الصغيرة وكلام الناس - الجزء الثاني

وحين كانت الصغيرة تغوص في حلمها، وتعيش مع تفاصيله تنسى دنيا الواقع الجاف وقسوته على قلبها الرقيق

فكانت تنظر إلى أي ركن في غرفتها ترى الدمية فيه تزينه وتهبه من بريقها بريقًا يطغى على قتامة جدرانها ذات الطلاء المهترئ

وحين يقع بصر الصغيرة على الدمية تتعلق عينا الدمية بوجه الصغيرة متبسمة محيية لها، وقد صورت الأحلام للصغيرة أن الدمية لا تبتسم إلا لها وحدها ولا تحيّي كائنًا سواها

وبالطبع كلما خرجت الصغيرة مع أمها للتسوق طافت بمحلات تعرض دمىً أخرى بمختلف الأشكال ونسب الجمال، لكن صغيرتنا التي تعودت الإخلاص واقعًا وخيالًا. بقيت دائماً على عهدها وإخلاصها لحلمها الغالي

حتى حين كانت عينها تنبهر بأي دمية أخرى، تقارن بينها وبين دمية حلمها وتعدد مزايا هذه وتلك، تجد المقارنة تلقائيًا تنتهي لصالح دمية الأحلام. حتى لو لم يكن لتفوقها على الدمية الأخرى لكن لحب الصغيرة لها. فالفيصل دائمًا في قلب الصغيرة هو الحب، والحب وحده

أما الناس الذين لا يريحون أحدًا، فقد كانوا لا يكفّون ولا يقفون عند حد في الكلام عن الدمية

حتى ضجر قلب الصغيرة من كثرة ثرثرتهم، فقد كان كلامهم  يزيدها إصرارًا على حلمها وفي نفس الوقت يدفعها إلى الكفّ عن الحلم بها.. إذ حين يكون الشئ بكل هذه الروعة والإبهار وهو محطّ إعجاب وحديث الناس، فهذا يحفز على الحلم به والإصرار عليه. لكن، كيف لمخلوق ضعيف فقير لا يملك إلا الأحلام، ولا يشعر أحد بوجوده مثلها أن يعشَم باقتناء شئ ثمين كهذا؟

وعاشت الصغيرة وجعًا كبيرًا لما كان الناس يرشحون لاقتناء الدمية صغيرات أخريات يمتزن بثرائهن الذى يؤهلهن لدفع ثمنها والحصول عليها، فيتمزق قلبها لسماع كلام الناس ولا تستطيع أن تُظهر لهم ألمها بل كان مطلوبًا منها أن تشاركهم أحاديثهم السخيفة تارة بسطحية، وأخرى باهتمام

لكن من ناحية أخرى كان كلام الناس الموجع يسعدها. إذ حين يتحقق الحلم الغالي وتصير الدمية لها، سيغبطها الجميع على حظها السعيد

وعندما كانت تبحر في بحور أحلامها كانت تطير من السعادة لأن الأحلام قد جعلت كل هذا الجمال ملكًا لها وحدها. فالآخرون لهم أن ينظروه، لكن لا أحد سيمسك به غيرها

وبقيت الصغيرة على حالها مع مرور الأيام. إلى أن جاء يوم نما إلى علمها خبر صُعقت له، ذاك أن صاحب المحل أعلن أن مدة عرض الدمية في (الفترينة) مؤقتة وأنها شارفت على الإنتهاء، وأنه بعد إنتهائها سوف يخرجها إلى (الفترينة) على فترات متباعدة ولمدد قصيرة

وحزنت الصغيرة كثيرًا حين سمعت هذا النبأ، وتفكرت في نفسها. ماذا تستطيع أن تفعل حيال هذه المشكلة الكبيرة، وهي الصغيرة الضعيفة، ولفرط بساطتها لا شئ بيدها على الإطلاق، لقد كانت تصبّر نفسها برؤية الدمية حتى يتحقق الحلم، وهي لا تملك المال الذى به تستطيع إنقاذ حلمها.

وبعد طول تفكير.. إنتهت الطفلة إلى أن تستمر في حلمها كما هي، فموت الحلم لا يكون باختفائها من أمام عينها، ولكن ببيعها إلى صغيرة أخرى، وهذا لم يحدث بعد وقد وعد صاحب المحل أن يخرج الدمية إلى (الفترينة) بين الحين والآخر. إذن، فسوف تراها على أية حال

وإذن فليستمر الحلم

وخلال كل ذلك كان أهم ما عليها هو إخفاء مشاعرها عن كل من حولها مهما كان قربه منها

فشخصيتها الأبية وكبريائها كانتا لا تسمحان لها بإظهار شوقها لرؤية الدمية، فحفظت السر بقلبها، واحتفظت به لنفسها

ومرت الأيام، ونفذ صاحب المحل ما وعد به حين قال أنه سيخرج الدمية من وقت لآخر ليراها الجميع.

وحين كانت الصغيرة تسمع خبر أن الدمية ستخرج إلى (الفترينة)، تطير من الفرح، فترتدي أجمل ثيابها وتتزين كأنها عروس ستذهب لمقابلة عريسها

وفي كل مرة كانت تذهب لرؤية الدمية، كانت فرحتها تسبقها. حتى ما إن وقعت عيناها على وجه الدمية. شعرت برغبة قاتلة في تحطيم كل ما يفصل بينهما من حواجز والوصول إليها بأي ثمن وأخذها بين ذراعيها. لكن عقلها الراجح كان يحكم جماح رغبتها فى كل مرة فيمنعها من ارتكاب أي فعل جنوني

كان أكثر ما يؤلم قلب الصغيرة، شعورها أنها ضمن الحاشية، فجميع من في المدينة كان منبهرًا بالدمية ومتلهفًا لرؤيتها. حتى أنه في كثير من المرات حين كانت الصغيرة تصل إلى المحل، كانت تجد في انتظارها صفوفًا من عشاق الدمية تحول بينها وبين الاقتراب من (الفترينة)، فتكتفي المسكينة بالنظر إلى حلمها من بعيد

علاوة على أن أمها كانت دائمًا تتعجل الرحيل عن المكان والعودة إلى المنزل، فتضطر الصغيرة إلى الإستدارة معطية ظهرها (للفترينة)، إلا أن وجهها كان يظل ملتفتًا إلى الوراء وعيناها مثبتتين على الدمية مليئتين بالحزن والإنكسار، وقد تحجرت بهما الدموع.

لم يشعر أحد قط بألم الصغيرة رغم عِظَمِه، حتى أمها، أقرب البشر إليها، لم تعرف شيئًا عما يجول بقلب صغيرتها، ولم تنتبه إلى تصرفاتها الناطقة بالحب

ولأن الصغيرة كانت دائمًا تنتظر الحياة القادمة، التى لم تأتِ بعد، فقد كانت تعتبر كل هذا الألم مجرد مرحلة ستمضى من العمر ثم يحل الفرج ومعه الفرح العظيم

واستمرت الحال على هذا المنوال، والأيام تمر كحلقات السلسلة. إلى أن جاء يوم، عادت فيه الصغيرة من المدرسة في حالة طبيعية. لا يشغل بالها سوى حلمها الذي صار في حياتها حياة أخرى تعيشها

فى ذلك اليوم زار بيتهم أحد أقاربهم، وأحضر للصغيرة هدية، فحين فتحتها وجدتها دمية، لكنها كانت بسيطة كمُهديها، فلم يكن شعرها ناعمًا ولا لونه أسودًا لامعًا يشع منه بريق كشعر دمية أحلامها، ولا كانت ناصعة البياض بل كان لونها قاتمًا وليس زاهيًا

ولم تنكر الصغيرة فضل قريبها الذي فكر فيها وودّ أن يقدم إليها هدية، لكنها أيضًا لم تشعر بالارتياح لهذه الدمية التى رأتها غريبة عن نفسها غير قريبة من قلبها. فلم تستطع تقبلها، ودون النظر للأسباب.. غير أنه كان واجبًا عليها أن تلهو بالدمية وتمسك بها وتُظهر معها سعادة زائفة

ومرت الأيام والصغيرة ممزقة بين دمية الأحلام الحلوة ودمية الواقع المر

حتى جاء يوم، عادت فيه الصغيرة إلى البيت، وحين دلفت إلى الداخل وجدت في انتظارها مفاجأة من العيار الثقيل جدًا

فترى ماذا كانت المفاجأة؟

يتبع 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب