الصراع على الحجاز بين بداية محمد علي باشا ونهاية الدولة السعودية الأولى

كان محمد علي باشا (الألباني) قد صدر له فرمان عثماني بتولّيته على مصر نزولًا على رغبة علماء الأزهر، والشعب كذلك، بعد عزل خورشيد باشا الوالي العثماني، بعد أن تمكّن محمد علي من خداعهم بالتقرّب لهم حتى نادوا به واليًا على مصر.

وفي ذلك الوقت، كان العثمانيون قد أرسلوا بأوامرهم إلى والي العراق، (سليمان باشا)، ووالي الشام (يوسف باشا المعدني)، من قبله، بضرورة إرسال الجيوش إلى الحجاز لإخراج السعوديين منه، وإعادة السيطرة العثمانية، إذ كان العثمانيون يستمدّون قوتهم ونفوذهم الروحي على المسلمين بسيطرتهم على الحجاز وتبعيّته لهم، فكان يسهل عليهم السيطرة على العالم الإسلامي بذلك.

واقتصر دور محمد علي حينئذٍ في تجهيز ستة آلاف أردب من الغلال لإرسالها إلى الشام لمعاونة الجنود الشوام المتجهين صوب الحجاز لإخلاء السعوديين عنها، ولكن والي الشام لم يُحرّك ساكنًا، ولم يستطع خوض غمار هذه التجربة الصعبة، ولم يتمكن والي العراق من إحراز نتيجة تُذكر في هذا المجال.

وصَدرت الأوامر إلى محمد علي باشا (من جانب العثمانيين) في نهاية سنة 1807م بضرورة إعداد العدّة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لزحزحة السعوديين عن الحجاز بشتى السبل.

حالة الحجاز والوضع في مصر

أولًا: الحالة في الحجاز

لم يتحول الشريف غالب بتبعيته إلى نجد إلا بعد أن أُصيب بإحباط ويأس شديدين؛ نتيجة لعدم استجابة إستانبول لرسالة من أرسلهم إليها طالبًا النجدة.

وفي 10 شعبان 1217هـ الموافق 6/12/1802م، حضر إلى القاهرة جماعة من علماء مكة وأشرافها، فارين من آل سعود، وكانت وجهة هؤلاء «إسلامبول»، وكان هدفهم الاستنجاد بالدولة العثمانية لتنقذهم من آل سعود، ولتبادر بنصرتهم، وقد أخذ هؤلاء العلماء والأشراف يتنقلون في مصر بين بيوت وجهاء القوم، ومنهم الوالي (خسرو باشا) والدفتر دار، يشكون إليهم ما حدث لهم في الحجاز، وأخذ الناس يتناقلون أخبارهم وحكاياتهم.

كما حضر في رمضان من هذا العام جماعة أخرى من أشراف مكة وغيرهم لنفس السبب.

وفي سنة 1220هـ / 1806م، تصدّى آل سعود لقافلتي الحج المصري والشامي، واعترضوا على نظام المحامل، محذرين أمراءها من العودة بها مرة ثانية بعد عامهم هذا، وإلا كسروه، كما اشترطوا عليهم عدم اصطحاب الطبل والزمر.

تصدي آل سعود لقوافل الحج

وقد تم الحج في هذا العام بسلام، وأتم الحجاج نسكهم بسلام، غير أن هذا التحذير السعودي يُعد أول موقف مذهبي وعملي في محيط العلاقات المصرية الحجازية السعودية.

إن قوافل الحج في سنة 1221هـ / 1807م دخلت الأراضي الحجازية تتقدمها قافلة الحج المصري وقافلة الحج الشامي، وأمام كلٍّ منهما المحمل على جَرْي العادة، وقد تجاهل أمير كل قافلة الإنذار الذي وجّهه السعوديون إليهم في العام الماضي بعدم اصطحاب المحامل، لأنها مخالفة للشرع.

أما أمير الحج الشامي، فإنه أرسل إلى آل سعود كُتبه مُعلنًا قدومه في الطريق إلى الشام، ولم يحج الركب الشامي في هذا العام. وأما أمير الحج المصري، فإنه واصل سيره صوب الحرمين متجاهلًا أمر السعوديين، فما كان من السعوديين إلا أن هجموا على المحمل وأحرقوه. أما قافلة الحج المصري فقد تركها السعوديون لتواصل مسيرتها، ويؤدي أفرادها مناسك الحج، ثم أنذرهم عبد العزيز بن سعود ألّا يعودوا على هذه الصورة مرة ثانية، فانقطع مجيء ركب الحج الشامي والمصري إلى الحجاز بعد هذا العام، وظل الانقطاع إلى سنة 1228هـ / 1813م.

