الصغيرة وكلام الناس- الجزء الثالث

تركت الصغيرة المجلس، ودلفت إلى داخل حجرتها وأغلقت بابها. تريد أن تصرخ بأعلى صوتها لتسمعها الدنيا من أقصاها إلى أقصاها. كانت تريد أن يعلم الجميع بحالها الآن

هل صحيح ما سمعت؟!

هل صحيح وقع ما كانت تخشاه؟!

تم حجز الدمية لطفلة أخرى لا تعرفها، ولم يتحدد بعد موعد الإستلام

يا لها من مصيبة!

كانت الصغيرة تعرف أن ذلك قد يحدث فى أي وقت، فالدمية ليست للعرض فقط،  لكنها معروضة للبيع، ولو كان ثمنها باهظًا، لكن الأغنياء يستطيعون دفعه، ومدينتها لا تخلو من الأغنياء القادرين

إلا أنها كانت تعشَم أن يترفق القدر بحالها ويعطف عليها، وألا يخذل حلمها الذي يمثل لها الحياة

لم تدرِ المسكينة ماذا تفعل، وماذا بيد المسكين أن يفعل؟

إلى من تذهب؟

إلى من تشكو ألمها؟

بمن تستغيث؟

لا أحد يستطيع مساعدتها ولا حتى فهمها

لقد أخذتها الأحلام حتى أنستها خوفها من أن يجيء هذا اليوم لتجد نفسها في هذا الموقف، والذي جاء مفاجئًا مباغتًا كالقاتل المترصد ضحيته

ترى ماذا كان ذنب الصغيرة الذي إستحقت عليه هذا العقاب القاسي؟

هل الأحلام التي أنستها الواقع فسبحت بها في بحور الخيال؟

هل إصغاؤها لكلام الناس الذي كان السبب في تعلقها بالدمية بهذا الشكل الجبار، والذي أدى في النهاية إلى إنكسارها؟

نعم... إنه هو، كلام الناس، فهو الذي جذب إنتباهها للدمية

لكن... هل كان عليها أن تصم أذنيها؟

وهل لو أنها فعلت هكذا لكانت نجت مما هي فيه الآن؟

أخذت الأفكار الصغيرة، وشيئًا فشيئًا وجدت نفسها تعود مرة أخرى للأحلام، فبدأت تحلم من جديد بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل حجز الدمية

وعادت لتحلم من جديد بأن تستطيع الحصول على الدمية

وحلمت أيضًا أن يهديها أحدهم دمية تفوق في جمالها وسحرها جمال وسحر الدمية الضائعة، لكن لا فائدة، فالدمية الضائعة تعيش في وجدانها، لا تفارق خيالها أبدًا

وبينما هي تتعذب كل هذا العذاب، كان عليها أن تحرص كل الحرص ألا يلاحظ أحد عذابها. ليس فقط لضياع الدمية. بل ليقينها أنها أقل من الحلم بها، فلو كانت تستطيع الظفر بها لأصبح حلمها مشروعًا

كما كان عليها أيضًا أن تلهو بدميتها البسيطة، ثم تعود تخفيها في الخزانة، ولكن ذات مرة شعرت بضيق واختناق شديدين من هذه الدمية الرخيصة، فما كان منها إلا أن ألقت بها فى سلة المهملات، وكانت تود لو مزقتها إربًا لكنها إكتفت بإلقائها في القمامة

وظلت الدمية العجيبة أمام عينيها نهارًا وليلًا، فصورتها أول ما كانت تستيقظ عليه صباحًا وآخر ما تودعه قبل إغماض عينيها مساءًا

كم قاست الصغيرة! وكان دائمًا عليها إخفاء سرها

كم ضحكت فى وجوه الناس، بينما داخلها يتمزق حزنًا وجزعًا على ضياع حلمها!

وكم أنبتها أمها على إلقائها الدمية البسيطة في سلة المهملات متهمة إياها بقسوة القلب وتبلد المشاعر!

وقد كانت أمها تقول لها أنه لابد أن دمية أخرى تشغل بالها وتضعها نصب أعينها هي السبب

فكانت الصغيرة تضطر أن تضحك في وجه أمها معتبرة هذا الكلام مزاحًا  

عاشت الصغيرة سجينة أحزانها وحدها، وكان عليها أيضًا أن تحتمل كلام الناس عن الدمية الذي للعجب لم يتوقف رغم حجزها، وعن سعد الصغيرة التي ستحظى بها

عاشت الساذجة حلمًا كأنه الواقع، فحين فقدته بكت على أطلاله. كانت تنظر إلى كل ركن تخيلت فيه الدمية يومًا كأنها كانت موجودة بالفعل فلما لم تجدها تمزق قلبها حزنًا وكمدًا

ولطالما تحيرت الصغيرة، لماذا هذه الدمية بالذات؟ فكثيرًا ما أعجبت بدمى، لكنه كان دائمًا إعجابًا مؤقتًا يأخذ وقته ويزول وتعود إلى حلمها بالدمية الشقراء. فلماذا لم يحدث هذه المرة مثل كل مرة سابقة؟

ومرت الأيام والحال كما هي، وإن كان الوقت قد بدأ يضمد شيئًا من جراح القلب، أو ربما بدأت الصغيرة تعتاد هذا الوضع

وبعد أن بدأ لهيب النار يخمد، وألم الجرح يطيب، خرجت الصغيرة مع أمها للتسوق كالعادة، ومرتا من الشارع الذي يقع به محل اللعب، وكانت عينا الصغيرة كلما مرت من هذا الشارع تظلان معلقتين (بالفترينة) لتنظر مكان الدمية الذي ظل فارغًا بعد أن تركته الدمية. لكن هذه المرة كانت المفاجأة المذهلة... إذ نظرت الصغيرة فرأت الدمية قد عادت إلى مكانها

آه... ما هذا؟

هل عادت؟ أم عاد الحلم؟

أم ماذا حدث؟

ركضت الصغيرة إلى (الفترينة) ووقفت أمامها تنظر الدمية بعينين مذهولتين، ثم وجدت نفسها تدخل المحل، وتسأل عن السر

وإنتابت الصغيرة فرحة عارمة غير طبيعية فالفتاة التي حجزت الدمية قد ألغت حجزها واستردت العربون

هل معقول ما سمعت الصغيرة؟ من تحجز هذه الدمية، ثم تعود وتتنازل عنها؟

كيف استطاعت أن تفعل هكذا؟

وعادت الصغيرة إلى البيت لا تدرى هل كانت تسير أم تطير!

وعادت إلى حلمها كسابق عهدها

وعادت تنتظر حكم القدر الذي تؤمن بسلطانه على الحياة وكل ما فيها

ولم تملك إلا أن تنظر إلى السماء وترجو ربًا لا يغفل ولا ينام أن يجعل لعذابها هذا نهاية

تمت

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب