نبدأ من حيث انتهينا في الجزء السابق..
.....
وهكذا مضت الأيام بذات الوتيرة، فتبدأ ميرال وسيلين صباحهما مع أول خيوط الفجر، تمشيان معًا صوب الحظيرة الصغيرة قرب البيت. فتجلس سيلين لتحلب البقرة بهدوء وصبر، في حين تجمع ميرال البيض الطازج في سلتها القشّية، وتلقي الحبوب للدجاج. وفي بعض الأيام، تتفقدان الخراف بعناية، تختاران أيّها سيُذبح اليوم، وكذلك تنتقيان الدجاج الذي سيباع أو يُطهى.
بعد الذبح، تجلسان في الفناء الخارجي، تنظفان اللحم جيدًا، وتجهزان بعضه للبيع في السوق، في حين تقسمان اللحم الذي سوف تحتفظان به إلى جزأين: جزء يقطعنه إلى شرائح، فيضعنه في سلة مستوية كبيرة تحت أشعة الشمس حتى يجف، والقسم الآخر تُخزنانه في أكياس خاصة قبل وضعه في التجميد، حرصًا على حفظه لأيام الحاجة.
وبعد أن تنتهي سيلين من إعداد الحصص، تحمل نصيب جدها عبدون وصديق والدها جابر إلى الطاحونة، تقدمه لهما بابتسامة صافية وكلمات طيبة، ثم تعود لتشارك والدتها وجبة الإفطار البسيطة في ساحة الدار. وعند الساعة العاشرة صباحًا، تتركان المنزل معًا متجهتين إلى السوق، تدفعان عربتهما الصغيرة المحملة بخيرات يومهما، مستعدتين لبيع الزبدة، الجبن، البيض، واللحم الطازج، بقلب مطمئن وروح مرحة.
وبعد ساعتين من البيع، كانت الأم وابنتها قد فرغتا من تصريف كل ما أخذتاه معهما. فعادتا إلى منزلهما حتى ترتاحا قليلًا، قبل أن تنشغلا بأعمال التنظيف وتهيئة الغداء. ثم انهمكت ميرال في تجهيز حقيبتها القماشية الكبيرة التي تضع فيها جميع المنسوجات التي حاكتها بأناملها، فيما بدأت سيلين ترتب ملابسها وتتهيأ للعمل.
وعند الساعة الثالثة عصرًا، خرجتا معًا باتجاه قلب القرية. كانتا تمشيان في الطريق الترابي المألوف، حتى وصلتا إلى ساحة النافورة الحجرية الضخمة، التي تُعدّ مركز الحركة في رواسن. هناك افترقتا بابتسامات هادئة وتبادل للوصايا والدعوات بالسلامة.
سارت سيلين نحو مبنى الأكاديمية، حيث تعمل معلمة للغتين الإنجليزية والفرنسية، تُدرّس الأطفال والصبية بشغف وصبر. أما ميرال، فاتجهت إلى محل السيد جبران، تضع أمامه الحقيبة المحمّلة بالمنسوجات التي نسجتها طوال الأيام الماضية. كان يختار منها بعناية، يزن ويقيّم، ثم يخرج نقوده، يدفع لها ثمنها المتفق عليه، وذلك حتى يبيعها في مدينة أونيكس الراقية. وبعدها تعود ميرال إلى البيت، ترتب أركانه وتتهيأ لاستقبال ابنتها عند المساء، تنتظرها بلهفة صامتة تملؤها المحبة والاعتزاز.
وهكذا مضت الأيام رتيبة في وتيرتها، لكنها كانت مفعمة بالحماس والعمل والحيوية. اعتادت ميرال في كل مساء، قبل أن تطفئ قنديلها المتأرجح على الحائط، أن تشطب اليوم المنصرم من التقويم الورقي المعلق قرب نافذتها، وهي تتحرى بعينين مترقبتين قدوم شهر كانون الأول بفارغ الصبر. فقدومه يعني حلول الشتاء الأبيض، تساقط الثلوج، وعودة زوجها الغائب الذي اشتاقت إليه شوقًا أحرق قلبها.
لكن في أحد الأسابيع، وقع ما لم يكن في الحسبان. فوجئت سيلين بساعي البريد يطرق باب بيتهم في يوم الأربعاء، وهو يوم لم يعتد أن يمر فيه عليهم. ناولها رسالة مختومة بابتسامة مجاملة، شكرته بحرارة، وأغلقت الباب بسرعة وهي تنادي والدتها بصوت مرتعش من اللهفة. اجتمعتا تفتحان الرسالة معًا، تكاد أيديهما ترتعش، وقرأت ميرال الرسالة على مهل، تحاول أن تثبت صوتها وتُخفي قلقها.
أخبرهم والدهم أنه نجح أخيرًا في شراء منزل جميل من طابقين تحيط به حديقة صغيرة، قرب مقر عمله، ويصفه بفخر كأنه يريهما إياه بعينيه. وزفّ إليهما خبر ترقيته إلى مدير الحسابات في المصنع، وكذلك عمله الجديد في شركة أجنبية قوية في أونيكس الراقية. لكنه ختم رسالته باعتذار ثقيل على القلب، يخبرهما أنه لن يستطيع العودة في هذا الشتاء، لأنه مضطر أن يواصل جهده بلا هوادة حتى يضمن ترقيته الجديدة ويُثبت مكانته في الشركة.
ذكر لهما أنه يعمل من السادسة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا في المصنع، ثم من الثالثة عصرًا حتى التاسعة مساءً في الشركة الأخرى. وأغلق رسالته بكلمات مملوءة بالحنين، يُطمئنهما على حاله، ويعترف بمدى شوقه الذي ينهشه ليلًا ونهارًا إليهما.
بعد أن أنهتا قراءة الرسالة، خيّم صمت ثقيل بين الأم وابنتها، امتزجت فيه الدموع بابتسامات حزينة. ثم شدّت سيلين على يد والدتها تُواسيها على عدم قدرة والدها على العودة، وبعدها انطلقت بسرعة تُجهز نفسها. وخرجت بعدها من المنزل مسرعة باتجاه الطاحونة، تحمل في قلبها مزيجًا من الفرح والفخر والحزن، عازمة على أن تخبر جدها عبدون وجابر بالأخبار الجميلة والمؤلمة في آنٍ واحد.
ما إن وصلت سيلين إلى الطاحونة حتى تباطأت خطواتها، وقد بدا عليها القلق. فهناك عند المدخل، توجد حركة غير معتادة، همسات متوترة ووجوه واجمة. توقفت تراقب بعينين قلقتين، ثم لمحت فجأة صديقتها القديمة جميلة تندفع نحوها وعلى وجهها علامات القلق. وما إن اقتربت جميلة حتى قبضت على ذراعها وتحدثت بسرعة وهي تلتقط أنفاسها:
جميلة: أسرعي يا سيلين إلى بيت جدك... اشتد عليه التعب فجأة! جابر أخذه إلى منزله، وخادمه رزوان ذهب ينادي الطبيب الدكتور عارف.
انعقد حاجبا سيلين فورًا، وشدّت قبضتها على طرف ثوبها، قبل أن تستدير بخفّة وتُسرع الخُطى نحو البيت. هناك أبلغت والدتها ميرال بالأمر بقلق واضح، فتبادلت معها نظرة جادّة سريعة، وخرجتا معًا بخطوات سريعة وقلبين مثقلين بالترقّب، تتسارع أنفاسهما بينما تقطعان الطريق نحو منزل عبدون.
لم تمرّ سوى دقائق معدودة حتى وصلت سيلين وميرال إلى بيت عبدون، فالمسافة قريبة من منزلهما. دفعت سيلين الباب، ووقع بصرها على جابر يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وبجواره ابنه الأكبر بركات، كما وقف عثمان والد خطيبها في صمت متوتر. تقدّمت سيلين بخطوات مضطربة، وهمست بصوت متهدّج يخنقه القلق:
سيلين: كيف هو؟
توقّف جابر فجأة، التفت نحوها، ثم اندفع يحتضنها بقوّة كأنّه يثبّتها على الأرض كي لا تهوي من الهلع. أمّا ميرال، فقد ارتفع صوتها على الفور بنبرة قلقة حادّة:
ميرال: أخبروني... بالله عليكم، كيف حاله؟!
أشار بركات برأسه نحو الداخل وهو يتمتم:
بركات: الطبيب ما زال في الداخل.
رفعت سيلين وجهها من صدر جابر، الدموع تتجمع في عينيها رغم محاولتها الثبات:
سيلين: ما الذي حدث؟
تنهد عثمان، وأشاح ببصره للحظة، ثم أجاب بصوته المرهق:
عثمان: كان يعمل كعادته، فجأة سقط عن كرسيه مغشيًا عليه. جابر وجده يتنفّس بصعوبة، فاستدعينا الطبيب فورًا.
وقبل أن يتبادلوا المزيد من الكلمات، فُتح الباب الخشبي الصغير ببطء، وخرج الطبيب عارف، وجهه شاحب متجهّم لا يحمل أي أمل. سكنت الغرفة فجأة. لم يجرؤ أحد على السؤال. وبعد صمت ثقيل، بلع جابر ريقه وجمع شجاعته، سأل بصوت مبحوح:
جابر: أخبرنا يا دكتور... كيف هو؟
أطرق الطبيب برأسه للحظة، زفر بعمق، ثم رفع عينيه إليهم وقال بنبرة منخفضة:
الطبيب: إنّه يطلب المسامحة.
سقط الخبر في الغرفة كصاعقة، وخيّم صمت ثقيل قاتم. شحب وجه ميرال وتصلّبت نظرتها، فيما ارتعشت شفتا سيلين قبل أن تفيض دموعها مدرارًا، فأخذت تشهق بأنين مخنوق، ودفنت وجهها في صدر جابر، الذي ضمّها بقوة أبوية صادقة، يُخفي دموعه المتجمّعة، ويشدّ ذراعيه حولها حتى يمنعها من الانهيار تمامًا، فيما انتشر الحزن في كل ركن، وكأنّ الهواء نفسه صار ينوح معهم. أمّا ميرال، فاندفعت نحو باب الغرفة بعزم مفطور، لكن الطبيب أوقفها برفق، وأمسك بيدها قائلًا بحزن:
الطبيب: عليكِ أن تكوني قوية.
لم يكن أحد في البيت إلا وغصّ صوته وهو يحاول مواساتهما، يربتون على كتفيهما، يهمسون بكلمات صبر ودعاء، في حين بقي صدى الخبر الثقيل يتردّد في القلوب المكلومة.
بعدها بساعة واحدة، تجمّع أهل قرية رواسن في بيت فارس وميرال لمواساتهم في مصابهم الجلل. امتلأت الغرفة بالوجوه الحزينة والكلمات المرهفة التي تُخفف وجع الفقد. كانت سيلين تجلس قرب والدتها، متماسكتين قدر ما استطاعتا، فيما ترتعش أيديهما وهما تردّان الشكر للناس الذين لم يتركوهم لحظة واحدة. أمّا جابر، فكان في كل مكان، يُنظّم التعازي، ويُشرف على تقديم الضيافة، ثم أرسل برقية عاجلة إلى فارس في المدينة. ولم يطل المساء حتى جاءه الرد، برسالة قصيرة حزينة:
«أخي جابر، تولَّ الأمر نيابة عني، فأنا لا أستطيع ترك عملي، فلقد وافق المصنع على منحي الإجازة، ولكن الشركة رفضتها. لذلك، أخي، أرجو منك أن تدفنوا أبي قرب أمي. وأرجو منك كذلك أن تقوم بإرسال ميرال وسيلين إليّ بعد ثلاثة أيام كحد أقصى، رجاءً اجعل سفرهما صباحًا لأتمكّن من استقبالهما. وهذا هو عنوان بيتنا الجديد...
أخوك فارس»
قرأ جابر الرسالة أكثر من مرة، وصوته يتهدّج وهو ينقلها إلى ميرال وسيلين. ضرب الحزن قلوبهما بعنف، ولكنهما لم تنوحا، بل تبادلتا نظرات صامتة دامعة، تواعدتا فيها أن تُكملا الطريق. وفي اليوم التالي، بدأت ميرال وسيلين في ترتيب كل شيء: باعتا الخراف والدجاج والبقرة، بقلوب مثقلة، وهما تداعبان رؤوس الحيوانات للمرة الأخيرة قبل تسليمها للجيران الذين يعلمون كم تعبتا في رعايتها. جفّفتا دموعهما وأكملتا توضيب الأغراض.
تسابق أهل رواسن لمساعدتهما، نقلوا الأكياس والصناديق، رتّبوا الأمتعة، غسلوا الأواني وأغلقوا الأبواب. كانت ضحكات الأطفال خافتة على غير المعتاد، والقناديل تضيء بيت عبدون الراحل كأنها تودّعه. فلم يكن سهلًا على سيلين أن تطوي صفحة عمرها، ومسحة الغبار عن المقعد الذي كان جدها يجلس فيه ذات مرة، في حين ميرال تُلملم أغطية الطاولة بحذر، تتفقد كل شيء كمن يودّع جزءًا من قلبه.
ومع حلول الليل، خفتت الأصوات في الدار، انطفأت قناديلها واحدًا تلو الآخر، وبقي في قلب رواسن نورٌ خافتٌ حزين، يُشيّع عبدون إلى مثواه الأخير، ويودّع ابنتيه في طريقهما إلى حياة جديدة في أونيكس الراقية.
وفي مكان آخر من قرية رواسن، جلس عثمان يكتب برقية مستعجلة إلى سليم، يخبره فيها بوفاة عبدون، ويُبلغه بأن ميرال وسيلين ستغادران القرية بعد ثلاثة أيام. وصل الرد في المساء، برسالة مقتضبة وحزينة من سليم يعدهم فيها بأنه سيحاول قدر المستطاع أن يكون في المحطة عند وصولهم. فرفعت وداد عينيها إلى زوجها، تملأها الحسرة، وقالت بهدوء متألم:
وداد: كيف لا يكون موجودًا في هذا الوقت... صغيرتي في أمسّ الحاجة إليه.
تنهد عثمان بقلق واضح، وأطرق وهو يفرك يديه:
عثمان: الشركات الأجنبية لا تعترف بالظروف الطارئة... انتزاع موافقتهم يحتاج إلى معجزة. وأخاف أن تحمله سيلين في قلبها لومًا وعتبًا لا يستحقه.
وهكذا مضت الأيام ثقيلة، حتى جاء صباح الرحيل. حضر جابر بعربته التي تجرها الخيول البلدية، ولكنها هذه المرة لم تحمل أكياس الحبوب، بل امتلأت بأمتعة العائلة، وصندوق صغير يضم مقتنيات عبدون الشخصية التي جمعوها من منزله. استغرق تحميل العربة نصف ساعة كاملة، ثم صعدت ميرال بمساعدة جابر وزوجته، في حين حمل جابر سيلين بذراعيه كأبٍ يضم ابنته للمرة الأخيرة. شدّ عليها ذراعيه بشوق، يهمس لها بأمان، قبل أن يضعها في العربة.
ركب جابر وأهله في عربة أخرى، وأغلق باب بيت عبدون للمرة الأخيرة بيده، يُطيل النظر إلى عتبة المنزل وكأنه يودّع صديق عمره للمرة الأخيرة. ثم أشار إلى السائق بأن ينطلق بأقصى سرعة، حتى يضمنوا اللحاق بالقطار قبل مغادرته. وخلال الرحلة الطويلة إلى المحطة، ظلّت سيلين تلتفت إلى الوراء، ترنو بعينين دامعتين إلى الطاحونة، مكان ذكرياتها وجدّها، تراقبها وهي تختفي رويدًا عن ناظريها. على جانبي الطريق، وقف أهل القرية يلوّحون لهم بالأيدي وعيون دامعة وقلوب مكسورة، يُرددون الدعوات والوصايا.
وأخيرًا، بعد نحو ساعة من المسير، وصل الموكب إلى محطة القطار. هناك، وجدوا عمّال الطاحونة في انتظارهم، وقفوا صفًا واحدًا كالسد، يُنادون عليهم بحب. ثم أسرعوا إلى العربات، وأخذوا ينقلون الأمتعة إلى العربة الخامسة في القطار. وهنا احتضنت سيلين وميرال أهل قريتهما واحدًا تلو الآخر، تُودّعهم والدموع تنهمر من العيون، لا تجد كلامًا يليق بفراق عمرٍ كامل. وداع حزين مؤلم، لم يستطع البعض أن يتفوه بكلمة، واكتفى بالعناق والدموع. إنّه وداع يحمل دفء القرية الذي سيبقى في قلبيهما أينما ذهبا.
فجأة، شقّ صوت صافرة القطار عنان السماء، فتوجّهت الأنظار تلقائيًا نحو الخط القادم من المدينة. ومع تباطؤ العجلات وصوت الكوابح المعدني، توقّف القطار، وخرج منه رجلٌ بملامح مبللة بالدمع... فارس. بعيون حمراء وقلب مثقل، خطا نحو منصة المحطة، وما إن لمحه الناس حتى تجمهروا حوله، يُواسونه بكلمات محبة وهمسات مواساة، تمليها القلوب لا الألسنة. ثم انشقّ الحشد كالماء أمام السيف، وظهر جابر وأبناؤه، يسيرون نحوه بخطى ثابتة.
وما إن وقعت عيناه على صديق العمر حتى اندفع نحوه، واحتواه في عناقٍ عنيف وتربيت على الظهور يكاد يمزّقها. ثم دفن فارس رأسه على كتف جابر، وانفجرت دموعه دون خجل، فتركه جابر كما هو، يُربت على ظهره برفق، يمنحه فرصة حتى يهدأ من جديد.
وعندما هدأت العاصفة في صدره، ابتعد قليلًا، وأخرج من جيبه أوراقًا مطوية، ورفعها وهو يقول بصوت منكسر:
فارس: هذه أوراق بيع الطاحونة...
لكن جابر لم يدعه يُكمل، فانتزع الأوراق من يده، مزّقها دون تردّد، وقال بصرامة ممزوجة بالمحبّة:
جابر: أيها المغفّل... الطاحونة ستبقى مكانها، وستبقى أنت ربّها. سأنتظركم في الشتاء... وإن لم تأتِ، فكن مستعدًا، لأني سآتي بنفسي لألقّنك درسًا!
ضحك الاثنان وهما يتعانقان من جديد بعنف أشد. وفجأة، وسط الحشد المتزاحم، علا صوتٌ ناعم مفعم بالرجاء:
الصوت: أفسحوا الطريق، رجاءً!
التفت الجميع نحو الصوت، وإذا بصفٍ من القادمين يندفع وسط الحشود... فاندمجت العائلتان، ووسط هذا الزحام... وجدت سيلين نفسها محاصرة بين والديها، جابر وفارس، اللذين حشراها في وسطهما، يُغمرانها بعناق دافئ مملوء بالشوق والحنان.
لكن قبل أن يتمكن جابر من الصراخ على الحشد كي يفسحوا المجال لهذا الصوت المستفز، طارت سيلين فجأة من بينهما، بصورة مباغتة، وفي رمشة عين... وجدت نفسها في حضن سليم.
ابتسم لها بشقاوة ممزوجة بحزن صامت، وهمس لها بصوته الطبيعي:
سليم: أتهربين من دوني، أيتها الشقية؟
أخذت تنظر له بصدمة وتكلّمت بذهول:
سيلين: سيّدُ صخرة... عديمُ المشاعر... متى عدت؟
ابتسم وهو ينزع وشاحها الزهري، ويضعه على كتفيها برفق:
سليم: أنا معكِ دائمًا، يا حلوتي.
عانقته بقوة، وعانقها بقوة مضاعفة.
سيلين (بهمس باكٍ): فاقد الإحساس...
وقبل أن يُكمل سليم ردّه، قاطعه صوتٌ جهوري:
عثمان (بانفعال): أنتما! القطار على وشك المغادرة... ماذا تنتظران؟!
رنّت صافرة القطار مجددًا، وصرخ فارس وجابر في الوقت ذاته يُنادونهما، فتحرّك سليم بسرعة، احتضن والده في عناق خاطف، ثم حمل سيلين بين ذراعيه، وانطلق نحو العربة. وما إن دخلا، حتى تحرّك القطار مغادرًا المحطة. فأنزل سليم حبيبته التي أخذت تُلوّح لأهل قريتها، ووالدها جابر... وللطاحونة، وجدّها عبدون.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.