تتمثل الطبيعة البشرية في مجموعة القدرات، والميول، والتصرفات المشتركة التي تنشأ في المسار الطبيعي للحياة الإنسانية، وتتأثر بالبيئة والثقافة دون أن تتماهى فيها بالكامل.
ويوفر الاعتراف بهذه الطبيعة الموحدة أساسًا حيويًا للكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان؛ ما يتيح صياغة أحكام أخلاقية وسياسية قابلة للتطبيق على مستوى العالم في بيئة معولمة، ويساعد على تجاوز الانقسامات الثقافية بإدراك الغايات والدوافع العقلية والعاطفية المشتركة بين البشر.
أرسطو والطبيعة البشرية
عندما سئل أرسطو: ما هي الطبيعة البشرية؟ استهل رؤيته الفلسفية المتعمقة بشيءٍ من المبالغة بقوله إنَّ: «جميع البشر بطبيعتهم يرغبون في المعرفة»، فيزعم أن لدى البشر رغبةً أو ميلًا مُتَأَصِّلَيْنِ للوقوف على طبيعة الأشياء، ومحاولة صياغة تفسير لها، والتطلع لمعرفة أمور كثيرة: كطقس اليوم، وسوق الأوراق المالية، ومحاولة استكشاف الأعماق البعيدة بما يلامس الوجود حتى واجد الوجود سبحانه.
بيد أنَّ معرفة الذات تحظى بقدر كبير من الأهمية والاهتمام، من بين الأشكال المختلفة من العلوم، والصنوف المتنوعة من المعارف، فنريد أن نفهم من نحن؟ هناك شيء ما يتعلق بالأمر القضائي القديم، المدون في معبد أبوللو في دلفي: «لتعرف نفسك»؛ واستبطان الكامن في أعماقها، ومن ثم كان هذا المسعى جديرًا بالإعجاب.
كتب روسو: «من بين جميع العلوم الإنسانية، يبدو أن أكثر ما هو مفيد -وإن اعتراه بعض النقص- هو الجنس البشري، وقد أبالغ حين أقول: إن الكتابة المنفردة في معبد دلفي تحتوي على مبدأ أكثر جدية، وأكثر أهمية مما هو موجود في كل مجلدات ضخمة كتبها فلاسفة الأخلاق».
ليس المعرفة بأنفسنا مقصودة لذاتها فحسب، بل هي مهمة أيضًا لفهم الأخلاق والسياسة، فمن دون معرفة الحقائق الأساسية حول كيف يمكننا توجيه الإحساس والتفكير والعمل، يبدو من المستحيل تقريبًا معرفة كيف يجب أن نعيش أو نحدد الاتجاهات السياسية الأكثر صلاحية وملاءمة لنا؛ لتوليد النيات الحسنة والتعاون ونشدان السلام، ولهذه الأسباب سعى الفلاسفة منذ مدة طويلة إلى التعمق في فهم سياق معترك الحياة، والميول التي تحرك البشر نحو أهداف معينة، والخصائص والسمات التي تميزنا عن غيرنا من الكائنات الحية بأثرها، وباختصار ذلك ما يمثل «الطبيعة البشرية».
الطبيعة البشرية في الكائنات الحية
بهذا المعنى «الطبيعة»، سيكون البشرُ مجردَ مثالٍ واحدٍ لطبقةٍ كبيرةٍ للغاية من الكيانات التي تمتلك الطبيعة، وهي فئة يمكن أن تنمَّ عن شمولية بحتة لكل نوع من الكائنات الحية. وبعد ذلك كله -وبشيءٍ من الإيجاز- فإنَّ نبات «الصبار» -مثلًا- يخزن ماءً، ونَسْجَ العناكب يدور، وتتحرك الفيلة في مجموعات، ويبدو أن كل هذه الأنشطة مرتبطة بالطبيعة المتميزة لكل نوع من الكائنات الحية، في حين يمكننا التحدث أيضًا عن طبيعة الماء أو الكراسي أو المثلثات، فقد جادل بعض الفلاسفة بأن ثمة إحساسًا خاصًا بـ «الطبيعة» لا ينطبق بشكل صحيح إلا على الكائنات الحية: الصبار والعناكب والأفيال تمتلك الطبيعة لأنها عضوية، والأشياء المتحركة التي تميزها أشكال معينة من الحياة.
حتى نفهم كيانًا فرديًا كصبار أو عنكبوت أو فيل، فإننا نستمد خلفية تفسيرية للسمات المميزة لها وأنماط السلوك التي تبني حياتها بوصفها مخلوقات من نوع معين. تساعدنا هذه الخلفية التفسيرية على فهم أجزاء مختلفة من السلوك.
على سبيل المثال: لماذا يخزن هذا النبات الماء هكذا؟ لأنه بطبيعته صبار، والصبار يتواءم مع طبيعة الحياة في الصحراء حيث ندرة المياه، أو: لماذا يقوم هذا الحيوان بإنشاء خيوط متشابكة مثل هذه؟ لأن هذا الفعل يتلاءم مع طبيعة هذا النوع من العنكبوت؛ حيث يحبس فريسته.
وبناءً على هذه الطريقة يُمَكِّنُنَا تطبيق مفهوم الطبيعة من تحديد الكائنات الحية وتصنيفها، وتوفير البنية الملائمة للظواهر الطبيعية التي تكوِّن عالم الأحياء.
وعلى حين يبدو هذا الإحساس «بالطبيعة» مفيدًا عمومًا، فإنَّه يصعب أيضًا توضيح ذلك في تفاصيله، خاصة عند تطبيقه على البشر بكل اختلافاتهم وتنوع مشاربهم وأيديولوجياتهم، ومع ذلك يمكن أن تكون فكرة الطبيعة البشرية مفيدة لفهم الأبعاد البيولوجية والأخلاقية للحياة البشرية.

ما معنى الطبيعة البشرية؟
إذا سألنا: ما المقصود بالطبيعة البشرية؟ فمعنى الطبيعة البشرية يشير إلى الصفات الأساسية التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، مثل القدرة على التفكير المجرد، واتخاذ القرارات، وتكوين العلاقات الاجتماعية، والتأثر بالقيم والأخلاق. ويُستخدم المصطلح في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع لفهم دوافع الإنسان وسلوكه.
للطبيعة البشرية مفهومان
قد يكون من المستغرب للبعض أن وجود الطبيعة البشرية قد صار موضع شك لدى العلماء والفلاسفة، ولعل الاعتراض الأكثر شيوعًا على وجود الطبيعة البشرية يعتمد على الحقائق التطورية التي تدل على تحور الأنواع.
فمن وجهة النظر هذه، ونظرًا لعدم وجود مجموعات تتسم بثبوتية السمات التي تحدد كل نوع، فلا بد أن تكون الصورة الكلاسيكية خاطئة: لا يوجد لدى أي نوع «جوهر» يحدد مجموعة من الشروط الضرورية والكافية لعضوية الأنواع، كما يقول عالم الأحياء مايكل غيسلين (Michael Ghiselin) بإيجاز: «ماذا يعلمنا التطور عن الطبيعة البشرية؟ يخبرنا أن الطبيعة البشرية محض خرافة».
ولكن ما إذا كان هناك شيء مثل الطبيعة البشرية يعتمد على ما نعنيه بهذا المصطلح، تكمن الإشكالية في أنه يبدو أن هناك أكثر من مفهوم يشير إليه العلماء باسم «الطبيعة البشرية». سأقوم هنا بتحديد وتوضيح أحد هذه المفاهيم التي أعتقد أنها متماسكة ومهمة أيضًا لفهمنا للأخلاق، يمكن تسميته بالمفهوم التطوري للطبيعة البشرية.
المفهوم الإحصائي للطبيعة البشرية
لتوضيح هذا المفهوم، سيكون من المفيد أولًا تمييزه عن مفهوم أكثر استخدامًا للطبيعة البشرية، وهو ما نسميه المفهوم الإحصائي للطبيعة البشرية، حيث يصف الفيلسوف العلمي إدوارد ماشيري (Edouard Machery) المفهوم الإحصائي للطبيعة البشرية بأنه: «مجموعة الخصائص التي يميل البشر إلى امتلاكها نتيجة لتطور جنسهم».
النقطة الأولى التي يجب أن نلاحظها حول المفهوم الإحصائي للطبيعة البشرية، هي أنه لا يحتوي على أية عناصر أساسية يميل علماء الأحياء إلى اعتبارها موضع إشكالية، بمعنى أنه يفهم الطبيعة البشرية بحيث لا يتم تشكيلها بأي شيء ثابت وبشكل معقد، ولكن بالخصائص التي تكون شائعة إحصائيًا بين البشر وتُستمد من العمليات التطورية.
المفهوم التنموي للطبيعة البشرية
على النقيض من ذلك، يمكن للمفهوم التنموي للطبيعة البشرية -الذي أود أن أدافع عنه- أن يلعب دورًا بالغ الأهمية في الأخلاق، تبدو جذوره عند أرسطو على الرغم من أننا يمكن أن نجد أفكارًا مماثلة عند الفيلسوف الصيني القديم منسيوس (Mencius) كذلك. فالطبيعة البشرية، انطلاقًا من هذا المعنى التنموي، تتكون من تلك القدرات، والميول، والتصرفات التي تنشأ في المسار الطبيعي للحياة البشرية في بيئة لها عاداتها وتقاليدها.
خصائص الطبيعة البشرية
من أبرز خصائص الطبيعة البشرية الميل إلى المعرفة، والقدرة على التعلم والتكيف، والتأثر بالعواطف، والرغبة في الانتماء الاجتماعي، والسعي إلى تحقيق المصالح والأهداف الشخصية. كما تتسم بالمرونة التي تسمح للإنسان بالتأثر بالبيئة والثقافة مع احتفاظه بسمات مشتركة مع بقية البشر.

الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني
يرتبط مفهوم الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني ارتباطًا وثيقًا؛ إذ إن فهم الدوافع والغرائز والميول الفطرية يساعد على تفسير كثير من السلوكيات الفردية والجماعية. فالسلوك الإنساني لا ينتج عن العوامل البيولوجية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالتنشئة الاجتماعية والتعليم والثقافة والخبرات الحياتية.
الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي
تؤدي الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي دورًا متبادلًا في تشكيل المجتمعات؛ فالأنظمة الاجتماعية تُبنى استجابة لاحتياجات الإنسان في التعاون والتنظيم وتحقيق الأمن والاستقرار، وفي المقابل تؤثر هذه الأنظمة في تشكيل السلوك الفردي والجماعي، وتوجيه العلاقات بين أفراد المجتمع.
ما هي طبيعة النفس البشرية؟
تختلف الإجابات باختلاف المدارس الفكرية والفلسفية، لكن كثيرًا منها يرى أن النفس البشرية تجمع بين العقل والعاطفة والرغبات والدوافع، وأنها تتأثر بالعوامل الفطرية والمكتسبة معًا، وهو ما يفسر التنوع الكبير في الشخصيات والسلوكيات.
الطبيعة البشرية والثقافة
ولكن هنا يتعقد المفهوم التطوري للطبيعة البشرية: الكائنات البشرية ليست فقط كائنات حية، بل كائنات ثقافية، وكيف يمكن أن نبث التطور والنضج من مرحلة الطفولة فصاعدًا، يمكن أن تتخذ مجموعة متنوعة من الأشكال. في الواقع غالبًا ما يتم الاستشهاد بتقدير عمق التنوع الثقافي بسبب العولمة كسبب لرفض الطبيعة الإنسانية العالمية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن فرض وجود الطبيعة البشرية لا ينبغي أن يمنعنا من تبني التأثير العميق الذي تتركه لنا الثقافة والتعلم والبيئة، إنَّ مفاهيم الطبيعة البشرية والتنوع الثقافي في هذا السياق، ليست متنافية تمامًا.
الطبيعة البشرية في السياسة
تبرز أهمية الطبيعة البشرية في السياسة عند دراسة أسباب التعاون والصراع، والسلطة، والعدالة، والحقوق. فكثير من النظريات السياسية بُنيت على تصورات مختلفة للطبيعة البشرية؛ فبعضها يرى الإنسان ميالًا إلى المنافسة، في حين يراه بعضها الآخر ميالًا إلى التعاون والتعايش.
قوانين الطبيعة البشرية
لا يقصد بقوانين الطبيعة البشرية قوانين جامدة لا تتغير، بل مجموعة الأنماط والميول العامة التي تتكرر لدى البشر عبر الأزمنة والثقافات، مثل الحاجة إلى الانتماء، والرغبة في التقدير، والتأثر بالمكافأة والعقاب، والسعي إلى تحقيق الأهداف الشخصية والاجتماعية.
هل الطبيعة البشرية مفهوم مفيد؟
وبعد هذا كله، فإنَّ الثقافة إذا نهضت بدور بارز في هذا الشأن، فقد يتساءل المرء عما إذا كان مفهوم الطبيعة البشرية سيظل خاملًا بعض الشيء؟! قد يؤدي دورًا معينًا، لكنه ليس مهمًا تمامًا لفهم السلوك البشري أو للتفكير في أنواع الغايات التي يجب أن نضعها لأنفسنا.
هذه النقطة حول الثقافة، بجانب التباين الهائل الذي نجده بين الأفراد من حيث العادات والأذواق والشخصيات، يبدو أنها تشير إلى أهمية أكبر ليس للطبيعة البشرية فحسب، بل للطبيعة الفردية المتميزة.
أهمية الطبيعة البشرية في الأخلاق والحقوق
لا غرو -إذًا- أنَّ هذه الاعتبارات مهمة، وهي تشير مرة أخرى إلى أن فهم الطبيعة البشرية لا يوفر، في حد ذاته، صورةً كاملةً عن الجنس البشري، ومع ذلك هناك طريقتان مهمتان يمكن من خلالهما الحفاظ على مفهوم الطبيعة البشرية.
أولاهما: تجذب الطبيعة البشرية الانتباه إلى حقيقة أننا حيوانات بشرية – أي أننا كائنات حية من نوع معين يعمل في العالم الطبيعي، برؤية أنفسنا في هذا الضوء، نذكر أنفسنا بأننا مجسدون وأنَّ هناك خصائص مختلفة مرتبطة بهذه الحقيقة، مثل العاطفة والجسد، فنحن الحيوانات البشرية التي تتحرك وتشعر وتفكر، ويكون وجودنا في العالم المادي. على هذا النحو، نحن مستمرون في العالم الطبيعي نمثل جنسًا كاملًا في المملكة الحيوانية.
أخراهما: إنَّ الاعتراف بالطبيعة المشتركة التي يتفق فيها جميع البشر يوفر أساسًا قيمًا للكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، ما يتيح لنا فرصة إجراء أحكام قابلة للتطبيق على مستوى العالم، حول أنواع الأعمال المطلوبة أو غير المسموح بها تجاه الآخرين من البشر.
يمكن أن يوفر هذا الأساس الأخلاقي للحقوق والكرامة أساسًا مقبولًا لنظرية أخلاقية سياسية مناسبة بشكل خاص لعالم معولم. زيادة على ذلك، فإنه بتحديد مجموعة من القدرات والغايات المشتركة عمومًا، قد نجد أنه من الأسهل إضفاء طابع إنساني على تلك الطوائف التي تختلف اختلافًا ثقافيًا وجسميًا عنا، بإدراك أننا متحدون في مجموعة مشتركة من الميول والغايات، مع وجود خصائص فيزيائية مشابهة بشكل ملحوظ، تتمثل في الدوافع العاطفية والعقلية.
إن توجيه الانتباه إلى هذه القواسم المشتركة العميقة يمكن أن يولد تأثيرًا مفيدًا على مستوى فكرنا الأخلاقي وحوارنا، ومعالجة الانقسامات وتوجيهنا نحو ما يجب أن يوحد أهدافنا في السعي لتحقيق صالح البشرية جمعاء.
أفضل كتب عن الطبيعة البشرية
من أفضل الكتب عن الطبيعة البشرية كتاب «الطبيعة البشرية» للفيلسوف ديفيد هيوم، وكتاب «العقد الاجتماعي» لروسو لما يتضمنه من تصورات عن الإنسان والمجتمع، وكتاب «الطبيعة البشرية ومصير الإنسان» لرينهولد نيبور، بالإضافة إلى كثير من الدراسات الحديثة في علم النفس التطوري والفلسفة الأخلاقية التي تناولت طبيعة الإنسان وسلوكه.
مع التطور السريع لتقنيات تعديل الجينات البشرية، هل يتحتم علينا التفكير في تغيير الطبيعة البشرية؟
وكيف يجب أن نحدد ما إذا كان يجب علينا متابعة التعديل الوراثي؟ وما هي الفوائد والمضار المحتملة من متابعة هذه التقنيات؟
قد يُلقى على مائدة الحوار اعتراض آخر على المفهوم التطوري للطبيعة البشرية، وهو أن المفهوم البيولوجي للطبيعة البشرية، كما هو الحال في الطبيعة البشرية، سيكون أفكارًا مختلطة، أي: خبط عشواء، وبمعنى آخر: أن القدرة أو الميل الذي ينشأ في المسار الطبيعي للحياة البشرية لا يعني تلقائيًا أن القدرة أو الميل يمكن تطويرهما أو تمرينهما. كم هو مقنع هذا الاعتراض؟
في كل من الشرق والغرب، كان هناك الكثير من الخلاف حول الخير أو سوء الطبيعة البشرية. ففي الغرب، نجد هوبز (Hobbes) يجادل من أجل الطبيعة البشرية السيئة في حين يدافع روسو (Rousseau) عن صلاحه.
أما في الشرق، فيختلف اثنان من الفلاسفة الصينيين القدماء، منسيوس (Mencius) وزيونزي (Xunzi,)، حول جوهر الطبيعة البشرية، مع مينسيوس (Mencius) منحدرين مع روسو(Rousseau) وزيونزي (Xunzi), إلى جانب هوبز(Hobbes). بالنظر إلى فهمنا المعاصر لعلم النفس البشري والعلوم، هل هناك طريقة لتسوية هذا النزاع؟
هل تشكل القيم الدينية للشخص مفهومًا معينًا لمحتوى وقيمة الطبيعة البشرية؟
على سبيل المثال، ما مدى أثر الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى في الاعتقاد بأن الطبيعة البشرية توفر أساسًا للأخلاق؟
تكشف الأسئلة التي أثيرت في هذا النقاش عن مدى تشعب موضوع الطبيعة البشرية وصعوبته في آن، وكما هو موضح في المقال فإنه لا يبدو أنه يوجد أكثر من مفهوم واحد فقط، ولكن ثمة قضايا تجريبية ونظرية عدة، يصعب الوقوف في طريق تحقيق تقدمها بوضوح.
فعلى سبيل المثال، هناك أسئلة مفاهيمية عن كيفية التمييز بين الطبيعة والتغذية، وما إذا كانت الطبيعة البشرية مفهومًا معياريًا، هناك أسئلة تجريبية حول كيف نأتي لامتلاك سمات إنسانية معينة، هل هي طبيعية تتضح منها الأشياء التي تتأصل في هباتنا الوراثية، أم أنها كلها نتاج تعليمي وثقافي؟ هذه أسئلة مهمة ومعقدة تمت إثارتها في مقالي وفي المناقشات.
وهكذا يتضح من المناقشة أن بعض في الأقل لم يكن واضحًا تمامًا بشأن مفهوم «الطبيعة البشرية» الذي كان يدور في ذهنه، ينبغي أن أشير إلى ذلك؛ لأن المفاهيم الفلسفية مثل: الطبيعة البشرية، كمثل مفهوم «السعادة»، لها دور في الخطاب العادي.
ومن ثم يمكن حملها وغيرها مع مجموعة متنوعة على معنى من المعاني المختلفة، لهذا السبب من المهم حقا أن نميِّز بعنايةٍ المفهوم الذي يدور في ذهننا «الطبيعة البشرية». وبدون هذه التوضيحات، سيكون من الصعب حقًا تحقيق غاية النقاش المبتغاة.
ولكنه بوضع مفهوم للطبيعة البشرية، إلى أين يجب أن نتجه نحو مزيد من الفهم؟
كان هذا السؤال مهمًا تمخضت عنه المناقشة، وقد اقترحت أن أفضل نهج سيكون واسعًا وتعدديًا ومتعدد الاختصاصات، ليس في الفلسفة فحسب، بل البيولوجيا، والعلوم المعرفية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والأدب، والدين، واللاهوت، كلها يمكن أن تُسهم في معرفتنا بالطبيعة البشرية، وعلى الرغم من صعوبة هذا المنهج، فإنه أيضًا الأكثر إثارة، والتجربة الفريدة والأجدى التي يمكن بها تقديم صورة شاملة عمَّا هو كائن بشري.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.