بعد دخول القوات السعودية إلى مكة المكرمة، انتقل الصراع على حكم الحجاز إلى فصله الأخير والحاسم. أصبحت مدينة جدة، آخر معاقل الهاشميين، مسرحًا لحصار طويل لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان معركة سياسية ودبلوماسية معقدة. شهدت تلك الفترة مفاوضات ماراثونية، وتدخلات من قناصل الدول العظمى، ومحاولات وساطة من شخصيات دولية بارزة، وصراعًا على تأمين طرق الإمداد وموسم الحج. يستعرض هذا المقال بالتفصيل أحداث حصار جدة، ويكشف كواليس المفاوضات الفاشلة، والتحركات السياسية الدقيقة التي أدت في النهاية إلى حسم الصراع وتوحيد مملكة الحجاز ونجد تحت راية الملك عبدالعزيز آل سعود.
بداية الأزمة وفشل المفاوضات الأولى
جرت محاولات للصلح بين الشريف علي في جدة والسلطان عبدالعزيز في الرياض، ونظرًا لفشل تلك المحاولات، فقد أرسل الشريف علي إلى السلطان عبدالعزيز يقترح عليه عقد الصلح، والعمل على تتمة المفاوضات التي بدأت في مؤتمر الكويت، وختم الشريف علي رسالته بقوله: «وأننا نطلب إليكم سحب قواتكم من الأراضي الحجازية فورًا، وإلا فنحن على استعداد لاستردادها بالقوة والنار».

وكان رد السلطان عبد العزيز بالإيجاز: «إن شروطي الأخيرة هي ألا صلح بيننا ما دام أبناء أبيكم يتوارثون الملك في الحجاز، وأنتم تعلمون أن الحجاز للعالم الإسلامي، فلا ميزة لطائفة من المسلمين على طائفة أخرى». وبذلك تيقن علي أنه لا سبيل أمامه إلا الحرب، وأن عليه الاستعداد لها.
تحركات أعيان جدة وموقف القناصل الدوليين
ومن جهة أخرى اجتمع أعيان جدة في لجنة مشتركة، وقرروا إرسال مندوبين عنهم للمفاوضة مع قادة آل سعود في مكة، كما بعثوا ببرقية إلى السلطان عبد العزيز في الرياض، فحواها أن المنازعات هي في الدرجة الأولى بين السلطان عبد العزيز والشريف حسين وليس للأمة الحجازية دخل فيها، وأنهم يتبرؤون من أفعال الشريف حسين التي أدت إلى سفك الدماء، ما دفع الشعب الحجازي المجتمع في جدة إلى الضغط على الشريف حسين للتنازل عن الملك لابنه علي ملكًا على الحجاز، شريطة النزول على ما ترتضيه الأمم الإسلامية، وطالب المجتمعون في جدة السلطان عبد العزيز استقبال مندوبين من طرفهم للمفاوضة معه في تأمين البلاد المقدسة، وإحلال السلام في الحجاز، ولكن لجنة الأعيان لم تخرج من المفاوضات بشيء يُذكر، سوى شروط ألزمهم بها آل سعود، ملخصها: القبض على الشريف علي أو إجباره على ترك الحجاز أو الموافقة على الاستعانة بقوات سعودية تعينهم على تحقيق أحد الشرطين الأولين.
ويبدو أن رجال الوفد، وكذلك رجال اللجنة المشكلة في جدة، قد اقتنعوا بما اشترطه قادة آل سعود، على الرغم من تظاهرهم بعكس ذلك، حفاظًا على مصالحهم لدى الطرفين.
وما إن وصل السلطان عبدالعزيز إلى مشارف مكة في منطقة تُدعى المصلوم، حتى وافاه ساعي البريد برسالة من القناصل المعتمدين بجدة، كانوا قد أرسلوها إلى قادة آل سعود بمكة المكرمة، فأرسلها قادة آل سعود بدورهم مع البريد إلى السلطان عبد العزيز.
وقد ذكر القناصل في رسالتهم هذه أن موقف دولهم من النزاع بين الطرفين هو حيادي، ويطلبون حماية رعاياهم ومصالحهم في الحجاز، وكان هؤلاء القناصل يمثلون دول بريطانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وهولندا، وإيران.

إن السلطان عبد العزيز لم يكن يتمنى أكثر من ذلك، إذ ترك له القناصل مواجهة الأشراف بحرية، دون عرقلة جهوده أو الوقوف في سبيل تقدمه نحو بقية مدن الحجاز، لتخليصها من فلول الأشراف. وقد أجابهم السلطان عبدالعزيز بالتحية والإكرام، وأنه حبًّا في سلامة رعاياهم والمحافظة على أرواحهم وأملاكهم يعرض عليهم التالي:
-
أن تخصّصوا مكانًا ملائمًا لرعاياكم في داخل مكة أو خارجها، وتُخبرونا بذلك المكان لنُرسل إليهم من رجالنا من يحفظهم ويرعاهم.
-
إذا أحببتم أن تُرسلوهم إلى مكة ليكونوا في جوار حرم الله، بعيدين عن غوائل الحرب وأخطارها، فإننا نقبلهم على الرحب، ونُنزلهم المنزلة اللائقة بهم.
وختم السلطان عبدالعزيز رسالته برجاء إرسال كتاب أهل جدة المرافق لكتاب القناصل، حتى يكون الأهالي على بيّنة من أمرهم. أما رسالة السلطان عبدالعزيز إلى أهل جدة، فقد تضمنت ما يلي: «من عبدالعزيز آل فيصل آل سعود إلى أهالي جدة كافة، إن معظم العالم الإسلامي أبدى اعتراضه على الحكم الحجازي بزعامة الحسين وأولاده، وأننا نعرض عليكم الأمان، وعهد الله في أموالكم وأنفسكم شريطة خروجكم إلى مكان معين أو القدوم إلى مكة، أو الضغط على الشريف علي وإخراجه من مدينتكم»، ثم ختم رسالته بإبراء ذمته مما قد يحدث إن هم أطاعوا الشريف علي أو ساعدوه.
وعندما وصلت الرسالتان، رسالة القناصل ورسالة أهل جدة، رد القناصل الرسالة الثانية بحجة أن القاعدة التي اتبعوها هي قاعدة الحياد، ولا يمكن لهم التدخل بصورة أو بأخرى.
تأثير الحصار على جدة واستجابة السلطان عبدالعزيز
أدى تحصُّن الشريف علي بجدة، وقطعه الإمدادات التي ترد من ثغرها إلى مكة، إلى ضيق شديد ألمَّ بأهلها، فعمل السلطان عبدالعزيز على التخفيف من حدّة الأزمة، وجعل الأرزاق التي تأتي من نواحٍ مختلفة لمكة خاصة بأهلها دون جنود الإخوان الذين دُبِّرت لهم مئونتهم من خارج أرزاق مكة، لئلا تكون مؤنتهم عبئًا على هذا البلد الكريم.
ويمكن القول إجمالًا بأن حرص الشريف علي على منع الأرزاق عن مكة راجع لسببين:
السبب الأول: أنه أراد ألا تصل الحاجيات والمواد الغذائية إلى مكة، فيستفيد منها ابن سعود ورجاله، ما يدعم مركزهم ويزيد من تموينهم، فيساعد على تحرّج موقفهم وخروجهم من حيث أتوا.
السبب الثاني: أن ذلك المنع كان أشبه بحالة الاحتياط التي قد تكون وُضعت في الحسبان عند محاصرة ابن سعود لجدة، وهذا ما حدث بالفعل، حتى يكون تموين جيش الحسين والأهالي، ما يُكسب معه إطالة مدة الأمل في البقاء والنصر وعدم تحرّج موقفه الداخلي في جدة.
ولم يكن أمام ابن سعود، إزاء منع الشريف علي وصول أرزاق الحجاز إليه من جدة، سبيل سوى التفكير في موانئ أخرى عوضًا عن الميناء الرئيس جدة، وكانت أمامه خيارات عدة عمل على الاستفادة منها جميعًا، وأصدر السلطان عبدالعزيز أوامره إلى قادة جيوشه وعُمّاله بفتح طريقين إلى البحر: أحدهما ميناء القنفذة، وهو أول ثغر ضمّته القوات السعودية من عسير، وإن كان يبعد أكثر من مائتي ميل عن مكة، والآخر ميناء الليث، ويبعد مسافة تسعين ميلًا عن مكة إلى الغرب الجنوبي.

وأخذت القوات السعودية في احتلاله بعد اشتباكات دامت بضع ساعات مع حاميته التابعة لأشراف ذوي حسن، كما احتلت قوات آل سعود ميناء رابغ، الذي يبعد مسافة تسعين ميلًا عن جدة إلى الشمال، ومئة وعشرة أميال من مكة إلى الشمال الغربي.
وعلى الرغم من اعتماد آل سعود على هذه الموانئ؛ فإنها لم تكن عملية في جلب الأرزاق منها وتوفيرها بصورة منتظمة، بسبب اعتداء بعض العشائر من قبيلة حرب على القوافل.
إضافةً إلى أن الشريف عليًّا قد منع السفن التي كانت ترد عبر خط بومباي – فارس إلى ميناء رابغ الواقع شمال جدة، وكانت هذه السفن تحمل حجاجًا، وكان من الممكن لهذه السفن أن تخفف شيئًا من أزمة المؤن الغذائية في مكة ونجد والطائف، وكانت السفينة «س. س. جيهانجير» تحمل (1150) حاجًّا، ونحو (4000) طرد، فلما توجهت صوب ميناء رابغ، تصدّى لها الملك علي ومنعها من الرسو، فاضطرت إلى تغيير وجهتها إلى ميناء بور سودان، وظلّت راسية فيه عشرة أيام.
الوساطات الدولية والمصرية للصلح بين آل سعود والأشراف
في خضم هذه الأحداث ظهرت محاولات أخرى لتحقيق الصلح بين الطرفين، بذلها ثلاثة من كبار الشخصيات، أولهم الفيلسوف العربي المسيحي الديانة أمين الريحاني الذي كانت تربطه صداقة حميمة بالعاهلين السعودي والحجازي، وثانيهم المستعرب الإنجليزي توم فيلبي، الذي كان وكيلًا لإنجلترا في شرق الأردن، وكان هو الآخر صديقًا للعاهلين، وثالثهم السيد طالب النقيب الذي كان وزيرًا وطالبًا لعرش العراق.

لكن رسل السلام الثلاثة هؤلاء قد داهمتهم حُمّى الملاريا في جدة، وأخذوا يراسلون القادة السعوديين بمكة قبل مجيء السلطان ابن سعود إليها، ولما لم يجدوا نتيجة من ذلك، وقد علموا بتحرك ركب السلطان من الرياض إلى مكة، انتظروا ريثما يصل هذا الركب ليقوموا بالوساطة.
فلما وصل السلطان عبدالعزيز، أرسل إلى كلٍّ منهم رسالة على حدة، وقد تضمنت الرسائل الثلاث أنه لا فائدة من الصلح إلا إذا تُرك الشريف علي جانبًا وتخلى عن مطالبه، حقنًا لدماء المسلمين.
وقد ألمح ابن سعود إلى فيلبي وأمين الريحاني في رسالتيه إلى كلٍّ منهما بأن مسيحيتهما تمنعهما من التوسط في مسألة إسلامية بحتة كهذه.
وكان السيد طالب النقيب محل ريبة من جانب الشريف علي لخصومته مع فيصل، أخي الملك علي، على عرش العراق، إضافةً إلى صداقة النقيب مع ابن سعود ذاته، ولذا وقع الاختيار من قبل أعيان جدة على رسول آخر مسلم، هو حسين العويني، أرسله الريحاني ليشرح التفصيلات بنفسه للسلطان عبدالعزيز، فسافر العويني إلى مكة المكرمة في 12/5/1343هـ الموافق 8/12/1924م، فلما انقضى أسبوع دون مجيء الرد من جانب السلطان عبدالعزيز، ازداد الموقف من جانب الشريف علي بجدة توترًا، فاستدعى الشريف علي السيد طالب النقيب والريحاني وفيلبي، مستعرضًا معهم موقف ابن سعود الذي انطوى على أمرين، هما تأخيره الرد، ومنع رجاله من إرسال الفحم كعادته إلى جدة.
وفي الوقت نفسه، أظهر الشريف علي أن جنوده مستعدون للحرب، وأن الطائرات متأهبة، وأنذر وتوعد بإرسال بلاغ إلى أهل مكة تُسقطه إحدى الطائرات، كما أنذر بأنه سيرسل سربًا من الطائرات لرمي القنابل في الأبطح.
لكن الريحاني تمكّن -فيما يبدو- من إقناعه بخطورة هذا العمل على الصعيد الإسلامي، مفندًا رأيه، على الرغم من أن الأبطح ساحة خارج مكة، فإن أول قنبلة تنزل عليهم، يطير خبرها إلى العالم كله، ويكتب الجميع بأن طائرات الشريف علي تمطر مكة بالقنابل، ما يسيء إلى سمعته. وبذلك تمكّن الأقطاب الثلاثة: النقيب، والريحاني، وفيلبي، من تأخير العمل الحربي أيامًا، بعد موافقة الشريف علي.
أما العويني، فقد استقبله السلطان عبدالعزيز بالترحاب والإكرام، وعاد حاملًا جوابًا شافيًا قدّمه إلى الشريف علي، الذي قرأه وتهلل، وقام فقبّل كلًّا من الريحاني والعويني، قائلًا: «قُضي الأمر، وما تبقّى غير الجزئيات. حسين، بارك الله فيك يا أمين».
ويُفهم من ذلك أن محاولات الصلح قد قاربت على تجميع الطرفين، وأصبح السلام قاب قوسين أو أدنى، لولا تدخل عناصر الشر والعاملين على إفساد الجهود لرأب الصدع.
وكانت توجد وساطات من المجلس الإسلامي في فلسطين، ومن جمعية الخلافة الهندية، وغيرها، ولكنها لم تأتِ بنتيجة، وكذلك فشلت محاولات الصلح التي تقدم بها قنصل السوفييت، ووكيل قنصل إيران، ووكيل قنصل هولندا في سنة 1344هـ الموافق 1925م، وفشلت وساطة فؤاد بك الخطيب التي تقدم بها في ذي الحجة 1343هـ/مايو 1925م، وفشلت كذلك في سنة 1343هـ/1925م الوساطة الإنجليزية لموافقتها القيام بذلك، وباستقراء المواقف، نجد أن أسباب الفشل ترجع إلى عدم موافقة ابن سعود على الصلح، وتمسكه بمغادرة الشريف علي أرض الحجاز.
الموقف المصري وساطة دينية وإنسانية بين آل سعود والأشراف
أما الموقف المصري، فقد كان فريدًا من نوعه؛ لأنه موقف حكومي تمثل في هيئة دينية، فقد أوفد الملك فؤاد الأول، ملك مصر، الشيخ محمد مصطفى المراغي، رئيس المحكمة الشرعية، على أمل التوسط للإصلاح والتوفيق، فغادر السويس في 22/2/1344هـ الموافق 10/9/1925م، وبصحبته عبدالوهاب طلعت، أحد موظفي الديوان العالي.

ويُروى أن الشيخ المراغي كان يحمل كتابًا رقيقًا من ملك مصر ردًّا على كتاب سلطان نجد، بمناسبة عزم الأول على زيارة مكة.
وقد نزل الوفد المصري جدة، وقد تقابل مع الشريف علي، وأعرب الأخير عن استعداده وعدم ممانعته في قبول الوساطة المصرية، في حين كانت إجابة السلطان عبد العزيز بأنه لا غاية له سوى إخراج آل الشريف حسين من الحجاز كله، طالبًا انتداب لجنة إسلامية من بلدان المسلمين المهتمة بأمر الحجاز، وأن تؤلف هذه اللجنة بدعوة من الملك فؤاد ملك مصر، وتسافر إلى الحجاز تحت زعامة المندوب المصري، لتتولى دعوة أهل الحجاز إلى انتخاب حاكم من غير آل الشريف، بعد أن يتم جلاء كلا الفريقين المتحاربين.
وقد تمكن حافظ وهبة من احتواء موقف الوفد المصري لمصلحة آل سعود الذين كانوا يخطبون ود مصر ويحرصون على اتصال الودّ بينهما، وأخبر حافظ وهبة الوفد المصري بسعي الحكومة الإنجليزية إلى الصلح قبل شهر، واعتذار السلطان لهم، فلا يكون من اللياقة قبول وساطة مصر.
تمكن حافظ وهبة من تأليب هذا الوفد على الشريف حسين والشريف علي، لأمرهما بردّ المحمل المصري من جدة، واتهامهما البعثة المصرية بتسميم المياه، وأمرهما بنزع اسم ملك مصر من كسوة الكعبة، كما قام حافظ وهبة بعرض بعض ملفات حكومة الأشراف وما فيه من إساءة لمصر وملكها وشعبها على الوفد المصري. وفي الوقت نفسه، فوض السلطان عبدالعزيز ملك مصر أمر دعوة مندوبي العالم الإسلامي، لينظروا في مستقبل الحجاز، وطلب أن يكون ذلك تحت رعاية الملك فؤاد في مصر.
وقد سبقت هذه المبادرة السياسية المصرية مبادرة مصرية إنسانية، فقد أرسلت الجمعية المركزية بالقاهرة بعثة طبية إلى الحجاز، وتألفت من ستة أطباء، وصيدلي، وثمانية ممرضين، وأربع ممرضات، وحكيمة واحدة، وزُوّدت هذه البعثة بكمية كبيرة من الأدوية والعقاقير، إضافةً إلى مستشفى متنقل مكون من ستين سريرًا بمعداته اللازمة، وكان على رأس هذه البعثة الدكتور حسن حلمي كرارة. وقد نصبت هذه البعثة خيامها في الناحية الجنوبية من جدة، ثم انتقلت إلى الطرف الشمالي على شاطئ البحر الأحمر.
وبظهور طلائع الجيش السعودي المتجه إلى حصار جدة، طلب الدكتور كرارة من حكومة الأشراف الإذن بإرسال جزء من البعثة إلى جهة آل سعود، لتتم وظيفتها الإنسانية الحيادية، إلا أن الأشراف رفضوا بحجة أن الطريق غير آمن. وقد حاول الريحاني إثناء الشريف علي عن رفضه، لكن الشريف عليًّا تمسك بموقفه، وأسر إلى الريحاني بسبب موقفه هذا، وأن هناك كتبًا وصلته من مصر يحذره أصحابها من هذه البعثة الخيرية، ويؤكدون أن لها صبغة سياسية. وقد سبق أن ساق الشريف علي وحكومته حججًا مختلفة قبل ذلك متعلقة بأمن الطريق، وعدم توفر الجمال لنقل البعثة إلى الطرف الآخر المحارب.
مفسدو السلام ومصير الحج
عندما أوشكت مساعي الصلح أن تُؤتي ثمارها، كانت توجد عناصر تعمل على هدم الصرح فوق الجميع، وأفسد هؤلاء على المصلحين كل مساعيهم الحميدة. فعندما وصل جواب ابن سعود، أصدر الشريف علي أوامره إلى قيادة قواته بتأجيل إرسال المنشور الحربي الذي كان من المزمع إسقاطه على أهل مكة، وألا يصل الطيارون بطائراتهم إلى موقع بحرة لاستكشافه. لكن اللياقة تجاوزت هذا الأمر الملكي دون علم الشريف علي، فبعد سفر رسول السلم حاملًا جواب الريحاني بتعيين مكان لاجتماع وفود الصلح، حلقت إحدى الطائرات في 29/9/1343هـ الموافق 27/12/1925م فوق الأبطح وفوق المخيم السلطاني بمنطقة الشهداء، وأمطر الطيار المواقع بالمنشورات، ما أفسد على المصلحين عملهم.
وكانت دهشة الجميع عندما علموا أن الشريف عليًّا لا يعرف شيئًا عن تحليق الطائرة وإسقاط المنشور، كما جهل الأمر أيضًا الوزراء ورئيس الحكومة كذلك. وباستدعاء الشريف علي لرئيس وزرائه ووزير حربيته، اعترف الأخير بتجاوز الطائرات بحرة، في حين أنكر إسقاط المنشورات، مبررًا التجاوز بخلل طرأ على محرك الطائرة أرغم الطيار على الإسراف لتفادي السقوط على الأرض. بيد أن الحقيقة تكشفت كما يذكر الريحاني والمختار، فعندما اجتمع أمين الريحاني بضابط المراقبة وهو عبدالفتاح اللاذقي، سأله أن يصدقه الخبر، فقال: «عملت والله بأوامري، نعم، طرنا فوق الأبطح والشهداء، ورمينا المناشير».
كان هذا هو الموقف السياسي على الساحة الحجازية بصفة خاصة، وموقف العالم الإسلامي بصفة عامة.
تداعيات الحصار.. الحج والموانئ البديلة
أما الأحوال المتعلقة بالحج، فقد بات الأمر ينذر بالخطر إزاء سيطرة الشريف علي على جدة، ومنعه الحجاج من الوفود إليها، واحتمالات نشوب الحرب بينه وبين آل سعود.
وقد فتح السلطان عبدالعزيز ثغورًا بديلة عن جدة لاستقبال الحجاج فيها، ومحاولة تأمين الطرق الداخلية. كما أبرق السلطان إلى حاكم عدن التابع للحكومة البريطانية برغبته في قبول من يفد على البلاد من الحجاج في الموانئ التي تحت إدارته، وأنه قد أعدّ العدّة لاستقبال هؤلاء الحجاج في ميناءي القنفذة والليث، وأنه جهز السنابيك والزوارق لنقل الحجاج من السفن إلى البر، وأنه أعد كل ما يضمن راحة النازلين إلى البر من سكن ووسائل نقل إلى مكة المكرمة، وطلب السلطان من حاكم عدن إخبار حكومة الهند، وإبلاغ من يعنيه الأمر من المسلمين باستتاب الأمن والطمأنينة. وقد نجح الحج في الموسم الأول من دخول آل سعود، ودخلت أربعة أفواج من رابغ وحده.
وذكر حافظ وهبة ما حدا بالسلطان عبدالعزيز أن يوفده إلى مصر للتشاور مع حكومتها في الإذن للحجاج من هذا الطريق، وقد وصل حافظ وهبة إلى مصر في 17/4/1344هـ الموافق نوفمبر 1925م، إلا أنه لم يلبث بها إلا قليلًا، لأن المدينة وجدة كانتا قد وقعتا في قبضة آل سعود.
وهكذا، وبعد حصار دام قرابة العام، تضافرت العوامل العسكرية والسياسية والدبلوماسية لتحديد مصير الحجاز، إن إصرار السلطان عبدالعزيز على شروطه، ونجاحه في كسب الحياد الدولي، وتأمينه لموسم الحج، إضافة إلى فشل جميع محاولات الوساطة، كلها عوامل أدت في النهاية إلى استسلام جدة ودخولها تحت الحكم السعودي في ديسمبر 1925. لقد كان حصار جدة هو الفصل الأخير والضروري في مسيرة توحيد البلاد، والذي مهّد الطريق لإعلان قيام المملكة العربية السعودية بعد سنوات قليلة، وبداية عهد جديد في تاريخ المنطقة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.