وقد بادر سعود بطرد القاضيين العثمانيين من مكة المكرمة والمدينة المنورة في سنة 1221هـ / 1807م، وعيّن بدلًا منهما قاضيين من علماء مكة والمدينة، ثم أعلن إنكار أية سلطة روحية للخليفة العثماني على الحرمين الشريفين، وأمر كذلك بإبطال الدعاء للسلطان العثماني في خطبة الجمعة، وأخرج الموظفين والعسكريين العثمانيين، وأقام حاميات عربية بدلًا منهم.

وتوقّفت مصر عن إرسال الكسوة والمحمل بعد تلك الأحداث، فكساها الأمير سعود كسوة من القَزّ الأحمر، ثم كساها بعد ذلك بالديباج والقبلان الأسود، وجعل إزارها وكسوة بابها (البرقع) من الحرير الأحمر المَطرَّز بالذهب والفضة. فلمّا استردّت الدولة العثمانية سيطرتها على الحجاز في سنة 1228هـ / 1813م، عادت مصر إلى إرسال كسوة الكعبة الخارجية كسابق عهدها.

ويُذكر أن العالم الإسلامي قد اهتز بعد ما أُشيع من أن سعودًا أمر بمنع قوافل الحجاج القادمة من الشام ومصر، لأن هذا الصدّ المزعوم عن بيت الله الحرام يُعد الأول من نوعه، خاصة بالنسبة للحجاج السنّة منذ زمن طويل، ويُعد تحديًا كبيرًا للدولة العثمانية جعل تدخلها أمرًا محتومًا.

إن سعودًا لم يأمر بمنع قوافل الشام ومصر قط، إنما تركز المنع على المحامل والطبول والزمور، وما يصاحب الحجيج من ضوضاء تنافي قداسة الحج.

وقد اتّهم عبد الله بن سعود الشريف غالب بتأليب العالم الإسلامي والدولة العثمانية ضد آل سعود، وإثارة الإشاعات والأكاذيب عنهم، واتهمه عبد الله بتزوير الرسائل من سعود إلى الدولة العثمانية، ومَهرها بختمٍ اصطنعه على أنه لسعود، محمّلًا الرسائل ما ليس فيها.

ثانيًا: الحالة في مصر

كان الحال في مصر ينتقل من سيئ إلى أسوأ منذ مطلع القرن التاسع عشر، بعد أن رحل الفرنسيون ثم الإنجليز عن مصر، فقد استمر الصراع على السلطة بين المماليك والعثمانيين والألبانيين.

ولمّا ازداد نجم محمد علي الألباني علوًّا في سماء الساحة الشعبية المصرية، وتفاقم نزاعه مع والي مصر خورشيد باشا، بادرت الدولة العثمانية بالاستجابة لطلب الوالي في مصر (خورشيد باشا)، وأرسلت في سنة 1220هـ / 1805م فرمانًا سلطانيًا بتعيين محمد علي واليًا على جدة، وكان الغرض هو إبعاد محمد علي عن مصر بأيّة وسيلة.

فتقبّل محمد علي الفرمان، لكنه لم يُنفّذ، وظل يتقرّب من القادة الشعبيين (العلماء) زُلفى، حتى تمكّن من الحصول على مساعداتهم السياسية والعملية، فحاصر الوالي (خورشيد) في القلعة وخلعه، فلم يجد العلماء بُدًّا من تنصيبه واليًا على مصر، ثم رفعوا هذا الأمر إلى الحكومة العثمانية مشفوعًا بتأييدهم.

ويبدو أن محمد علي أراد أن يحصل على ولاية مصر برضاء إستانبول، دون أن يُعلن عليها العصيان، وكان في الوقت نفسه يستخدم كل السبل لتقوية جانبه، وأخذ الشعب إليه، ما أجبر العثمانيين على إرسال مندوبهم إلى الإسكندرية، حاملًا معه أمرًا بإعطاء مصر لخورشيد أو لمحمد علي، أيهما أصلح وأعز نفرًا، فكانت الغلبة، وكان الاختيار لمحمد علي.

وصدر الفرمان العثماني بتولية محمد علي على ولاية مصر، نزولًا على رغبة العلماء والرعيّة بعد عزل خورشيد باشا.

ولاية محمد علي على مصر

ويبدو من خلال سير الأحداث أن الدولة العثمانية ظلّت حتى سنة 1222هـ/1807م دون أن تفكّر في دفع مصر صوب شبه الجزيرة العربية، ففي رجب سنة 1221هـ الموافق سبتمبر 1806م، أرسلت الدولة العثمانية إلى محمد علي مرسومًا يتضمن استمراره على ولاية مصر، والاهتمام بأمر الحد، ولوازم الحرمين، وهذا غريب، إذ كان الحج متوقفًا في ذلك الوقت، لكن الواضح أن المرسوم كان يشتمل على التجهيز المعنوي لمحمد علي بما يمكن أن يُسند إليه من أعمال في الحجاز لمدافعة السعوديين.

وفي شعبان 1221هـ الموافق أكتوبر 1806م، وصل إلى مصر رسول عثماني بيده تقرير عن استمرار محمد علي في ولايته على مصر، وضرورة عنايته بمقررات الحرمين الشريفين، ومخصصاته من الغلال، وإعداد قافلة الحج، وتجهيز غلال قدرها ستة آلاف أردب بإرسالها إلى الشام لمعاونة العساكر الشامية المتوجهة إلى الحجاز لإجلاء السعوديين عنه.

بداية قتال آل سعود

إن دور مصر كان لا يزال حتى سنة 1221هـ الموافق 1806م دورًا معاونًا فقط، وكانت الأوامر السلطانية المتعلقة بالتصدي لآل سعود تُوجَّه إلى والي الشام والعراق. ولعل العثمانيين كانوا لا يزالون في شكٍّ من مقدرة والي مصر الجديد (محمد علي) على الاضطلاع بهذه الواجبات العسكرية في الوقت الذي كانت فيه عدة قوى محلية تناوئه وتريد اقتلاعه من السلطة. فحتى هذا التاريخ، كانت الدولة العثمانية تَضِنُّ على محمد علي بثقتها الكاملة، ولا تراه أهلًا للتصدي لآل سعود، فلما فشل الشام والعراق، لم تجد الدولة العثمانية بُدًّا من اللجوء إلى مصر بعد أن غيّرت الأحداث أفكارها لتحل محلها أفكار جديدة، وأول رسالة بعثت بها الدولة إلى محمد علي حول استعداده لقتال آل سعود كانت في شوال سنة 1222هـ / 24 ديسمبر 1807م.

قتال آل سعود

يذكر الجبرتي في هذا التاريخ أن قابجيًا وصل، معه مراسيم يتضمن أحدها التأكيد في التسهيل والسفر لمحاربة الخارجين عليها بالحجاز، واستخلاص الحرمين، والوصية بالرعية والتجار.

وقد ظل هذا المندوب السلطاني قرابة الشهرين في مصر يحثّ محمد علي على تسيير الحملة إلى الحجاز، فكان محمد علي يماطله ويخادعه ويخبره بأنه سينفذ الأمر السلطاني، لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت كبير للاستعداد، وإنشاء مراكب في ميناء السويس وغير ذلك.

إن محمد علي كان صادقًا في قوله، ومحقًا في موقفه، لسوء الحالة الاقتصادية في البلاد نتيجة تذبذب حالة الفيضان، واستيلاء المماليك على الصعيد، وخوفه من طمع الإنجليز في مصر. وقد أرسل محمد علي في ذي الحجة 1222هـ/1807م برسالة إلى سلطان العثمانيين مصطفى الرابع تضمنت شرحًا لموقفه هذا، ومما لا شك فيه أن محمد علي كان واضحًا كل الوضوح في رسالته هذه التي بعث بها.

وفي بداية 1223هـ /1809م، تغيّر موقف الدولة بعض الشيء، فيبدو أن الدولة أدركت أن محمد علي يواجه مصاعب لا تمكّنه من تجهيز الحملة على آل سعود في الحجاز على وجه السرعة. لهذا أرسل السلطان العثماني إلى محمد علي رسالة في هذا العام فحواها: يوسف باشا المعدني عُيِّن للسفر إلى الشام على رأس حملة لضبط أمور بلاد العرب والحجاز، وعليه (أي على محمد علي) أن يرسل لوازم تلك الحملة من سلاح وذخيرة وغيرها.

إن الحج المصري قد انقطع في عام 1222هـ/1808م بحجة منع آل سعود لهم، وهي فِرية افترتها عليهم الدولة العثمانية ومحمد علي وأتباعه والأشراف، وهم منها بُرَآء؛ فلم يمنعوا أحدًا من الحج على الطريقة المشروعة، إنما المنع لما يأتي به هؤلاء الحجيج من بدع لا يجيزها الشرع، من محملٍ وطبلٍ وزمرٍ يُلهي العابد عن عبادته.

ولم يلبث السلطان العثماني الجديد محمود الثاني أن أرسل مرسومًا في محرم 1224هـ الموافق مارس 1809م إلى محمد علي بضرورة الخروج إلى الحجاز لمدافعة السعوديين عنه، مخبرًا محمد علي باشا بأن يوسف باشا المعدني سيخرج من الشام بجيشه الحربي لأداء هذا الواجب أيضًا، وفي الوقت نفسه سيخرج سليمان باشا، والي بغداد، للغرض نفسه.

إن السلطان محمود الثاني قد اقتنع بضرورة الاستعانة بمحمد علي باشا وقواته كعنصر أساسي في تلك الجولة الحربية، لا كعنصر مساعد.

ومن ثم فقد أخذ محمد علي يجند كل طاقاته دون أن يألو جهدًا في إعداد حملته، خاصة في المجال البحري، إذ بادر بتجديد قسم صناعة السفن الأميرية الحربية في ترسانة بولاق. وترسانة بولاق تصنع أجزاء هذه السفن وتُنقل على ظهور الإبل إلى ترسانة السويس، وهناك يتم تركيبها ثم تعويمها في البحر الأحمر، وأصبحت هذه السفن هي النواة الأولى للأسطول المصري في عصر محمد علي.

ومع أن محمد علي شرع في إعداده للحملة، فإنه أصرّ على اشتراك الدولة في هذه الإعدادات بالنصيب الأول، فألحّ عليها في طلب لوازم الجيش خلال مدة ستة أشهر، إضافة إلى ما يحتاج إليه الأمر من رشاوى للعربان، كما طلب المدافع والمهمات الحربية وغير الحربية اللازمة للسفن التي أنشأها، مدعيًا بأن هذه المدافع والمهمات لا توجد إلا في بلاد الدولة العثمانية.

إعداد الحملة لقتال آل سعود

ولم تكن تلك المطالب التي طلبها محمد علي هي كل ما في جعبته، بل إنه سبق أن أبدى في سنة 1223هـ/1808م مخاوفه من والي الشام سليمان باشا، متهمًا إياه بمراسلة المماليك المناوئين لحكم محمد علي في مصر، وأردف ذلك بطلب عزل سليمان باشا من ولاية الشام، وتنصيب يوسف كينج باشا – صديق محمد علي – على تلك الولاية، إلا أن الدولة العثمانية لم تجبه إلى ذلك.

إن محمد علي أرسل (قُبيل إنفاذ الحملة) مندوبًا خاصًا له للتجسّس على أوضاع الجزيرة العربية ودراسة أحوالها عن كثب، والتعرف على اتجاه الشريف غالب ونواياه بعد أن تصالح مع آل سعود، والتعرف على أوضاع القبائل والأهالي بصفة عامة.

وكان دخول هذا المندوب إلى الحجاز بحجة أداء العمرة، فاتصل هناك بكل الأطراف بطريقة سرية، وعاد يحمل تجاوبًا من الشريف، واستعدادًا منه لمناصرة الحملة المرتقبة.

ومما عُدّ من قبيل المفاجآت أن محمد علي، على الرغم من إلحاحه على الدولة العثمانية بطلبات إمداده بالسلاح والمدفعية من إستانبول، فإنه قد أعدّ الحملة قبل أن تصله تلك الإمدادات.

إن من الثابت تاريخيًّا أنه استعان في إعدادها بالسيد محمد المرحوقي، سيّد تجار القاهرة، الذي أمدّه بأموال عظيمة. وبعد أن أتمّت ترسانة بولاق صنع السفن مُجزّأة، أتمّ محمد علي باشا نقلها إلى السويس على ظهور الإبل لتركيبها هناك ثم تعويمها. وقد استخدم محمد علي 18 ألفًا من الإبل في نقل تلك الأجزاء المصنّعة والمعدات الحربية والذخائر والمؤن.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.