الطفل والمهارة اللغوية

تعتبر الدّراسات العلميّة أن القاموس اللغويّ للأطفال يتشكّل منذ العام الأول، ويتعزّز تملكه للمفردات في السنة الثانية، حيث بإمكانه أن يستخدم أكثر من ثلاثين كلمة مكونًا بواسطتها جملًا بسيطة، مستخدمًا الأسماء أكثر من الأفعال. ويحتاج الجهاز اللغوي عند الطفل إلى الاستثارة والتدريب من خلال المحادثة والمخاطبة من طرف الأولياء حتى أنه قد ينمو على نحو سريع تتشكل لديه في نهاية السنة السادسة من عمره أكثر من 2500 كلمة.

ومن ثم تأتي أهمية المرور بالقصص، والحكي، والقراءة، في تنمية الخيال لديه وربط الرموز بمسمياتها، وتعلم اللغة ومعانيها. وقد يتكفّل الأدب بحلّ الإشكالات اللغوية من خلال معرفة ما يناسب الطفل من قصص. فلكلّ فترة عمرية نوعًا منها. فهو في انفتاحه على بيئته العربية قد يحتاج إلى قصص تتناول عناصر من هذه البيئة المحيطة به لا تخضع للمنطق العقلي البشري، كأن يتكلم مع الجماد أو يتخاطب مع الحيوان وغيره. ولكن الطفل كلّما ازداد عمره اشتد اهتمامه بالحكايات والقصص التي يرويها الكبار، وأصبح يميل إلى التفاصيل الدقيقة للأشياء داخل هذه القصص حد المبالغة.

وهو يفتقد إلى الربط بين الرمز والمعنى؛ نظرًا لافتقاده الخبرات الكافية، وللصورة العقلية للمدلول والدال، ثم إن العلاقة بين مكوّنات اللغة على اختلافها يتطلّب في تعليم الطفل وتنمية اكتسابه للغة التشويق، والانطلاق من الملموس إلى المجرّد، وهو ما يمكن تقديمه عبر القصص والحكايات التي تتعلق بالحيوانات. ففي هذه القصص يستكشف القيم الجمالية في تناقضاتها فيميّز بين الجميل والقبيح، ويتذوق انطلاقًا من اللغة الواصفة مشاعر الفرح والانبساط، أو الحزن والأسى. فاللغة هي المدخل الأساسي لدعم تملك الطفل المفردات والمعاني، وهي الأداة الأساسية للتفكير والتواصل ومعرفة نفسه والآخرين على نحو صحيح، وهي في المحصلة لغة حياة ومجتمع.

ولما كانت اللغة العربية كما يصفها الجاحظ لغة بيان و"مطابقة الكلام لمقتضى الحال" [1] فهي بالضرورة تتضمّن بدائل يكتسبها القارئ الطفل من خلال الشخصيات القصصية وأبطال الحكايات التي يطالعها؛ فهذه المعايشة المستمرة للغة تمكنه من تمثل المعاني المختلفة وتذوقها، كما أنها تساهم في منح الطفل الاستقرار النفسي، حيث يكتشف عوالم أرحب وخيالًا شاسعًا يسافر عبره إلى الآفاق البعيدة.

ويمكن للمدرّس أن يعزّز تملك منظوريه للغة العربية كلغة أمّ من خلال حسن اختياره لقصص المطالعة، التي من أبرز خصائصها أن تكون مثيرة للانتباه، تخلق الحيرة لدى الطفل، وتجبره على استخدام معارفه السابقة لفهمها.

ولعلّ في هذه الكتابات من الغموض والتورية والكلمات المجازية ما يضفي على المعاني التباسًا تثير ذهنية المتلقي للنص، وخاصّة ذلك القارئ المبتدئ، فتربكه وتحير باله وتشتت أفكاره، ولئن بدا تحديد المعنى أمرًا بالنسبة إليه على جانب كبير من الصعوبة؛ فإن هذه الصعوبة في إدراك المعنى مردّه انصراف اللغة إلى معاني خفية تجلت خاصة من خلال الكتابات التي تكلم فيها الإنسان على لسان الحيوان وهو تقليد درج الكتاب قديما وحديثا على توظيفه لغايات تختلف من أثر إلى آخر. وكان في الأمر حنين إلى تلك الأسطورة، التي تقول "أن كل شيء كان يتكلم من شجر وحجر وحيوانات، لكنه عندما نطق الإنسان خرس الكل، وبقي وحده إلى الآن يتكلم.

"ولما كانت الحاجة للإخفاء حاجة متأكدة؛ فإن هذا القارئ المبتدئ ولا سيما إذا كان طفلًا لا يمكن له في أغلب الأحيان فك رموز ومعاني الكلمات، فيسعى بكل قوّة إلى فهم ما يقرؤه بربط المعاني ببعضها البعض، وقد يسأل عن سر وجود هذه الكلمات في سياق الجملة والنص.

فعند تمعنه متون هذه القصص يتبيّن للطفل بأنها حبلى بالمعاني الحقيقية، التي هي أصل اللغة وبمعاني مجازية لا يمكن الاستغناء عنها في التأويل والتعبير. ولا يمكن له أن يكشف عن تفاصيل هذه الأخيرة دون المرور بفهم المفردات والتراكيب وبيان المعنى الحقيقي للكلمات، ثم شرح المعنى المجازي الذي يشير إليه هذا اللفظ أو ذاك، وقد أسس المجاز لدور جديد في اكتساب اللغة وتملكها لدى الطفل المتعلم، وطرح جملة من الأسئلة، لعلّ أبرزها كيف يمتلك الذهن الطفولي هذه المعرفة المجازية، وكيف يطوّرها، هل يبحث عنها في علاقة بذاته فحسب، أم يكتسبها من خلال المحيط، وكيف يحتفظ بالمعلومة في الذاكرة ويستعملها عند الحاجة.

ولاعتبار أن لكلّ طفل تكوين نفسي فريد وخاصّ به؛ فإن ذلك ينتج عنه فهم خاصّ لهذه الكلمات وفق إيحاءات وضلال من المعاني خاصّة به، وهو ما أشار إليه "هرمان بول" عندما ذكر "إن كل خلق لغوي أو كل إعادة للخلق اللغوي هو من عمل الفرد ."[2] لكن الطفل لا ينتبه كثيرًا إلى المعنى المجازي في اللغة نظرًا لطبيعته النمائية التي تجعل منه لا يميّز بين الوظائف المختلفة للحيوان والجماد والنبات، فهو يقبل بهذه الاستعمالات المجازية كما هي، لكنه مع تواتر هذه العبارات وتنوع سياقاتها قد يتساءل عن معناها والهدف من استعمالها.

وقد يخلص إلى أن هذه العبارات المجازية وسيلة للتعبير عن الاتساع في اللغة من خلال العلاقات اللغوية المبتكرة فيبرز المعنى متجددًا في دلالة اللفظ الواحد، ويتدرّب الطفل على استعمال هذا اللفظ في معانيه المختلفة ينمي من خلالها لغته العربية.

ففي قصص الحيوان مثلًا تتقاطع المعاني وتتواتر لتنكشف صورة الواقع الحيواني ملتبسًا بالواقع البشري. فهي حكايات قصيرة من الأساطير على ألسنة الحيوانات وذات مغزىً إرشادي للأطفال، نظرًا لأنها مليئة بالعبر، وبقيم العطف، وحب الصديق، والتمييز بين الخير والشر.

يجد الطفل في هذه القصص المختلفة ترجمة لنشاط إنساني شخصياتها وأبطالها حيوانات تتحاور وتتآلف طورًا، وتتنافس، وتتقاتل طورًا آخر، لينتهي به الأمر إلى تمثل معاني مختلفة تتعلق بقيم إنسانية تحملها اللغة بين طياتها على لسان الحيوان. إذ إن المغزى الخلقي وغيره من القيم الإنسانية هو الأساس الذي تبنى عليه هذه القصص وتشمل قيم ذاتية وأخرى اجتماعية حميدة كالصدق، والصبر، والعلم، والتعاون، وقيم مذمومة تدعو هذه القصص إلى التخلي عنها وتجنبها كالكذب، والبخل، والتسلط، والتكبر، والطمع، والأنانية، وغير ذلك.

ويمكن لهذه القصص أن تكون وسيلة من وسائل الترفيه والتعليم وغرس القيم الأخلاقية، التي تترسخ لدى الناشئة عبر المحاكاة التي تبسَط المفاهيم المجرّدة، وتعطي إحساسًا لدى الأطفال بالواقع ممّا يحفزهم على المشاركة وتمثل الأحداث المجردة. وأسلوب سرد القصص يجعل الأفكار النظرية تعيش وتظل على قيد الحياة.

ولعلّ ما يلفت النظر في هذه القصص أنها ارتبطت بالسياسة، حيث كان يسود الظلم والاستبداد والقهر، وكان حينها التصريح سبباً في إثارة غضب الملوك وحنقهم، وكان كتابها من المستضعفين المقهورين.

وكانت تنطوي على مغزى رمزي ظاهرها لهو، وباطنها حكمة، مضمونها يتمثل في تحقيق الغاية، التي يرمي إليها كاتبها.

فالشخصيات الحيوانية في الحقيقة ليست إلّا وسيلة فنية لنقد الواقع الفكري، والأخلاقي، والسياسي، من خلال نقد بعض العادات، والتقاليد، أو تأكيد قيم معينة، أو كشف سلوك ما.

غير أنه كثيراً من هذه القصص إنّما وضع للتسلية والإمتاع وللموعظة الأخلاقية المجرّدة، أو لهدف تربويّ تعليميّ لا علاقة له بالسياسة، ومن ذلك قصّة الأسد الملك المتعجّل المفتقر للمعرفة والحكمة والمحتكم لسلطة الجسد حسب منطق القوّة دون قوّة المنطق، الثور: هو خادم الملك تابع معدوم الشخصية مُسْتغّلْ، ابن آوى: وهو رمز المكر والخديعة عقله يعمل بالشر لا بالخير ويجيد تقمص الناسك في خدمة الحاكم. وتتكرّر الرموز مع بقية القصص الأخرى كقصص المحتال والمغفل، طائر البحر، الناسّكْ وابن آوى، الحمامةُ المطوقةُ، السمكات الثلاثة، القرد والنجار وغيرها.

يبنى هيكل القصّة من موقف مبدئي وصراع، ثم عقدة، فذروة للأحداث، ثم تشويق يعقبه حل الإشكال. وهي مراحل يتخللها توقف لجذب اهتمام المتعلمين عبر تخيُّل نهاية القصّة، ومن خلال ذلك يتمكّن التلاميذ من مهارة حلّ المشكلات، والتفكير المجرّد.

إن قصص الحيوان توفّر للمتلقي الطفل فسحة رحبة للتأويل وفقاً لآفاق توقعاته أو دائرة اهتماماته المختلفة. ففي متنها نرى‏ العالم الإنسانيّ ساطعًا وبوضوح خلف عالم الحيوان المبتعد ظاهريًا، لكنه لصيق الصلة بالإنسان.

ففي قصّة الأرنب والأسد كان هذا الأخير حيوانًا جائرًا متملكًا لمرعى الغابة ومائها، وهو ما دعا حيوانات الغابة إلى إرسال حيوان كل يوم إليه ليأمنوا شره، وقد أصابت القرعة الأرنب التي بدأت تفكر في حيلة للتخلص من الأسد، وقد دبرت له مكيدة نجحت من خلالها إلى استدراجه نحو بئر لتنجح في القضاء عليه باستعمال الحيلة والعقل.

فالقوّة الحقيقيّة تكمن في العقل، وليست في العضلات، فعند قراءة الطفل للقصّة يتفاعل تفاعلًا نشطًا مع النص، ويتم ذلك عن طريق تأليف وتوظيف الخلفية المعرفية في المعلومات الواردة فيه محاولًا إيجاد حلولًا للتساؤلات التي تظهر له أثناء القراءة، ويتخيّل الأحداث، وهو ما له أثر كبير على تنمية الذكاء لديه.

أمّا في قصّة الغراب والثعلب فتنفتح المعاني عن قاموسين متناقضين لكلّ من الغراب والثعلب، يكتشف القارئ الطفل مفردات تتعلق بالمكر تعبّر عنها كلمات متفرقة في المتن مثل كلمات -الدهاء -الخبث –الحاد وفي المقابل يطالع أوصافًا تعبر عن الطيبة وعن جمال المكان مثل كلمات مليئة بالزهور -تغرّد الطيور- جو جميل -صوت عذب -كريم ..إلخ وهي مفردات تنتمي لقاموس ومعنى واحد يدركه الطفل من خلال ألفاظ متنوعة تثري زاده اللغويّ وتفتح أمامه المجال للمقارنة والتوسُّع في استثمار الكلمات لمعانٍ جديدة.

وتميل قصّة ليلى والذئب إلى الإغراب في المعنى، حيث يتحوّل الذئب إلى عجوز يحاول بشتّى الطرق أن يأكل ليلى، لكنه يفشل في النهاية لأن ليلى تهرب، وتطلب النجدة من الحطّاب الذي يقتله، ويخرج الجدة من بطنه حية... المعنى المجازي في هذه القصّة تتعلق بالشخصيات، حيث مثل الذئب حاملًا لرموز عديدة، وهو انزياح بالمعنى إلى مقامات تتغيّر من خلالها الشخصية بتغيّر المكان والزمان، فهو في الغابة لطيف صديق، وهو في بيت الجدة مفترس عدو قاتل، هذا التحوّل في المعاني يطرح على القارئ الطفل إمكانيات للفهم المكثّف للأحداث من خلال المفارقة التي تحكم سلوك الذئب.

الحيوان ،ج 1 – ص 201 الجاحظ [1]

[2] Hermann Paul

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب