هل يمكن أن يُغيِّر الطب اللطيف الممارسة الطبية تغييرًا جذريًّا؟

الطب اللطيف هو نهج طبي إصلاحي يهدف إلى ترشيد الممارسة الإكلينيكية وتقليل التدخل الدوائي غير الضروري. ويعتمد هذا المفهوم على إعادة توجيه أجندة البحوث الطبية نحو الاحتياجات الصحية الفعلية، وتعزيز استقلالية التجارب السريرية عن مصالح شركات الأدوية، مع الدعوة إلى إدارة توقعات المرضى بعقلانية قائمة على الأدلة العلمية، لضمان رعاية صحية أكثر أمانًا وفاعلية.

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الرعاية الصحية، تبرز إشكاليات عميقة تتعلق بتوجهات البحث العلمي وتأثير صناعة الدواء على الممارسة الطبية. 

يسلط هذا المحتوى الضوء على الانتقادات الموجهة للسياسات الطبية الحالية التي تتراوح بين اختلاق الأمراض وتطويع التجارب لخدمة المكاسب المادية على حساب صحة المريض. وفي مواجهة هذه التحديات، يُطرح مفهوم «الطب اللطيف» كنهج إستراتيجي بديل يدعو إلى ترشيد التدخل الطبي، وإعادة توجيه أجندة البحوث نحو الاحتياجات الفعلية، وإصلاح سياسات الملكية الفكرية، لضمان تقديم رعاية صحية قائمة على أسس علمية نزيهة.

أزمة الطب الحديث وتضارب المصالح

نظرًا للمستوى المتردي الذي وصل إليه الطب في السنوات الأخيرة، فقد انبرت أصوات مدوية منددة بالسياسات الحالية المتبعة في مجال العلوم الطبية، مطالبة بتغييرها. وقد زعم بعض المنددين أن فئات من الأمراض الزائفة يجري اختلاقها، ومن جهة أخرى يُجرى توسيع انتشار طائفة الأمراض الموجودة فعلًا؛ بغية تحقيق المكاسب المادية.

ويؤكد آخرون أن الغاية المبتغاة والفوائد المجتناة لصالح المرضى من غالبية العقاقير الجديدة ضئيلة للغاية ومُبَالَغٌ فيها عادة بسبب البحوث الإكلينيكية، وأن الآثار الجانبية المترتبة على تعاطي هذه العقاقير واسعة النطاق، ولا تقدرها حق قدرها عادة البحوث الإكلينيكية.

ويشير آخرون إلى المشكلات التي تواجهها أساليب البحث ذاتها، بحجة أن تلك التي كان يُنظر إليها سابقًا على أنها معايير ذهبية في البحث الإكلينيكي - التجارب العشوائية والتحليلات الوصفية - هي في الواقع تتسم بالمرونة والتساهل، وقد أُعدت خصيصًا لخدمة مصالح صناعة الدواء والخدمات الطبية، لا لصالح المرضى أو ما يفيدهم ويخفف آلامهم.

 وفي هذه الأسطر سنقف على ما لخصه رئيس تحرير مجلة لانسيت الطبية «The Lancet» من هذه الانتقادات في العام 2015م:

لقد اتخذ العلم في المجال الطبي منعطفًا نحو السرية والغموض، نظرًا لانسياقه خلف أوهام بعض الدراسات الفجة، التي تكاد تخلو من أسس ونواميس العلوم التجريبية، فلم تأخذ بعين الاعتبار القدر الكافي من العينات التي تُجرى عليها البحوث، ومن ثم يكون الاستقراء عشوائيًّا وغير منضبط، وتكون التحليلات الاستكشافية غير صالحة، ما أدى إلى إحداث تضارب صارخ في المصالح، فضلًا عن الهوس بملاحقة اتجاهات أنيقة مشكوك في أهميتها.

وتنشأ هذه المشكلات نتيجة لبعض السمات الهيكلية للمجال الطبي. ومن بين أبرز هذه الحوافز المكاسب المادية؛ لأن صناعة المستحضرات الطبية مربحة للغاية، والمكاسب المالية الطائلة التي يمكن تحقيقها من بيع العقاقير تخلق التهافت نحو الانخراط في بعض الممارسات المذكورة آنفًا.

ومن بين السمات البارزة الأخرى للطب بعثُ الأمل إزاء توقعات المرضى في أن يساعد الطب في علاجهم، إلى جانب تدريب الأطباء على التدخل النشط، من خلال الفحص أو وصف الأدوية أو الإحالة أو التوقف عن تناولها.

وتوجد سمة أخرى تتلخص في الأساس السببي المعقد لعدد من الأمراض الذي يعوق فعالية التدخلات في علاج هذه الأمراض؛ فتناول المضادات الحيوية لعلاج عدوى بكتيرية بسيطة شيء، أمَّا تناول مضادات الاكتئاب فأمر مختلف تمامًا. في كتابي «العدمية الطبية» Medical Nihilism (2018)، جمعت كل هذه الحجج معًا لاستنتاج أن الوضع الحالي للطب في حالة سيئة فعلًا.

تضارب المصالح التجارية يهدد نزاهة الطب الحديث وفاعليته

مفهوم «الطب اللطيف» والممارسة الإكلينيكية

كيف ينبغي أن يواجه الطب هذه المشكلات؟ لقد صغتُ مصطلح «الطب اللطيف» لوصف عدد من التغييرات التي يمكن أن يتبناها الطب، على أمل أن يؤخذ هذا المصطلح بالحسبان، وأن يضع في أولوياته محاولة التخفيف من حدة هذه المشكلات.

وقد تتضمن بعض جوانب الطب اللطيف تعديلات بسيطة على الممارسات الروتينية والسياسات الحالية، على حين تكون بعض الجوانب الأخرى أكثر جذرية.

لنبدأ بالممارسة الإكلينيكية. يمكن أن يكون الأطباء أقل تدخلًا مما هم عليه الآن. من المؤكد أن كثيرًا من الأطباء والجراحين محافظون بالفعل في نهجهم العلاجي، وأرجو أن تكون مثل هذه النوعية المحافظة في نهجها العلاجي أكثر انتشارًا.

وبالمثل، يجب إدارة آمال وتوقعات المرضى بعناية فائقة، تمامًا كما نصح الطبيب الكندي ويليام أوسلر «William Osler» (1849-1919): «على رأس الأولويات التي تقع على عاتق الطبيب، غرسُ الثقافة الطبية في نفوس المرضى بضرورة الاعتدال في تناول الدواء». وعمومًا، ينبغي أن يكون المريض أقل شراسة واستنزافًا لما وُصف له من دواء، وأكثر لطفًا في استخدامه عندما يكون ذلك ممكنًا.

إعادة توجيه أجندة البحوث الطبية

ومن بين الجوانب الأخرى في الطب اللطيف كيفية تحديد أجندة البحوث الطبية. إن غالبية الموارد البحثية في الطب تنتمي إلى الصناعة الطبية، ويسهم الدافع إلى تحقيق الربح في هذا «الهوس بملاحقة اتجاهات أنيقة مثيرة للشكوك في أهميتها». سيكون من الرائع لو كان لدينا المزيد من المضادات الحيوية التجريبية في المسيرة البحثية، وسيكون من الأفضل أن تتوافر لدينا الأدلة الوافية، بمستويات عالية الجودة، حول فعالية عوامل الحياة المختلفة في تعديل الاكتئاب، على سبيل المثال.

وعلى نحو مماثل، سيكون من الرائع أن يُنتَج لقاحٌ للملاريا، وأن تُعالَج الأمراضُ التي تُسمى أحيانًا الأمراضَ المداريةَ المهملةَ، التي يشكل عبء المرض الناجم عنها عبئًا جسيمًا.

ولقد أظهرت جائحة فيروس كورونا الحالي مدى ضآلة ما نعرفه عن بعض التساؤلات الأساسية للغاية، ولكنها بالغة الأهمية، مثل ديناميكيات انتقال الفيروسات، وتأثير الأقنعة على تخفيف الأمراض المنقولة، وأنواع السياسات الاجتماعية التي قد تُسطِّح المنحنيات الوبائية بصورة فعالة. ولكن لا يوجد سوى القليل من أرباح الصناعة التي يمكن تحقيقها من ملاحقة هذه البرامج البحثية. بل إن الأمر، بدلًا من ذلك، هو تحقيق أرباح وفيرة من خلال تطوير العقاقير المحدَّثة - وهو رمز جديد لفئة من العقاقير التي توجد لها بالفعل رموز متعددة.

وقد يؤدي مثبط إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائي الجديد «SSRI» إلى تحقيق أرباح هائلة لشركة ما، على الرغم من أنه لا يأتي للمرضى بفائدة ذات جدوى إلا بقدر ضئيل جدًّا؛ نظرًا لوجود عدد كبير من مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية في السوق (وفي كل الأحوال، فإن مستويات تأثيرها الظاهرة متدنية للغاية، كما أشرت إلى ذلك في مقال نُشر لي مؤخرًا في موقع.

إصلاح سياسات الملكية الفكرية وفصل الاختبارات

إن التغيير على مستوى السياسات، الذي يزعم البعض الآن أنه يتلخص في الحد من أو إلغاء حماية الملكية الفكرية للتدخلات الطبية، من شأنه أن يخلف عواقب عدّة. ومن الواضح أنه سيخفف من الحوافز المالية التي تبدو مفسدة للعلوم الطبية. وقد يعني هذا أيضًا أن العقاقير الجديدة سوف تكون أرخص.

لا شك أن التصرفات الغريبة التي قد يقوم بها أشخاص مثل مارتن شكريلي «Martin Shkreli» سوف تكون مستحيلة. فهل يعني هذا أيضًا أن البحث والتطوير في المجال الطبي سيكونان أقل إبداعًا؟ وهذه حجة مرهقة كثيرًا ما تُثار دفاعًا عن قوانين الملكية الفكرية، بيد أن هذه المشكلة شديدة الخطر.

ويؤكد تاريخ العلم أن الثورات العلمية الكبرى تحدث عادة دون مثل هذه الحوافز؛ ولنتذكر نيكولاوس كوبرنيكوس «Nicolaus Copernicus»، وإسحاق نيوتن «Isaac Newton»، وتشارلز داروين «Charles Darwin»، وألبرت أينشتاين «Albert Einstein».

إن الاختراقات العلمية في عالم الطب لا تختلف بأي حال من الأحوال عن غيرها من المجالات. والواقع أن أهم الاختراقات العلمية التي تحققت في التدخلات الطبية ــ المضادات الحيوية، والأنسولين، ولقاح شلل الأطفال ــ نشأت في سياقات اجتماعية ومالية كانت مختلفة تمامًا عن سياق الربح من الأدوية في العصر الحالي. والواقع أن هذه الاختراقات كانت فعالة فعاليةً جذرية، خلافًا لغالبية العلاجات المعاصرة.

ومن بين التغييرات الأخرى على مستوى السياسات إخراجُ اختبار المستحضرات الطبية الجديدة من هيمنة الجهات التي ستستفيد من عملية بيعها. ولقد زعم عدد من المعلقين أن الاستقلال لا بد أن يكون قائمًا بين المنظمة التي تختبر تدخلًا طبيًّا جديدًا والمنظمة التي تصنع ذلك التدخل وتستفيد من بيعه.

وقد يسهم هذا في رفع معايير الإثبات التي يمكن اعتمادها في مجال الرعاية الطبية، حتى يتسنى لنا فهم الفوائد الحقيقية والأضرار المترتبة على تلك التدخلات على نحو أفضل.

استقلال الاختبارات وإصلاح الملكية يعززان عدالة الطب للجميع

أهمية أبحاث إيقاف الدواء (De-prescribing)

وبالعودة إلى مسألة أجندة البحوث، يتعين علينا أيضًا الوقوف على أرض صلبة من خلال إيجاد الأدلة الثابتة والحجج القوية الدامغة بشأن الطب اللطيف ذاته. فلدينا قدرٌ هائلٌ من الأدلة التي تشير إلى الفوائد والأضرار المترتبة على بدء العلاج ــ وهذه هي النقطة التي تشير إليها الغالبية العظمى من التجارب العشوائية في الوقت الحاضر.

ولكن بالكاد يتوافر لدينا دليل دقيق حول التأثيرات المترتبة على إنهاء العلاج. وبما أن جانبًا من الطب اللطيف يتمثل في الدعوة إلى المحافظة على المستوى العلاجي، فلا بد أن تتوافر لدينا الأدلة المستفيضة بشأن التأثيرات المترتبة على التوقف عن تناول الأدوية.

ففي العام 2010م - على سبيل المثال - طبق باحثون في إسرائيل برنامج إيقاف الدواء على مجموعة من المرضى المسنين الذين يتناولون ما متوسطه «7.7» أدوية. وباتباع بروتوكولات العلاج بدقة، سحب الباحثون ما معدله «4.4» أدوية لكل مريض. ومن بين هذه العقاقير، أُعيد تناول ستة عقاقير فقط، أي بما يوازي 2% منها، بسبب تكرار الأعراض.

ولم يُلاحظ حدوث أي ضرر في أثناء توقف الدواء، وأبلغ 88% من المرضى عن شعورهم بصحة أفضل. وعلى إثر ذلك، فنحن في أشد الحاجة إلى المزيد من الأدلة من هذا النوع، فضلًا عن الأدلة ذات الجودة الأعلى «العشوائية، المعمَّاة».

إن الطب اللطيف لا يعني سهولة العلاج. وقد نتعلم أن ممارسة الرياضة بانتظام والحمية الصحية أكثر فعالية من العديد من المستحضرات الطبية في علاج مجموعة واسعة من الأمراض، ولكن ممارسة الرياضة بانتظام وتناول الطعام الصحي ليسا بالأمر السهل.

ولعل التدخل الأكثر أهمية للحفاظ على الصحة في أثناء وباء فيروس كورونا الحالي هو «التباعد الاجتماعي»، وهو أمرٌ غير طبي إلى حدٍّ ما «بقدر ما لا يشتمل على فنيين طبيين أو وصفات طبية»، على الرغم من أن التباعد الاجتماعي يتطلب تكلفة شخصية واجتماعية كبيرة.

باختصار، نستطيع أن نقول إن الطب اللطيف يشير إلى تغييرات في الممارسة الإكلينيكية، وأجندة البحوث الطبية، والسياسات المرتبطة بالتنظيم والملكية الفكرية، كاستجابة للمشكلات المتعددة التي يعاني منها الطب في وقتنا الحالي.

يمثل «الطب اللطيف» دعوة ضرورية لمراجعة مسار الطب المعاصر، بعيدًا عن جشع الصناعة الدوائية والتدخلات الطبية المفرطة. إن تبني هذا النهج يتطلب شجاعة في تغيير السياسات، ووعيًا من قِبل الأطباء والمرضى على حد سواء بأهمية الاعتدال والاعتماد على الأساليب الوقائية ونمط الحياة الصحي.

وعلى الرغم من التحديات التي تعترض هذا التغيير الجذري، فإنه الخطوة الأهم نحو استعادة جوهر رسالة الطب المتمثلة في تخفيف المعاناة الإنسانية بصدق وشفافية، وتقديم رعاية صحية مستدامة وآمنة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة