الصغيرة وكلام الناس- الجزء الأول

جلست الصغيرة في حجرتها المتواضعة، خلف مكتبها الذي يحمل كتبها وأدواتها البسيطة، حيث كان والداها موظفين بسيطين لا يملكان شيئًا إلا دخلهما القليل وحبهما الكبير لصغيرتهما

بيد أن الصغيرة كانت تحلم بدنيا غير دنياها. دنيا يسهل فيها تحقيق الأحلام مهما تكلفت. حتى أن مدينتها الصغيرة كانت لا تسع أحلامها الكبيرة وخيالها العريض

كانت في أحلامها تدفع عجلة الزمان إلى الأمام، فتركض بها نحو زمن الرخاء المرتقب، كانت ترى زمانها القادم بعين الأمل كيفما حلمت وتمنت

كانت تحلم بيوم قادم فيه تنضج حياتها، ويأتي ربيعها وتتفتح أزهارها، ويكبر قلبها الصغير ليسع دنيا أكبر من دنياها الطفلة الحالمة

ولما كانت تحلم بما تشاء، وتحصل في خيالها الخصب على ما تحلم به، كان لها حلم ثابت لا يغيره مرور الأيام ولا تبدله الظروف والأحداث. كانت تحلم بأن تمتلك دمية رائعة الجمال، بيضاء اللون، شقراء، ترتدى أغلى الثياب المصنوعة من أفخر الأقمشة

كانت تعيش مع حلمها هذا طوال وقتها، لا يفارقها نهارًا أو ليلًا. أينما ذهبت، كيفما فعلت، معها في البيت، في المدرسة، في الشارع وفي كل مكان تخطوه قدماها

وفي أحد الأيام خرجت الصغيرة مع أمها للتسوق

أمسكت أمها بيدها، وسارتا في شوارع المدينة الصغيرة، تجولان بين المتاجر المختلفة، وبين هذه المتاجر ما هو مرتفع أو منخفض أو متوسط الأسعار

وأخذتا تسيران بين المحالّ حتى توقفت الأم أمام محل للأدوات المنزلية، وبجواره محل للعب الأطفال

كان محل لعب الأطفال هذا معروفًا بارتفاع أسعاره. لأن معروضاته كانت عالية الجودة، ولذلك فإن هذا المحل كان معروفًا على مستوى المدينة الصغيرة أنه للصفوة، لأن أسعاره لا يقوى عليها سوى الأغنياء

وكواحدة من سكان المدينة رغم صغر سنها كانت الصغيرة تعرف ذلك. لكنها كطفلة تجذب انتباهها لعب الأطفال حتى ولو لم يكن في استطاعتها الحصول عليها كانت كلما تواجدت عند المحل تجد نفسها تِلْقَائِيًّا أمام (الفترينة) تتأمل جمال وروعة اللعب المعروضة

إنما الصغيرة سِنًّا، الكبيرة عقلًا، الحالمة. كانت مهما شاهدت ومهما رأت لا تخون حلمها أبدًا ولا تتنازل عن دمية أحلامها الجميلة الجذابة التي لا تفارق مخيلتها لحظة واحدة

ولكن تلبية لنداء طفولتها تركت الصغيرة يد أمها وذهبت لتقف أمام (فترينة) المحل الفاخر، وبينما كانت تنتقل بنظرها بين اللعب المختلفة، وقف نظرها للحظة على دمية مميزة الشكل جِدًّا تأملتها سريعًا. لكن لم تلبث أن انتقلت بعينيها بعيدًا عنها، فهي في بحث دائم عن دمية أحلامها علها تجدها في أي (فترينة)، وهي دائمًا على أمل أن تجدها ولكن بسعر يناسب إمكاناتها المتواضعة جِدًّا

وظلت الصغيرة تنظر إلى اللعب وتتخيل أنها وجدت دمية الأحلام بالسعر المناسب لها بين هذه اللعب، إلى أن جَذَبْت من يدها فنظرت إلى أعلى لتجد أمها تمسك بيدها للذهاب إلى المنزل

عادت الصغيرة، وباتت ليلتها ككل لياليها تحلم بدميتها المنشودة ذات الشعر الأشقر واللون الأبيض والثياب الغالية

وفي صباح اليوم التالي ذهبت كعادتها إلى المدرسة، وقابلت زميلاتها وصديقاتها، فإذا بهن جميعًا، لا حديث لأي منهن إلا عن تلك الدمية العجيبة المعروضة في (فترينة) المحل الشهير

لم تبالِ الصغيرة بالكلام، وانقضى يومها ككل أيامها في المدرسة، وعادت إلى البيت، وهي تعيش مع حلمها الذي لا يفارقها أبدًا

وجاء اليوم التالي، وذهبت إلى المدرسة. فإذا بنفس السيناريو يتكرر، ليس فقط بين الأطفال. لا، بل والكبار أيضًا، فالمدرسون والمديرون، الجميع، لا حديث له إلا عن الدمية العجيبة تلك، جمالها وشكلها المميز الذي لم يروا له مثيلًا من قبل

