الطبيب الشاعر وجيه البارودي ناعورة الغزل في حماة السورية

مرَّ بتاريخ مدينة حماة شعراء فحول تركوا بصمتهم على خارطة الشعر العربي الأصيل، ومن هؤلاء الشعراء الذين نقشوا في الذاكرة آثارهم الخالدة الطبيب الشاعر وجيه البارودي الذي بقي بعد رحيله حاضرا ً بأشعاره ونوادره وأفضاله التي لا تنسى حتى قيل: حماة هي العاصي والنواعير ووجيه البارودي، فما أحلى تلك الأيام الخوالي التي كان يعِّطر فيها بشعره الليالي في سهرات العشق والسحر والجمال، وتلك الصباحات التي يستقبل فيها المرضى بعيادته ليخفف أوجاعهم، ويداوي أمراضهم، ويعالج همومهم بحس إنساني رفيع، وإيمان عميق بأن رسالة الطب رسالة إنسانية، وفوق كل اعتبار .
إن الشعر ليكبر بشهادة الكبار، وها هي شهادة شاعر كبير بشاعر كبير، فالشاعر الكبير  بدر الدين الحامد يعترف بشاعرية الطبيب وجيه البارودي حيث قال: كنا ننظم الشعر، وكانت الأيام تمر بنا ونمر بها، ووجيه يطرق من الشعر فنونه، ويقرض عيونه، والبيان الأصيل يطاوعه، والقريضة الفياضة تواتيه حتى استمر مريره، وأصبح الشاعر الذي لا يجارى في مذهب من الشعر سار فيه وحده، ولم يستطع أحد أن يشركه فيه، ولاشك أن الطبيب الشاعر وجيه البارودي ليس بحاجة لشهادة من أحد، ولكن حين تأتي من شاعر جليل ضليع، وفارس من فرسان الشعر في ذلك العصر الذي أنجب بدوي الجبل وعمر أبو ريشة وشفيق جبري وعدنان مردم بك، وغيرهم من فطاحل الشعر، فلعمري إنها شهادة تستحق أن يفخر بها ويكابر باعتزاز، وتحرِّض لديه حافز الرغبة في المتابعة والاستمرار بكل همة وحب و اندفاع، ومما قاله الشاعر الكبير بدر الدين الحامد في شاعرنا وجيه البارودي أيضا ً :

وجيه شاعر موهوب، يتقد ذكاء وفطنة، وهو من الذين أوتوا النظر في الكلم وحسن الاختيار، أسلوبه عربي ناصع، بعيد عن الأساليب الملتوية المضطربة التي
خلقها هذا الزمان، إنه لنفسه ولأخيلته وذكرياته ووصفه ورضاه ونقمته، وأكثر ما ينظم في الغزل، وهذا الغزل عنده حوار ساحر ودعاب ماهر، أما نغمته في إلقاء الشعر الذي ينظمه نغمة حلوة يتجلى فيها الوضوح، وتشترك فيها الحواس كلها، فإذا الصوت من فمه ينقل إلى قلب السامع، ويصبه في سويدائه بلا كلفة ولا جهد، وقد اعتبره كذلك الأستاذ عبد الرحمن عياش شاعر الفن والعاطفة لأنه اكتسب من عظماء الشعر أحسن ما اتصفوا به، فمن عمر بن أبي ربيعة الولوع والمغامرة مع زيادة في الصراحة، ومن مجنون ليلى الرقة والأسى، ومن البحتري الجرس والإشراق، ومن ابن الرومي الدقة والبعد، ومن أحمد شوقي الوضوح والإلمام والسهل الممتنع، فلبست قصائده ومقطوعاته ثوب زمانها مطرزا ً بالحرير الناعم ذي الألوان الزاهية، وقد قال لي ذات مرة الشاعر الأستاذ سعيد قندقجي :

لا يوجد شاعر بتاريخ الشعر العربي عاش مراهقة الشيخوخة إلا وجيه البارودي، فمن هو الشاعر الساحر الذي جاء إلى الدنيا ليحلق بجناحين من طب وشعر فيعالج الأجساد بالطب والأرواح بالشعر ؟!
    
