الطفل مُهان (1).. حقوق الطفل الضائعة في الحروب والنزاعات المسلحة

مع ادعاءات الغرب والمجتمع الدولي باحترام مواثيق حقوق الإنسان عامة وحقوق الطفل خاصة؛ فإن الانتهاكات متواصلة، لا سيما في منطقتنا العربية التي تشهد حروبًا وصراعات مسلحة منذ أكثر من عقدين من الزمان، كان ولا يزال ضحيتها الإنسان عمومًا، والطفل بوجه خاص.

في ظل هذه الأوضاع الملتهبة في المنطقة العربية منذ بداية الألفية الجديدة على وجه التحديد، بدءًا من الاحتلال الأمريكي للعراق، مرورًا بالثورات التي اندلعت في المنطقة العربية منذ عام 2011، يُعد الأطفال من أكثر الفئات تضررًا، فقد تحولت براءة الطفولة إلى معاناة تتجاوز تصور العقل حتى الخيال.

هذه الفئة -الأطفال- التي يُفترض أن تنعم بالأمن والأمان، تكشف صورهم كل لحظة في مناطق النزاعات المسلحة والحروب عن عيون تكتسي بعباءة الحزن والخوف والألم، لتذكرنا بأن هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام في تقارير الإحصائيات، بل هم أرواح تحمل أحلامًا وآمالًا سلبت منهم رغمًا عنهم.

اقرأ أيضًا: ماهيَّة حقوق الإنسان

من الطفل؟

تنص المادة الأولى من "اتفاقية حقوق الطفل" التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر عام 1989م، على أنه "لأغراض هذه الاتفاقية يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ قبل ذلك بموجب القانون المطبق عليه".

وتتكون الاتفاقية من ديباجة و(54) مادة، تناولت مختلف حقوق الطفل، وعرَّفت الطفل بأنه كل من لم يبلغ (18 سنة)، وجاءت أيضًا بأربعة مبادئ أساسية لإعمال حقوقه.

والحقيقة أن تحديد سن الطفولة على وجه الخصوص يواجه تباينات شتى بين الدول والتشريعات الوضعية، تتراوح ما بين سن الثامنة عشرة وسن الحادية والعشرين.

ومن أهم المحاور الأساسية التي جاءت بها هذه الاتفاقية -اتفاقية حقوق الطفل- حماية الطفل من أي شكل من أشكال التمييز في المعاملة، وحماية خصوصية الطفل، ومسؤولية الوالدين بخصوص تربية الأبناء، والحماية من إساءة المعاملة والإهمال، وحماية الطفل اللاجئ والمعاق، وتوفير الخدمات الصحية، وتوفير الضمان الاجتماعي للطفل وحقه في التعليم، وحقه في الحماية من التعذيب والحرمان، والحماية في أثناء النزاعات المسلحة.

ولكون الطفل في هذه المرحلة الدقيقة من عمره ضعيفًا، فهو بحاجة إلى مَن يرعاه، فكانت الحاجة إلى صدور الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وإلزام الدول الموقعة عليها، وضمان هذه الحقوق في دساتيرها، لكيلا  تُنتهك حقوقه قبل وصوله السن القانونية التي يمكن عندها التعامل معه بصفته إنسانًا راشدًا بالغًا.

اقرأ أيضًا: يوم الطفل للاحتفال بالطفولة والدفاع عن حقوق الطفل

أين حقوق الطفل؟

لطالما كانت حقوق الإنسان عامة، والطفل خاصة، مطلبًا إنسانيًّا اتفق عليه المعتدلون والمتطرفون، وتمسَّك بها الحكماء والمصلحون، فكانت مقياسًا للحضارة، وأساسًا لكل تقدم اجتماعي وحضاري.

لقد شغلت قضية حقوق الإنسان، اهتمامًا كبيرًا عبر مختلف الثقافات والحضارات، وظهرت الحماية الدولية لها منذ العصور القديمة، قبل أن تتطور وتتحول من مجرد مبادئ فكرية ومثالية إلى قواعد قانونية ملزمة، حتى صدور ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م الذي عدَّ أن حقوق الإنسان مقدسة، ولا يجب المساس بها.

حقوق الطفل لا تنفصل عن حقوق الإنسان، بل هي جزء أصيل منها، والطفل لا يعدو أن يكون إنسانًا، لذلك حظيت حقوقه باهتمام المجتمع الدولي، تبلورت في اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1989م.

ويمكن القول إن هذه الاتفاقية هي المعاهدة الدولية الأولى التي تنص على مجمعة كاملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للطفل. وتشمل الاتفاقية التي تعدُّ ملزمة لكل الدول الموقعة عليها، جملة من القواعد والمعايير المعترف بها عالميًّا، والمتعلقة بحماية وتعزيز حقوق الطفل في كل مكان وفي جميع الأوقات.

اقرأ أيضًا: حقوق الطفل ودور المجتمع في الدفاع عنها

واقع مرير لأطفال منطقتنا العربية

بالنظر إلى واقع الأطفال في منطقتنا العربية التي تعج بالحروب والصراعات المسلحة، لا يمكن لعين أن تخطئ حجم المأساة والمعاناة، التي يعيشها أطفالنا بالمنطقة. فإن لم تكن بسبب الحروب والصراعات المسلحة، فيوجد الفقر والمجاعة والمرض والأوبئة المنتشرة التي تعصف بهم.

فالعالم العربي من بين المناطق الأكثر تأثرًا بالأزمات الإنسانية، بل وساحة لها ولتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فيواجه الأطفال تحديات هائلة تهدد حياتهم ومستقبلهم، تتجلى في تفشي الأمراض، الفقر، المجاعة، وظهور الأوبئة.

كل هذا يستدعي تضافر الجهود الإقليمية والدولية لتوفير الحماية والرعاية اللازمة لهؤلاء الأطفال، الذين هم جيل المستقبل.

اقرأ أيضًا: حقوق وواجبات الفرد في المجتمع.. تعرف إليها الآن

الصراعات المسلحة والحروب

لطالما كانت منطقتنا العربية ساحة للصراعات المسلحة بين الأقطاب الدولية، تدفع شعوبها ثمن أطماع الغرب في نهب ثرواته وخيراته وفرض هيمنته على شعوبه. والناظر إلى حال المنطقة العربية الآن يجد آثار هذه الصراعات واضحة جلية.

من العراق إلى سوريا فاليمن ولبنان مرورًا بأرض فلسطين وصولًا للسودان والصومال وغيرها من البلدان العربية التي تعاني أوضاعًا اقتصادية ومعيشية صعبة، ألقت بظلالها على الكبار والصغار معًا، فانتشرت المجاعات، والأوبئة والأمراض، والفيروسات؛ ما أدى إلى زيادة نسبة الوفيات بين الأطفال تحديدًا.

اقرأ أيضًا: حروب الإنسان ضد الإنسانية

الأوبئة والأمراض

تطالعنا الصحف ونشرات الأخبار كل يوم عن تفشي الأوبئة والأمراض في مناطق الصراعات المسلحة، حيث البنى التحتية دُمرت، فلا تعليم ولا غذاء ولا رعاية صحية، بل فقر مدقع، وانعدام تام لخدمات الرعاية الصحية، وتدهور النظام الصحي، ما يعني بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية منها وغير المعدية والأوبئة.

الأوبئة واحدة من التحديات الكبرى التي تُهدد حياة الأطفال في عاملنا العربي، فالكوليرا والحصبة من الأمراض الشائعة في بعض الدول بسبب ضعف البنية التحتية الصحية ونقص التطعيمات، ينتج عن ذلك تفشي الأوبئة التي تؤدي إلى وفاة كثير من الأطفال، وتزيد الضغط على الأنظمة الصحية المعطلة بفعل آلة القتل والدمار.

اقرأ أيضًا: حقوق الإنسان في الإسلام ج4

الفقر والمجاعة

في عالم كهذا يعج بالصراعات، لا تقتصر مأساة الأطفال، بل والشيوخ والنساء، على الرصاص والقنابل وأصوات الطائرات والمدافع، بل تمتد لتشمل المجاعات والفقر المدقع الذي يخنق صدور الملايين.

ما لم تفعله آلة الحرب والدمار، تقوم به ظروف الحياة القاسية التي تحرم الناس من أبسط حقوقهم: الحق في الحياة والكرامة، والحصول على الدواء والغذاء، والحق في التعليم والرعاية الصحية، وغيرها من الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية.

 هذه الفئة الضعيفة -الأطفال- التي لا ذنب لها سوى أنها وُلدت في بيئة مُتصدعة، تجد نفسها في مواجهة قاتلة مع الجوع والمرض.

في تصريح لها بشأن الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في قطاع غزة، تقول أديل خضر -المديرة الإقليمية لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- "إن وفيات الأطفال التي كنا نخشى وقوعها أصبحت حقيقة واقعة، في حين يجتاح سوء التغذية قطاع غزة". مضيفة: "هذه الوفيات المأساوية والمروعة هي من صنع الإنسان، ويمكن التنبؤ بها ومنعها بالكامل".

اقرأ أيضًا: الحرب لا تعرف معنى العمر

الأمراض النفسية

ليست آلة القتل والقصف والمدافع، أو الجوع والفقر والمرض، هي التي تودي بحياة الأطفال في العالم العربي، فالهلع والأمراض النفسية التي تتركها الحروب والصراعات المسلحة وانتشار الفقر والمرض والأوبئة، تصيب صحة الأطفال النفسية، فأصبحنا نسمع ونرى أطفالًا بحاجة إلى دعم نفسي كامل من أجل تجاوز تجاربهم الصعبة.

اقرأ أيضًا: ما حقوق الطفل الأساسية؟

خاتمة

إن الأطفال ضحايا الحروب والصراعات المسلحة هم مرآة إنسانية تُظهر لنا مدى هشاشة الحياة التي نحياها، ومدى أهمية تحرك المعنيين في المجتمع الدولي من أجل تحقيق السلام ووقف الحروب، وإن كان ولا بد فيجب حماية براءة الأطفال وحفظ حقوقهم، والنظر إليهم بصفتهم أمل المستقبل، وليس ضحايا الماضي.

أطفال المنطقة العربية يستحقون حياة كريمة خالية من الأمراض والفقر والمجاعة والأمراض النفسية. إن تضافر الجهود بين الحكومات والمنظمات والمجتمعات المحلية منها والإقليمية والدولية هو السبيل لضمان حقوق هؤلاء الأطفال، ومنحهم الفرصة للعيش بكرامة.

في المقالة القادمة من هذه السلسلة الخاصة بالتعريف بحقوق الطفل، سوف نناقش تصنيف الحقوق الواردة باتفاقية حقوق الطفل 1989م، وأهميتها، مع إلقاء الضوء على واقع الطفل العربي الآن.

اترك تعليقك أسفل هذه المقالة، وأخبرنا عن أبرز مظاهر حقوق الطفل المهدرة في عالمنا العربي.

اقرأ أيضًا: هل اتفاقية حقوق الطفل ملزمة وواجبة النفاذ؟ (2)

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة