الطفلة"للّا".. قصة قصيرة

كانت "للّا" في الحادثة عشر من عمرها عندما أحضر لها والدها الأتان، ووضع فوقها زنبيلًا مع أربعة من القلال وأركبها الراحلة..

ثم طلب منها أن تلتحق بعمها وزوجته في الجبل؛ حيث ذهبا لغسل الصوف في العين.

 ليس لها خيار غير أن تقبل طلب أبيها، لأنهم في حاجة ماسة للماء؛ ركبت "للّا" الأتان ثم لكزتها بعصاها، فانطلقت تسير في اتجاه الجبل.

 شمس أواخر شهر نيسان حارقة، تبعث أشعتها على الروابي والهضاب؛ فتزيدها نورًا وضياءً.

اقرأ أيضًا رحلة الحياة.. قصة قصيرة

سكون يخيم على الجبل، لا تسمع إلا زقزقة العصافير وهي تطير جماعات وفرادى، تتجه صوب نقاط الماء لتطفئ عطشًا استبد بها، أو نعيق غربان لفتها البهجة وعانقها السرور والحبور وقد عثرت على بقايا جيف، تركتها الضباع والذئاب، وقد يباغتك طنين جُعل وهو يقارع كرته التي تحوي فلذات الأكباد.

 كانت "للّا" تتطلع إلى الطريق أمامها وتسرح بعيدًا بنظرها؛ حتى تتحسس اتجاه العين وقد لفها بعض خوف.

 الجبل خال من أي حركة أو وجود بشري، فرعاة الأغنام ساقوا قطعانهم عندما اشتدت القيلولة إلى مضارب الديار؟

جال بخاطرها: ماذا لو أصابني مكروه وأنا لوحدي في هذا القفار؟ رفيقتي أتان تحملني وتحمل القلال

 وما أن أصبحت على مشارف العين حت لاح لها "خيال"؛ كان واقفًا على جانب المسلك.

لأول وهلة ظنت أن عمها صعد إلى التلة يتطلع مجيأها، غير أنه كلما اقتربت اتضحت لها ملامح الواقف على طرف الدرب المؤدي إلى العين؛ لقد كان جنديا يرتدي زيًّا عسكريًّا واضعًا بندقية على كتفه، يقف متسمرًا في مكانه دون حراك.

 جزعت "للّا" واضطربت وتملكها خوف رهيب، فلكزت الأتان حتى تسارع الخطى؛ لتمر بسرعة وتغادر هذا المشهد الغريب الذي بث في قلبها الرعب والجزع وجعلها تمنت أنها رفضت طلب والدها حين أمرها بأن تلتحق بعمها في العين.

 صارت الأتان أكثر بطئًا في سيرها وكأنها هي الأخرى أخذ منها الخوف مأخذًا عظيمًا، لم يلتف إليها العسكري ولم تصدر منه أي حركة تفيد بأنه قد يكون مصدر خطر على المارة.

اقرأ أيضًا قصة قصيرة | إكزولانسيس

 مرت "للّا" وأتانها بسلام آمنين، ثم صعدت فوق الهضبة التي تشرف على العين، وانطلقت تنادي عمها:

-"يا عمي يوسف، يا عمي يوسف"

لكن لا من مجيب!

لا شيء يوحي بأن هناك من يغسل الصوف أسفل الوادي، إلا صوت نقنقة الضفادع وهي تلهو في برك الماء.. أو طنين بعوض القيلولة.. وقد اجتمع للتزاوج على نخب هجير يوم ربيعي خلاب.

 حينها تداعت "للّا" بالبكاء.. حتى فاضت الأدمع.. فرَقَّ لها قلب أتانها..

وشاركتها حزنها وخوفها.. بأن طأطأت رأسها إلى الأسفل.. فتدلت أذناها تأثرًا.. وقد صارت مع صاحبتها تائهة في الفلاة.

 لا تعرف "للّا" من دروب الجبل إلا الدرب الذي كانت تسلكه قبل قليل.. ولا تدري إن كانت هناك طريق أخرى يمكن أن تسلكها بعد أن قررت العودة إلى الديار.

وقد كانت للتو تشاهد عسكريًّا منتصبًا على جانب المسلك، فبعث في قلبها وقلب أتانها الخوف والرعب والجزع، فكان لا مفر من الرجوع من ذات الدرب.

 لكزت أتانها وسلكت طريق العودة وهي تدعو ربها وتستحضر أسماء الأولياء الصالحين أن يجنبها مشاهدة مشهد العسكري، أو أن يجعل على عينها غشاوة حتى لا ترى ما رأت منذ حين.

اقرأ أيضًا خاطرة وجدانية.. أنا العاشق السيء الحظ

كانت الأتان تحث الخطى وتسير بسرعة فائقة حتى كادت أن تركض ركضًا جميلًا، وكأنها استجابت لرغبة صاحبتها في أن ترجع إلى البيت في وقت قياسي.

 كم فرحت "للّا" وابتهجت ساعة لم تجد العسكري وقد اختفى من الطريق، والأتان هي الأخرى وكأنها استوعبت المشهد الجديد في الطريق بعد أن لاحظت أن "الخيال" الذي طالعهما ساعة كانتا تتجهان إلى العين لم يعد يظهر للعيان.

سارعا في الركض حتى قطعت مسافة لا بأس بها، وصارت "للّا" في أمان من رعب ذلك المكان.

وما أن وصلت إلى البيت حتى ارتمت في حضن والدها وطفقت تبكي بحرقة وهي تروي له ما صار معها اليوم في الجبل وقصتها مع العسكري الذي برز لها فجأة من جانب الدرب المؤدي إلى العين.

 فكان من أبيها أن خفف من روعها وطمأنها أن ما ظهر لها لا يعدو أن يكون إلا تخيلات لا أكثر لا أقل، ولو كان في الأمر خطب ما لأراد بكِ شرًّا.

لكن "للّا" ظلت نستذكر تلك الحادثة، وساعة تُحدثنا عنها يمتقع وجهها وكأنها تعيش ذات اللحظة وهي تسرد تفاصيل ذاك اليوم الذي ظل محفورًا في ذاكرتها إلى زمن قريب.

 وقد عاينتُ المكان الذي كان يقف فيه العسكري الذي بثت صورته الرعب في قلب "للّا" وهي طفلة لما ذهبت معها صحبة نسوة الدوار ذات صيف إلى العين لغسل الصوف بعد موسم الجز.

وسلكنا الدرب نفسه الذي مرت به أمي منذ  أكثر من خمسين عامًا، حيث روت لنا "للا" القصة وحددت لنا مكان وقوف العسكري والمسافة التي كانت تفصلنا عنه وهي تركب الأتان.

   - يُتبع-

 اقرأ أيضًا

-حين وقع في حبي.. رسالة الاختطاف

-"من أسباب فجاءة موت الرجال".. قصة قصيرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة