ضحكتها الصفراء حين يصمت الوجع

كانت تجلس أمام المرآة، لا تُصلح شيئًا في وجهها، فقط تنظر.

عيناها تائهتان، كأنهما تبحثان عن ملامح امرأة أخرى اختبأت فيها منذ زمن.

على الطاولة أمامها فنجان قهوة بارد، لم تلمسه منذ ساعة، لكنها لا تجرؤ أن تُبعده، كأنها تحب أن تُبقي كل شيء تحت نظرها، حتى الأشياء الصامتة.

لم تكن تخاف الوحدة، كانت تخاف أن يُرى ما خلفها. ذلك الركام الصغير من الوعود المكسورة، من الوجوه التي مرَّت وتركت أثرًا باهتًا كالعطر بعد الرحيل.

كانت تعرف تمامًا كيف تخفي وجعها: تضعه في ترتيب الأشياء، في نظافة المكان، في النظام المبالغ فيه الذي يمنحها وهمًا بالتحكم.

في المقهى ذاته، جلست في الزاوية التي صارت تشبهها. كانت تراقب انعكاسها في الزجاج أكثر مما تراقب الناس. لكنها تراهم جميعًا، تلاحظ من يضحك، من يهمس، ومن ينظر باتجاهها ثم يُشيح بعينيه بسرعة. كانت تنتظر تلك اللحظة الصغيرة، النظرة العابرة التي تُثبت أنها ما زالت تُرى.

لم تكن تريد حديثًا، ولا مديحًا. كل ما أرادته أن يلتفت أحد، ولو لثانية، كأن وجودها لا يزال يُحدث فرقًا. وحين لم يحدث ذلك، عدَّلت خصلتها المنسدلة على وجهها، بخفَّة متعمَّدة، كأنها تقول للعالم دون كلام: «أنا هنا… ألا ترون؟».

لكنها لم تكن تنتظرهم هذه المرة.

كانت تنتظر شيئًا آخر، الخيانة التي شعرت بها قبل أن تصل. كانت تعرف أن الهواء تغيَّر نَفَسه، وأن الوعود التي لا تُقال بدأت تتهاوى بصمت. فكل رسالة تتأخَّر، وكل كلمة ناقصة، كانت جرحًا صغيرًا تضيفه إلى سجلها الداخلي، تُقلِّب فيه كمن يختبر هشاشة الزجاج قبل أن يكسره بنفسه.

وحين وصلت الرسالة أخيرًا، قصيرة باردة كالنهاية، ابتسمت ببرود وقالت في سرِّها: «وأخيرًا... وصلتِ».

لم تبكِ، لم تصرخ، فقط سحبت نفسًا عميقًا، ونظرت حولها كمن يودِّع المكان قبل أن يغادره إلى الأبد.

ثم انحنت قليلًا نحو فنجانها البارد، لم تلمسه، فقط ابتسمت، ضحكتها الصفراء أوصلت عنها كل شيء.

وعندما رفع النادل رأسه ليبحث عنها بعد لحظة، كانت الطاولة فارغة، وكأنها لم تكن هناك يومًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.