ولم تبالِ الصغيرة أيضًا بكلامهم، وظلت على حالها وعهدها مع حلم عمرها

إلا أن الموقف ذاته أخذ يتكرر كل يوم، وكلام الناس يزداد عن تلك الدمية المميزة، واتسعت الدائرة لتشمل الجميع في كل مكان، فأصبح سكان المدينة كلهم يتكلمون عن الدمية

وأخيرًا شعرت الصغيرة برغبة في رؤية الدمية وتأملها ثانية، فخرجت مع أمها ذات يوم، وذهبت معها إلى محل الأدوات المنزلية

وكالمرة السابقة تركت الصغيرة يد أمها لتدخل الأم إلى محل الأدوات المنزلية وتقف الصغيرة أمام (فترينة) محل اللعب لتثبِّت نظرها على الدمية محل إعجاب الناس وحديثهم

وهنا أدركت الصغيرة أنها كانت مغمضة العينين في المرة السابقة، فقد كانت دمية عجيبة حَقًّا، لم ترَ لجمالها مثيلًا في أي دمية

لا وصف يصف جمال الدمية. لونها الناصع البياض الذي يشبه لون قلب الطفلة، شعرها الأسود اللامع جِدًّا الذي ذكّرها بليالي الصيف الصافية التي تعشقها، ثيابها التي يصعب أو يستحيل وصف جمالها، دقة جمال ملامحها الهادئة المريحة التي تبعث على السعادة

لكن أغرب ما كان يميز الدمية، تلك الابتسامة الغريبة التي ترتسم على شفتيها في وجه من يقف أمامها، وأنها تركز بعينيها في عينيه وكأنها تقول له: خدني معك

بابتسامتها مع نظرة عينيها وهدوء ملامحها وجمالها غير المعهود، أسرت الدمية قلب الصغيرة وشعرت بقربها من نفسها

وشردت أمامها للحظات، وهي تقول لنفسها إن هذه الدمية صنعة يد فنان ماهر جِدًّا

وتساءلت الصغيرة في نفسها كيف لم تنتبه لكل هذا الجمال وهذه الروعة

فهل يا ترى كان حلمها هو السبب في غفلتها هذه؟

وخرجت الأم من المحل المجاور لتجذبها من يدها فتذهبان إلى البيت

وعقل الصغيرة وقلبها شاردان في دنيا هذه الدمية العجيبة التي شغلت بالها واستحوذت على تفكيرها

وبعد أن عادت إلى البيت ما لبثت أن عادت إلى حلمها المعهود متناسية جمال تلك الدمية وكل سحرها

لكن أين تذهب من كلام الناس؟

كل يوم يكثر ويزداد، ويملأ أذني الصغيرة وعقلها ويأسر قلبها

وبالتدريج وجدت الصغيرة نفسها تنجذب لكلام الناس الذي يعلق فكرها ومشاعرها بتلك الدمية

وتفكرت الصغيرة كيف تعلقت طوال عمرها بشيء لم تره في حياتها أبدًا. دمية لم ترها في أي (فترينة)، لا تعرف لها ملامح، وربما لن تراها أبدًا في أي مكان. فكيف لها أن تعلقت بوهم؟ كيف لها أن أضاعت عمرها تحلم بشيء ربما لا وجود له على الإطلاق؟

وشيئًا فشيئًا اقتنعت الصغيرة واستراحت إلى فكرة أنها كانت بحاجة شيء حقيقي ذي وجود مادي ملموس، له صورة تراها بعينيها. تحلم بالحصول عليه، لعل الحلم به يتحقق ويصبح واقعًا تعيشه وتسعد به

ثم وجدت الصغيرة نفسها تتعلق أكثر بالخروج مع أمها للتسوق في الشارع الذي يقع به محل اللعب الكبير، وكلما ذهبت إلى ذلك الشارع تأخذها قدماها إلى (فترينة) المحل لتقف أمامها تتأمل الدمية العجيبة

وكلما رأتها تخيلتها بين يديها تلهو بها وتتسلى معها وتسعد بوجودها في حوزتها

وبالتدريج وجدت الصغيرة بوصلة حلمها تتحول من الدمية الشقراء التي لم ترها في حياتها إلى هذه الدمية العجيبة

ومع الأيام اندمجت الصغيرة في حلمها الجديد، وشيئًا فشيئًا غاصت فيه وجذبتها الأمواج بعيدًا

كانت لا تكاد تفيق من سباتها العميق الذي تعيش فيه لياليها وأيامها

ورغم أنها كانت بين الحين والآخر تذكر ثمن الدمية الباهظ الذي بكل تأكيد لن تستطيع دفعه بإمكاناتها المتواضعة جِدًّا. لكنها رغم ذلك كانت تثق في غنى الله الذي بكل تأكيد أيضًا سوف يفرح قلبها ولن يخذلها

يتبع...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jan 18, 2021 - حفصة ميرال
Jan 18, 2021 - طارق السيد متولى
Jan 13, 2021 - عمر سالم
Jan 12, 2021 - Achouak boulouh
نبذة عن الكاتب