الضغط النفسي المرضي والطاقات السلبية الناتجة عنه

توقفنا في المقال السابق عند تحفظ مصابي الألم النفسي وعدم رغبتهم في التحدث عن أسباب ألمهم النفسي المرتبط بأوجاع وآلام الماضي، مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك لا ينطبق عليهم أجمعين، وفي هذا الجزء نمضي سويًّا لكي نكمل فكرة أثر المشاعر السلبية على حياتهم، والتي تتحكم - المشاعر - في مصادر الطاقة لديهم، ويظهر ذلك في كيفية سلوكهم الانفعالي تجاه محيطهم بفعل الضغط النفسي المرضي.

اقرأ أيضاً 4 فوائد مدهشة للضغط النفسي.. تعرف عليها الآن

أثر الضغط النفسي المرضي

والضغط النفسي المرضي في اعتقادي هو شعور تكوَّن نتيجة لإجهاد ذهني ونفسي في حدث مؤلم قد وقع في الماضي خلق عدم توازن عقلي ونفسي للشخص المصاب في مقدرته على مقابلة متطلبات حياته، وكل ذلك تأتى بسبب غلق نفسه داخل دائرة الشعور بالذنب تجاه  ماضيه وهو شعور طاقي يحمل صفة الإحساس بالحرقة والألم ويكون ظاهرًا في انفعالاته الفكرية والعاطفية والوجدانية.

الضغط النفسي المرضي يجعل صاحبه في حالة من الشرود الذهني وعدم الرغبة في مخالطة الآخرين، ويمكن أن يوصله أيضًا إلى عيش ما يسمى بالليالي السوداء التي قد تكون مصحوبة بنوبات من البكاء، كلٌّ على حسب مصابه والتي تخلو – الليالي - من النوم إجمالًا في أغلب الأحيان.

وقصدي من التحدث عن الضغط النفسي المرضي لأنني أعتبره البوابة الرئيسة لاكتساب الطاقات السلبية بسبب قمع وكبت المشاعر السلبية لدى الشخص المصاب والتي بسببها تشتد طاقة المقاومة الداخلية النفسية للمصاب من التمتع بالهدوء وراحة البال طيلة فترة إصابته؛ أي أنه يعيش حياته موجهًا اللوم للحياة نفسها والآخرين.  

اقرأ أيضاً كيفية التخلص من الضغوط النفسية ؟

الطاقات السلبية الناتجة عن الضغط النفسي المرضي

وهي تلكم الطاقات التي تطرقت لها في الجزء الرابع والمتمثلة في الغضب، الرغبة في التملك، الخوف، الشعور بالذنب... إلخ والتي أود أن أتحدث فيها بشيء من التفصيل مستصحبًا توضيحات د. ديفيد هاوكينز، في كتابه "السماح بالرحيل" والذي صنَّف طاقة المشاعر أو الشعور الإنسانية بناءً على رسم خطوط المقياس الأساسي للطاقات ابتداء من الطاقة العليا وفي مقدمتها طاقة السلام وانتهاءً بالدنيا وأدناها طاقة الإحساس بالموت. والدنيا هي التي تهمنا هنا، ونأخذ أولاها وهي طاقة الغضب:

هي طاقة تُحدث خللًا سلوكيًّا لحظيًّا في الشعور يؤثر في شكل تصرف وانفعال الشخص المعافى نفسيًّا تجاه حدث معين لحظة وقوعه متلازمًا لتوقيت مسبباته، وتظهر ملامحه في تعبيرات الوجه والجسد.

لكن طاقة الغضب لدى مصاب الألم النفسي تختلف عن الشخص المعافى نفسيًّا؛ لأننا نجد أن سمت غضبه مزاجي مرتبط بحالته النفسية وينتابه خلال يومه أكثر من مرة أحيانًا، وسبب تكراره هو الشعور الداخلي الذي يضيق به صدره من آلامه وأوجاعه ويدفعه إلى الرغبة في الانتقام وتصفية حساب الماضي من المتسبب الرئيس في ألمه.

كما أوضح ذلك د. ديفيد هاوكينز؛ عندما تحدث عن طاقة الغضب قائلًا؛ إنها تتغلب على مصدر الخوف من خلال الإكراه والتهديد والهجوم. وقد يتراوح الغضب ما بين الاستشاطة غضبًا إلى الاستياء المعتدل وهو يشمل الانتقام وحب الانتقام والإساءة والسخط والحنق والغيرة والغيظ والكراهية والاحتقار والغضب الشديد والجدل والخصومة والسخرية.. إلخ.

 وهذا يؤكد بأن طاقة الغضب تستنسخ من هالتها طاقات سلبية عديدة كما عددها د. ديفيد؛ وهذا يتفق تمامًا مع ما أسلفته سابقًا، فبالتالي طاقة الغضب تجعل مصاب الألم النفسي مقيدًا تحت وطأتها من غير تفكير إيجابي للسماح لأسباب ألمه بالرحيل وذلك بسبب تقديره للمشاعر السلبية المرتبطة بالماضي أو بسبب الغضب من شعور مؤلم لم يعمل على التخلي عنه في الحال.

اقرأ أيضاً ما هو الضغط النفسي؟

الرغبة في التملك

الحوار الداخلي السلبي أو ما يسمى بجلد الذات الذي يفتعله مصاب الألم النفسي  فيما بين عقله الواعي واللاواعي؛ يجعله - الحوار - في حالة من الذاكرة الدائمة لمسببات ألمه التي أصبحت من أولويات أفكاره العقلية والنفسية؛ وتدفعه إلى التفكير حول كيفية معينة تضمن له استعادة ما كان يجعله سعيدًا في السابق أي يفكر بالحصول على ما فقده وبسببه تحولت حياته إلى آلام وأوجاع نفسية سواء أكان ذلك الفقدان يتمثل في مال قد خسره أم علاقة عاطفية أم اجتماعية أم غدر أم خيانة.. إلخ.

وكل ذلك يحدث له لأن عقلة اللاواعي تبرمج على ذلك الحوار السام في أفكاره ويوهمه في نفس الوقت بأن شفاءه النفسي يكمن في استعادة ما فقده، من غير أن ينتبه بأن كل ما جرى له كان بسبب تعلقه بماضيه والذي لعب فيه التعلق بالشيء دورًا رئيسًا  أدى إلى التسبب في الفقدان واكتساب المشاعر السلبية نتيجة لذلك.

 وقتها لا يعي بأنه مرتبط بطرف قصته ارتباطًا يسمى بحب التملك والرغبة في الحصول على ما يفكر فيه ويسعده بتحقيق رغباته النفسية؛ من غير وعيه بكل الظروف المحيطة أولًا بالأمر أو الشيء الذي فقده في ماضيه وفقط يلازمه إحساس بأنه سيستمر إلى ما يشاء من غير توقع حدوث صدمة تهدم كل آماله وتهز استقراره النفسي.

وهنا نجد د. ديفيد هاوكينز يقول إن الرغبة دائمًا ما تسعى إلى الأخذ والاستحواذ والمنفعة ،"والحصول" على شيء خارج الذات وهي نهمة وجشعة ولا ترضى أبدًا "وهي تقول يجب أن أصل إليه" أو "أعطني ما أريد وأعطني إياه الآن ".

وحديثه يؤكد أن مصاب الألم النفسي يدفعه إحساس الرغبة في التملك وهو الشعور الذي يجعله يعيش في دائرة  مغلقة وكل ما يشغله بداخلها هو التفكير في استعادة أسباب سعادته المفقودة، من غير الالتفات إلى أسباب أخرى قريبة منه قد تعمل في الحال على شفائه وأولها تسليم الأمر إلى الله عز وجل.

اقرأ أيضاً أهمية الصحة النفسية في الحياة وبعض النصائح للتخلص من الضغط النفسي

الخوف

وهو إحساس يتعمق بداخل مصاب الألم النفسي وهو مصحوب بأحداث ماضية ويصدر له طاقة ظلامية الرؤية تجاه مستقبل حياته وأيضًا خوفًا من الآخر حوله.

والخوف كما عرفه الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (ص 1503) هو عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال، وتعريفه يؤكد بأن القلب هو موطن للخوف النفسي.

بالتالي إن الألم النفسي داء روحي يتملك الحواس الفكرية والحسية للشخص المصاب، فهذا يعني حسب اعتقادي أن للقلب دورًا أساسيًّا مع الحواس الحسية ويعد مسرحًا للآلام والأوجاع ومركزًا للألم النفسي لدى الإنسان.

كما تحدث د. ديفيد هاوكييز، عن الخوف على أنه طاقة ترى أن الخطر يقع في كل مكان وهي طاقة انطوائية ودفاعية ومشغولة بالأمان وتتملك الآخرين وغيورة ولا يهدأ لها بال.

بالإضافة إلى أنها قلقة ومحترسة، ومن بعد حديث هاوكينز يتضح لنا بأن مصاب الألم النفسي يكون في طاقة خوف تجعله في حالة من الشرود الذهني وعدم الاتزان النفسي.

يصبح بسببها من الصعب ممارسته لحياته بكيفية تخلق للمصاب تواصلًا إيجابيًّا مع محيطه يضمن له استعادته لصحة نفسية مستقرة نوعًا ما، والسبب يكمن في تولد طاقة خوف تحمل كل ما وصفناه أعلاه ضد الآخر في مجمل تعاملاته الاجتماعية.

