينما تعجز الحروف عن وصف "رنة" اللهجات، تفتح لنا التكنولوجيا السمعية والبصرية اليوم آفاقًا جديدة لحفظ هذا الإرث من الاندثار. إن المستقبل يكمن في تكامل الكلمة المكتوبة مع الصوت المسجل، لنضمن أن الأجيال القادمة لن تقرأ تاريخنا فحسب، بل ستسمعه أيضًا بكل أبعاده ونغماته الحية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.