أتيتُ إلى الدنيا طبيبا ً وشاعرا ً أداوي بطبي الجسمَ والروحَ بالشعر ِ .
إنه وجيه عبد الحسيب  البارودي المولود في مدينة حماة في - 1 - آذار/مارس 1906 م، والذي  بدأ دراسته الأولى في الكتاتيب ثم في مدرسة (ترقي الوطن) في مدينة حماة، وبعدئذ  سافر إلى لبنان بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام
(1918 
م) ليتابع دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت (الكلية السورية
الإنجيلية)، وقد  أمضى هنالك أربعة عشر عاماً شملت الدراسة الابتدائية
والثانوية والجامعية وتخرج طبيباً سنة (1932م).
وفتح عيادته الطبية الخاصة في مدينة حماة عام 1932م إثر عودته من لبنان،
واقتنى في تلك الفترة دراجةً عادية استخدمها لزيارة مرضاه (أول من يقتنيها في حماة)، ثم تطورت الأمور فاقتنى دراجةً نارية بقيت معه حتى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين (أيضاً أول من يقتنيها في حماة)، وبعدها اقتنى سيارة خاصة به (فكان أول من يقتني سيارة في حماة).
فيكون قد مارس مهنة الطب منذ عام 1932م إلى أن توفي عام 1996م؛ أي أنه
ضرب رقماً قياسياً في الاستمرار بممارسة الطب بما يزيد على الستين عاماً، وبالتالي يعتبر صاحب أطول مدة عمل طبي في العالم، ولذا استحق التكريم
من وزارة الصحة فقدم له وزير الصحّة آنذاك عام 1991 م درع الوزارة
باعتباره أقدم طبيب في سوريا وصاحب أطول مدة عمل طبي في العالم حيث ظلّ
على رأس عمله بما يزيد على الستين عاما ً من عمره.
وكان تكريمه قبلئذ ٍ شاعراً، فقد أقيم احتفالٌ بمناسبة بلوغه السبعين1975 م تحدث فيه نخبة من الأدباء والباحثين والنقّاد والشعراء السوريين عن هذا الطبيب الشاعر، وقدّم له محافظ حماة  وقتئذ ٍكأس الشعر، وفي هذا الاحتفال ألقى قصيدته "بوركتم إخوة والحب باركني" التي يشكر فيها القائمين على تكريمه، ويثني على عرفانهم بالجميل وأفضالهم  .
ولأنه كان يصرح دائما ً أنه رجلٌ عصاميٌّ وليس عظاميا ً، فقد أنشأ بين الطب والفقر إلفة وكني بأبي الفقراء، إذ هو من يقتنع باليسر اليسير، وليس ممن يستهويه جمع المال والطمع فيه، كغيره من أصحاب الجشع الذين لا يهمهم إلا جيوبهم، ولو كان هذا على حساب آلام الآخرين وعذاباتهم :

وبيني وبينَ المال ِ قامتْ عداوة ٌ    فأصبحتُ أرضى باليسير ِمن اليسر ِ
وأنشأتُ بينَ الطبِّ والفقر إلفة ً     مشيتُ بها في ظلِّ ألوية ِالنصر ِ.

ثم يدعو إلى الإخاء الإنساني الذي يعيش فيه جميع الناس حياة سعادة لا فقر
فيها ولا سخط ولا أذى :


ويسعى جميعُ الناس ِشرقا ً ومغربا ً      لإسعاد ِكلِّ الناس ِفي المذهبِ الحرِّ
وقدْ زالَ عنا البغضُ والسخط ُوالأذى     وعمَّ الهنا واستؤصلتْ شأفة ُالفقر ِ.

ولم يكتف بالدعاء من أجل تحقيق العدل والمساواة بين الإنسان وأخيه
الإنسان بل ثار على الواقع المتردي، وأعلن بيقظة العارف، ووعي المتنور
أن قيمة المرء بما يعلم ويعمل لا بما يملك ويكنز:

لقدْ ضلَّ قومي فقاسوا الرجال      بما يملكونَ وما يكنزون
وخالفتُ قومي فقستُ الرجال       بما يعلمونَ وما يعملون .

وقد أكد لي ذات مرة أن قصيدته ثوب لا يلبسه أحدٌ غيره، فللقصيدة عنده
خصوصية من خلال طابع خاص تختلف عن قصائد الشعراء الآخرين الذين يلبس
ثوبها كل إنسان.
فما أجمل قصته مع الخزانة الحديدية التي اشتراها، ليظنَّ الناس أنه من
أصحاب الغنى واليسار :

شريتُ خزانة ً لأصونَ مالي         ولا مالٌ سوى قوت النهار ِ
وقوتُ اليوم أحفظه بجيبي            وليسَ لديَّ فضلٌ لادخار ِ
ولما أنْ رآها الناسُ ظنوا             بأني صرتُ من أهل ِ اليسار ِ
فقهقهَ عارفو فقري وضجوا         بسخرية ٍ فيا سخفي وعاري.

ولكنه لا يكتفي بخزانة واحدة بل يشتري الثانية ويقول:

لديَّ خزانة ٌ وشريتُ أخرى         مخافة َ أن تغصَّ بوارداتي
نياقي بعدَ عقم ٍ لاقحات ٌ            وصحرائي تماوج بالنبات ِ
وأوراقي الصغارُ غدتْ كبارا ً     فأصغرهنَّ من فئة ِ المئات ِ
وبيتي طابقان وكان كوخا ً        سيصبحُ من طراز الناطحات ِ .

وقد خصَّ ديوانه – بيني وبين الغواني – بفصل ٍ من المحاورات والغزل،
اختار فيه اسم – منور -
 
اسما مستعارا ً لمعشوقته دفعا ً للقيل والقال، فلا يعني لأحد أن هذا الاسم يعني فتاة بعينها، كما في قصيدته حنين:

تعالي يا منور عاتبيني                وجوري كيف شئت وعذبيني
تعالي نبك ِ عثرتنا تعالي               أذكِّرك ِ الهوى وتذكِّريني
هفا قلبي إليك ِفلستُ أقوى           على الشوق ِالمبرَّح ِوالحنين ِ.

فترد عليه محبوبته:

أهواكَ لا أهوى سواكَ وآه ِلو تدري هوايا
حكمَ الزمانُ عليَّ أن أخفي اللواعجَ في حشايا
هذي رسائلكِ العذابُ تعيدُ لي ذكرى صبايا
أنا ما يئستُ ولا كبرتُ وللفتوة بي بقايا .

وللطبيب الشاعر مراحل ٌ في الحب، وهذا حب الأربعين، وهو دائما ً السبَّاق فيه :

لي صبوة ٌفي الأربعينَ أوارها لا يُتقى
أنا كنتُ أحسبني خمدتُ فرحتُ ألتمسُ التقى
ومررت ِ بي فهفا فؤادي للهوى وتحرَّقا
فتبعتُ قافلة َالشباب ولذ َّ لي أن ألحقا
فجريتُ حتى جزتُ أولهم وكنت ُ الأسبقا .

وفي حب الخمسين يحاول أن يمحو ذنوب الأربعين، ولكن هيهات هيهات لأن حبه
ابتكار حين يكونُ حب غيره تقليدا ً، وحياته لا تعرفُ السكون :

حياتي كلها حبٌّ عنيفٌ         فلم أعهدْ مدى عمري سكونا
وفي الخمسينَ أملتُ اعتدالا ً   عسى أمحو ذنوبَ الأربعينا
فيا صحبي ويا أخدانَ حبي     تعالوا فاشهدوا الذئبَ الأمينا
تعالوا فاشهدوا في الليل زيرا ً  وعندَ الصبح متزنا ً رزينا
وحبُّ الناس تقليدٌ وحبي         ابتكارٌ مثل حُبِّي لن يكونا .

وكذلك حب الستين الذي يزداد فيه شعره طراوة، فتسكر الغواني من كؤوس رحيقه:

أطلقتُ شعري في ميادين الهوى        سحرا ً وإغراءً ووحيا ً منزلا
سكرَ الغواني من كؤوس ِرحيقه ِ          وصَحَوْنَ لما جئتهن َّ مقبلا
شعري يزيدُ فتوة ًوطراوة ً                وأنا مع الستين يُقعدني البلى.

وكنتُ قد سمعت ُ رسالتهُ – رسالة غرام – وهو يلقيها ويتماوج بصوته تارة
بهدوء، وتارة كالشلال الهادر بصخب وانفعال، فيبعث في النفس الدهشة،
وفي القلب البهجة، ورحت معه  بحالة انخطاف إلى عالم الخيال والصور التي
ماهي إلا شريط من الأحلام المتلونة بألوان لا أبهى ولا أزهى  :

رسالتي رسالة ُ الأشواق ِوالتحسُّر ِ
فيها من القديم ِوالحديث ِوالمبتكر ِ
من آل نعم ٍ نفحة ٌ، ومن مزايا عمر ِ
ومن جميل ٍ نغمة ٌ ترنَّحتْ في وتري
ومن وجيه ٍ لفحة ٌ من اللظى المستعر ِ
أحلام ُ حب ٍّ في شريط ٍ من ألوف ِالصور ِ.

وفي قصيدته – الدونجوان – تدعوه محبوبته إلى أن يظل بلهوه ومغامراته
وعشقه وغزله، فهو عمر بن أبي ربيعة اليوم، أي ابن أبي ربيعة العصر ،
كما تدعوه أن يبتعد عن زهد أبي العلاء وفلسفته في الحياة :

قالتْ أحبك جامحا ً نهما ًفلا      تزهدْ ولا تكسلْ وكن ذئب الفلا
دعْ عنكَ زهدَ أبي العلاء وعقله ِ  واجهلْ فإنَّ حياتنا أن تجهلا
أوجيهُ يابنَ أبي ربيعة عصرنا    ستظلُّ ذياك الفتى المتغزلا .

ومن الصور الجديدة والفريدة المبتكرة التي اقتنصها الطبيب الشاعر من
أعالي ذرا الخيال، وأجاد فيها كل الإجادة، فأثرت جمالية الإبداع في
قصيدته – انتفاضة – قوله :
وحبٌّ بعدَ حب ٍّ بعدَ حبٍّ                  سأعشقُ لن أكلَّ ولن أمَّلا
فربَّ دقيقة ٍ لقحتْ بحبٍّ                 أتتني من ضمير الغيب حبلى .

وللطبيب الشاعر قصة إعجاب بمطربة الجيل – ميادة الحناوي – التي التقاها
في مهرجان قلعة حلب، والتقط الصور التذكارية معها، وأنشد فيها القصيدة
تلو القصيدة:

ميادة ٌ للقلب ِينفذ ُ صوتها      فالسامعونَ متيمونَ سكارى
فترى شبابكَ مقبلا ً متألقا ً      وترى مشيبكَ مدبرا ً يتوارى.

ثم يعلن في قصيدة لها مؤرخة بتاريخ 3- 12 – 1991 م -  أنها فنانة العرب
التي هي كالشمس سطوعا ً، وهي آيات الجمال والغناء، وبالنسبة له هي وحي
الشعر وإلهامه :

ميادة ٌ فنانة ُ العرب ِالتي          بزغتْ بهذا الجيل فهي ذكاءُ
هي كلُّ آيات الجمال وكلُّ آيات الغناء ِ، وكلها إيحاءُ
توحي إليَّ الشعرَ معسولا ً، فكلُّ قصيدة ٍ من وحيها عصماءُ

ثم يوضح العلاقة من خلال العمر والمكان، واللقاء الذي ما هو إلا نشوة
صوفية لا ترقى إلى سموها الصهباء:

ميادة ٌ أعجوبة ُالدنيا وتشبيبي بها ما طالهُ الشعراءُ
إعجابنا متبادلٌ فأنا بأشعاري ومنها فتنة ٌ وغناءُ
وتفاوتٌ في السنِّ فيما بيننا  أنا في الحضيض ِأدبُّ وهي سماءُ

صحيح ٌ أن الطبيب الشاعر في الحضيض، ولكنه يرفض أن تخمد سنوات العمر
نيران رغبته المتأججة بالحب، ويرفض أن يعلن انكساره في معركة هو فارس
ميدانها، ورافع لوائها، وخبير في سبر مجاهلها:

صبٌّ بتسعيني، ونارُ محبتي             أبدا ً تشبُّ، ومالها إطفاء ُ
شخصيتي السرُّ العجيبُ، وجلُّ ما       يغري النساءَ فتوة ٌ وثراءُ
أملي دوامُ الحبِّ لا ما يشتهي            غيري، فغيري همُّهُ الفحشاءُ
فأنا أمارسُ نشوة ً صوفية ً                هيهاتَ تفعلُ فعلها الصهباءُ

ويأتي التلاحم التاريخي من خلال المدينة وتاريخها، فيعيدنا إلى الماضي العريق بكل فخر واعتزاز من خلال مدينتيهما حلب وحماة:

داري بلاط ُ أبي الفداء ِودارها            شهباءُ سيفِ الدولة ِالغنَّاءُ.

وخلال دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت تعرف على عمر فروخ وابراهيم
طوقان وحافظ جميل وأبو القاسم الشابي، وأسسوا دار الندوة عام 1926م، وكان له مع الشاعر ابراهيم طوقان قصائد مشتركة منها وادي الرمان التي جاء فيها:

يا يومَ جاورتُ الخميلة في الضحى     والشمسُ مشرقة ٌووجهك ِمشرقُ
كمْ ظللتنا دوحة ٌ أغصانُها                أحنى من الأمِّ الرؤوم ِوأشفقُ
والطيرُ هاتفة ٌ بألحان ِالهوى              تعلو وتهبط ُ تارة ً وتحِّلقُ
يا جارة الوادي الرحيب ِوإنهُ             نعمَ الجوارُ لمن يهيمُ ويعشقُ.

ولم يكن هاجس وجيه البارودي الغزل فحسب بل كان له فلسفته في الحياة من
خلال تأملات، ورؤيا تستشرف، وعقل يحلل، وحدس يبحث عن اليقين، وتساؤل
يبحث عن جواب، لمعرفة كنه الوجود، وسر الحياة:

شخصية المحبوب تأسرني وما    التجسيد إلا قالب وقشور
وجماله المنظور بعد جلاله        لا شيء لولا حسنه المستور

ثم يلجأ إلى الفلاسفة الأفذاذ لفك رموزها، فهذا عمر الخيام المبصر المنكسر بحيرته لم يستطع كشف غموضها:

كمْ حاولَ الخيام حلَّ رموزها    فتعقدتْ فاحتارَ وهو بصيرُ

وهذا أبو العلاء المعري الضرير المتردد في فهمه للحياة، لا يستطيع إدراك
الحقيقة رغم كل ما أوتي من حدة في الذهن، ونباهة، وعبقرية ونبوغ:

وأبو العلاء بعقله وخياله ِ                أسرى بركب العلم وهو ضريرُ
فرأى الحياة من الجماد تولدتْ           وتوالدتْ وإلى الجماد تصيرُ
فارتدَّ بعد تشكك ٍوضميرهُ                لله أصفى ما يكونُ ضميرُ

ولحانة ٍفي نيسبورَ أوى يعاقرها ليهدأ قلبهُ المدحورُ.
ثم يتساءل عن هذه الكائنات، وهذه الطبيعة هل هي عفوية أم خلقها القضاء
والقدر؟؟!! :

ما أرشقَ الأسماكَ في حركاتها            ما أسعدَ الأطيارَ حينَ تطيرُ!
ما أبهجَ الأزهارَ في قيعانها               هبَّتْ عليها الريحُ فهي عطورُ!
هلْ هذه الأحياءُ عفوا ً أقبلتْ              من ذاتها أمْ خلقها تقديرُ؟!

ثم ينتقل إلى الأجرام السماوية، والنواة والذرة، وجوهر الكون في إنسانه، حيث قال :

في الذرة الصغرى شموسُ كهارب ٍ  دارتْ كواكبُ حولها وبدورُ
ولقدْ نفجرها فتنشأ طاقة ٌ            عظمى فيسحر عقلنا التفجيرُ
الكونُ لولا أننا في أرضه ِ            نحيا، ركامٌ ضائعٌ وصخورُ .

نعمْ فما الكون بلا الإنسان إلا حجارة جامدة لا روح فيه ولا حياة ولا
جمال، وكل ما فيه عدم ٌيتساوى فيه النور والظلمة :

عدمٌ إلى عدم ٍ يؤول على المدى       سَّيانَ فيه النورُ والديجورُ.

ثم يتفاءل الطبيب الشاعر بمستقبل الإنسان في الأرض حين يعمُّ السلام،
وينمحي الفقر والشقاء، ويغدو لكل معضلة حلٌّ، ولكلِّ سؤال ٍ جواب من
خلال الرؤيا التي يستشرف بها أبعاد المستقبل الإنساني فوق هذه الأرض:

ولسوفَ ينتظمُ السلامُ بها فلا      حربٌ ولا هلعٌ ولا تهجيرُ
وسيمَّحي الفقرُ البغيضُ فليسَ في  دنيا السعادة بائسٌ وفقيرُ
حدَّثتُ أهلَ الأرض ِ عن تلك الرؤى        شعرا ًفقالوا: شاعرٌ مخمورُ
وتضاحكوا هزءا ً فرحتُ متمتما ً          عيشُ الفهيم ِ معَ البهيم ِ مريرُ.

فلا يجد من ملاذ إلا العلماء ليحرروه من كل هذا الركود عسى يكون الإنقاذ
لهذا الواقع بالعلم والاكتشاف، ولاسيما أن العمر في طور البناء قصير،
والحياة سريعة:

ولجأتُ للعلماء أنشدُ عونهمْ            فالأمرُ إن طالَ الركودُ خطيرُ
يا أيُّها العلماءُ هيا أسرعوا             فالعمرُ في طور البناء ِقصير ُ

ولأن العمر قصير في طور البناء، فقد أزفتْ ساعة ُ الوداع الأخير، وأزف الرحيل حيث رحل الطبيب الشاعر وجيه البارودي صباح الأحد -11 شباط / فبراير 1996 م تاركاً بصماته المشرّفة في كل أسرة في حماة, فلا يزال أهالي مدينته يذكرون سيد الأطباء، وسيد المصلحين، طبيبهم وشاعرهم وجيه البارودي حتى أنه لا يكاد أحد من أهالي حماة إلا وله قصة معه، ويعدّونه علماً ورمزاً لمدينتهم حتى اقترن اسمه باسم حماة، فكان ناعورة الشعر التي توقفت عن الدوران، بعد رحلة طويلة من العطاء الذي لا يحدهُ حد ٌّ، والشهرة التي ذاع صيته فيها بكل الآفاق، ولذا فاسمه ما يزال يتردد بيننا، ونوادره تروى رغم سنوات الغياب، ورغم بعد المسافات الفاصلة بين الموت والحياة .

الهوامش :
ديوان - بيني وبين الغواني - المطبوع عام 1950 م والمعاد طباعته في غرة كانون الثاني سنة 1971 م ويشمل القصائد من تاريخ 1925 م لنهاية 1950م .
ديوان - كذا أنا – المطبوع أيضا ً في غرة كانون الثاني من سنة 1971 م، ويشمل القصائد من تاريخ 1950م ولنهاية 1970 م .
ديوان – سيد العشاق – الصادر عام 1994 م .
مجلة الضاد الصادرة بحلب – العددان 1 – 2 – كانون الثاني – شباط 1992 م .

 

من أقواله المأثورة :
قليل من الطب أخطر من الجهل.
أنا أقدم طبيب في حماة، وأقدم سائق في حماة، وأقدم شاعر في حماة، وأتعس
شاعر في حماة. 

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.