الشعور بالأسى

وهي طاقة هدامة في صفتها حيث تجعل مصاب الألم النفسي في حالة من الصراعات الداخلية الفكرية السامة والظاهرة في إحساسه بالإحباط والخسارة المتمثلتين في مقارنته الدائمة فيما بين الماضي السعيد والحاضر المؤلم.

وكل ذلك يضعه في خانة الإحساس بالعجز واليأس تجاه إنجاز مهام حياته في مضمونها العام مثل أداء مهامه العملية أو دراسته أو القيام بأعباء أسرته.. إلخ، ويدعم ذلك قول د. ديفيد، عن طاقة الأسى بأنها توجد شعورًا بالعجز واليأس والخسارة والندم، بالإضافة إلى شعور "لو كان لديَّ..".

إنه الانفصال والاكتئاب والحزن، إنه شعور((الخاسر)) واليأس مثل: ((لا أستطيع أن أستمر)). ومن بعد حديث هاوكينز، نجد أن مصاب الألم النفسي يكون تائهًا وسط طاقات من الحزن والقنوط، إلى أن يصل للإصابة بحالة اكتآبية كاملة أو جزئية.

 اللامبالاة

وهي طاقة تؤثر سلبًا على التصرف الانفعالي والسلوكي لدى مصاب الألم النفسي تجاه نفسه ومجتمعه.

ومن ثم تسيطر عليه المشاعر السلبية التي تجعله يفتقر للياقة الذهنية والبدنية بسببها والتي وصفها هاوكينز بأنها طاقة تتسم بالقنوط والتظاهر بالموت، وبأنها "تستنزف الآخرين"، وتعيق الحركة ومرتبطة بشعور "لا أستطيع"، "لا أهتم"، والعوز علامة شائعة في هذا المستوى.

وهنا يدلل د. ديفيد، أن ملخص طاقة اللامبالاة يتمحور حول التصرفات الانفعالية والسلوكية لمصاب الألم النفسي والتي تعكسها في شكل تصرفات توحي للآخرين بأنه يستعطف شفقتهم وعطفهم الطاقي لكسب تأييدهم لكي يضمد جراحه النفسية ولكن للأسف لن يحصل على نتائج إيجابية حقيقية تساهم في شفائه وذلك بسبب هروبه من مواجهة الآخر نسبة للمشاعر السلبية المتحكمة في مصدر طاقته.      

طاقة العار

وهي تتكون لدى المصاب من خلال تأثير الطاقات العديدة التي تطرقنا لها سالفًا، وتتميز بعدم رغبته في ممارسة أي نشاط حياتي تجاه نفسه ومجتمعه ويفضل الدخول في عزلة يحس أنها متوافقة مع ذاته فضلًا عن مخالطة الآخرين في محيطه.

وهي نفس الطاقة التي صنفها هاوكينز، في المستوى رقم "20" من مستويات الوعي وهي الطاقة الأقرب لمستوى طاقة الموت، وقال عنها إنها طاقة تتميز بالذل مثل "إنه ملطخ بالعار" وهي عادة ما تكون مصاحبة للشعور بالنفي ومدمرة للصحة وتؤدي إلى الشعور بالقسوة تجاه الذات والآخرين.

ومن خلال تعريف هاوكينز، يتضح بأن طاقة الشعور بالعار هي التي تصل فيها المشاعر السلبية إلى قمتها في تملك مصاب الألم النفسي حتى يصل إلى مرحلة من الشعور بعدم الرغبة في الحياة أي  يكون في طاقة اللاشيء والتي تجعل البعض منهم يفكرون في مستوى الموت.

وفي ختام هذا الجزء من كيف نتحرر من الماضي، أوجز القول بأن كل التأثيرات الطاقية السلبية التي تطرقت إليها في مجمل الأجزاء السابقة لا تنطبق جميعها على مصابي الألم النفسي.

لكن فضلت أن أستفيض فيها حتى تكتمل الفكرة الطاقية في كل مستوياتها لدى المصابين، ومؤكد أن التأثيرات الطاقية السلبية تختلف من مصاب لآخر في درجة تأثيرها عليه؛ وذلك لأنها طاقات غير مستقرة ومتغيرة بتغير مستويات الوعي لدى المصاب.

كلما كان المصاب في مستويات وعي دنيا فهو عرضة لاكتساب تلكم التأثيرات النفسية السلبية وبالتالي يحيا حياة تفتقر إلى العلاقات الاجتماعية المتكافئة وتتميز بتدنٍّ في قيمتي الأخذ والعطاء وتفتقر للعاطفة في مجملها تجاه نفسه والآخرين.

كاتب مقالات وشاعر

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات وشاعر