أشرقت الشمس، وهبّت نسمات الريح المنعشة تداعب الستائر، فتحت سيلين عينيها بكسل، وألقت نظرة خاطفة إلى النافذة، ابتسمت إلى النور الذي تسلّل خجولًا، ثم انكمشت تحت الغطاء وعادت إلى النوم من جديد. وبعد ساعة تعالى صوت أمها السيدة ميرال يقطع هدوء الصباح.
- ميرال (بنداء معتاد): استيقظي يا سيلين.
رفعت سيلين رأسها بتكاسل، تمطّت كقطة خرجت من الحلم لتوّها، ثم نهضت متثاقلة، ثم مشت نحو النافذة وفتحتها على مصراعيها، تنفّست الهواء المنعش دفعة واحدة، ثم صرخت بصوتها المميز:
- سيلين (مبتسمة): استيقظت.
- ميرال (من ساحة البيت): جيّد، هيا بسرعة، ساعديني.
استيقظت سيلين متثاقلة، فتمددت قليلًا قبل أن تتجه نحو الحمام بخطوات بطيئة، انهمر الماء المنعش من الصنبور مزيلًا عنها آثار النوم، ثم تابعت روتينها الصباحي المعتاد، خرجت من الحمام وقد جففت وجهها بمنشفة صغيرة، وأغلقت النافذة بهدوء قبل أن تستبدل بملابسها ثوبها الريفي الفضفاض وسترتها الضيقة بألوانها الزاهية وحذاءها المريح.
بعد انتهائها من تجهيز نفسها، رتبت فراشها بعناية، ثم جلست أمام مرآتها الخشبية العتيقة تمشط شعرها الذهبي الطويل الكثيف الذي يتدلى إلى منتصف ظهرها، ثم ربطته بشريط أبيض على شكل ذيل حصان، ثم نهضت بهدوء، وغادرت الغرفة متجهة نحو الطابق السفلي.
شرعت سيلين في روتينها المعتاد متوجهة إلى الحظيرة بخطا نشيطة تعبّر عن حيويتها الصباحية، أطعمت الحيوانات بمحبة، وحلبت البقرة بعناية، ثم عادت إلى المنزل تحمل دلوين مملوئين بالحليب، واحدًا في كل يد، ووالدتها تمشي خلفها، تحمل سلة مملوءة بالبيض الطازج.
ما إن دخلتا المطبخ حتى بدأتا بإعداد الجبنة والزبدة، حين كانت الفطائر تُطهى على الموقد، ورائحة السمن البلدي تملأ المكان بأريجٍ شهي، سلقتا البيض، ورتبتا الطعام واحدة أشهى ترتيب، ثم أحضرت ميرال سلّة القش، وبدأتا بملئها بكل ما لذّ وطاب بعناية وحذر، وعندما فرغتا وضعت ميرال قطعة قماش سميكة فوق أطباق الطعام، ونسّقت أطرافها بعناية على جنبات السلّة، حتى لا يبرد الطعام.
حملتها وتوجهت بعد ذلك نحو الباب، حيث كانت سيلين تنتظر، فمدّت يدها إلى المشجب المثبّت جوار الباب، انتزعت وشاحها، ولفّته على كتفيها، ثم عقدت طرفيه أمام صدرها بإحكام، وبعدما انتهت، قبّلت والدتها، وتسلّمت السلّة منها، ثم غادرت المنزل بخطا ثابتة، تابعتها ميرال ببصرها وهلة، ثم عادت إلى الداخل، وتوجّهت نحو الطاولة لتُكمل إعداد الإفطار، ريثما تعود ابنتها.
انطلقت سيلين بخطوات واسعة، تحمل السلة بحذر على ذراعها على الرغم من ثقلها، متجهة نحو التلة المرتفعة المقابلة لمنزلها، يفصل بينهما طريق ترابي مستوٍ، تسلكه العربات التي تجرها الحمير عادة، أو الخيول البلدية لدى القلة الميسورة، وعند القمة توقفت قليلًا، التقطت أنفاسها بعمق من الهواء المنعش الذي لفح وجهها، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها قبل أن تتابع السير.
فالمنطقة في أعلى التلة فسيحة، يغطيها العشب الأخضر الكثيف على امتداد البصر، تتناثر فيه الورود البرية بألوان متعددة تمنح المكان هدوءًا طبيعيًا، تنتصب أشجار ضخمة قليلة موزعة عشوائية، تحمل أغصانها ثمارًا ناضجة، في حين يزداد العشب الأخضر كثافة في بعض الزوايا، فيوفر بقعًا من الظل الصافي. وفي نهاية المرج يلوح نهر الموران بوضوح، يتدفق بقوة منتظمة من سفوح الجبال البعيدة، يشق الأرض بخط متعرج يزداد عنفًا قرب الطاحونة، ماؤه بارد صافٍ يلمع تحت ضوء الشمس، ويعلو خريره كلما اقترب من عجلات الطاحونة الضخمة التي تدور ببطء وبوتيرة منتظمة دون توقف.
تقبع الطاحونة على ضفة النهر عند نقطة ضيقة تجبر الماء على الاندفاع بقوة، ما يدفع العجلات الحجرية الثقيلة بثبات، بناؤها قديم متين، حجارتها داكنة بفعل الرطوبة وطول السنين، سقفها مائل مغطى بالقرميد، وتعلوها نافذة مستديرة يخرج منها أحيانًا دخان خفيف من موقد العاملين. ويتوافد إليها سكان قرية رواسن وكذلك القرى المجاورة، لأنها المكان الوحيد لطحن الحبوب بأنواعها، أمام مدخلها الرئيس يصطف الناس في صف طويل، بعضهم في سياراتهم الريفية البسيطة، وبعضهم في عرباتٍ تجرها الحمير أو الخيول البلدية، وآخرون على دراجاتهم الهوائية، جميعهم ينتظرون دورهم على الطريق الترابي العريض.
هذا الطريق الوحيد يخترق المرج، مقسوم بوضوح إلى مسارين: أحدهما للذهاب، والآخر للإياب، محفور بعجلات العربات التي رسمت فيه خطوطًا واضحة عبر السنين. ينطلق من الجهة الرئيسة للقرية، ويمتد في خط مستقيم تقريبًا حتى الطاحونة، حتى يسهل الوصول إليها. شدّت سيلين وشاحها حول كتفيها أكثر، ونقلت السلة إلى ذراعها الأخرى، وعيناها تراقبان الصف الطويل والحركة الدؤوبة أمام المبنى العتيق، ثم تابعت سيرها بخطا ثابتة، تدرك أن يومها لن ينتهي إلا هناك.
بينما كانت تسير، انطلق خيالها بعيدًا إلى ذكرى الخامس من آذار، قبل خمس سنوات مضت، كان ذلك اليوم الذي ودّع فيه والدها السيد سليم القريةَ متوجهًا نحو المدينة، بعد أن حصل على فرصة عمل رائعة ذات دخل وفير في أحد مصانع التعليب، بفضل دعم صديق قديم، في صباح ذلك اليوم غير الاعتيادي، اصطحبهم والدها إلى محطة القطار الوحيدة، حيث كانت عربات البخار العتيقة تصطف في صفوف منتظمة، لا تزال تحتفظ بحياتها على الرغْم من مرور الزمن.
في تلك المدة أعيد تشغيل هذه القطارات من جديد بعدما امتلأت المخازن في القرى والمدن بأكياس الفحم المستخرج بانتظام من المناجم، ولم يكن ذلك السبب الوحيد، بل جاءت العودة أيضًا حلًّا عمليًّا بعد أن واجهت القطارات الحديثة معضلة الانقطاع المتكرر في الكهرباء، ما عطّل حركتها، ولتجنب تلك المشكلات جرى اعتماد قطارات البخار مجددًا، لكن بعد تجديد مقصوراتها الداخلية وفحصها بعناية لتؤدي خدمتها بأمان وكفاءة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.