الصراع بين الوجود الميداني والوجود الوجداني في رحلة حياة الإنسان....!!!

يخوض الإنسان في حياته معركتين يتزامنان مع بداية تفتق وعيه بوجوده في الحياة...فهو يسعى للإحساس بوجوده الميداني ...وهو أن يحس أن مؤثر على المجتمع الذي يعيش فيه وأن له دور في هذا المجتمع وأن هذا المجتمع يقدر هذا الدور ويقره...ورحلة الإنسان التعليمية وسعيه للتفوق في التعليم والحصول علي وظيفة مرموقة هي لإثبات هذا الوجود الميداني الذي يتعلق أكثر بالشكل الخارجي للإنسان....وفي نفس الوقت يخوض الإنسان معركة أخرى للإحساس بوجوده الوجداني.. فهو يبحث عن الإنسان الذي يراه من الداخل ويتكلم نفس لغته ويحلم نفس أحلامه ويجعله يحس بخصوصيته ويغوص في مكنون حياته الوجدانية ....فهي إذن معركة تدور حول المحتوى الشعوري الداخلي للإنسان..وهذا جانب ضروري من حياة الإنسان لا يغني عنه الوجود الميداني ....ويبدأ السعي في هذه المعركة مبكراً لأن الإنسان يحتاج للحب لآن الحب هو إشباع لحاجة الإنسان الشعورية والوجودية للتمتع بوجوده...وأثناء رحلة التعليم لا ينقطع الإنسان عن التفكير في وجوده الوجداني والتي ربما تصل لبدايتها المشتعلة في سن المراهقة ثم تستمر في صراع وتجاذب مع معركة الوجود الوجداني وتستمر مدي الحياة...

و.قد ينجح الإنسان في أحد المعركتين على حساب الآخرى.... فقد ينجح في معركة إثبات الوجود على حساب الحب ....فقد يكون هناك إنسان ناجح في الحياة العملية لكنه أهمل الجانب الوجداني في كيانه فيعيش فقط في الإطار الخارجي لكنه لا يجد من يبادله لغة حياته الوجدانية الداخلية... فرغم  نجاحه الميداني إلا أنه يعاني دائماً من فشله الوجداني.... وقد يكون هناك إنسان ناجح في الحب ولكنه أهمل جانب إثبات الوجود الميداني...فقد وجد الروح التي تتكلم لغته وتحس مشاعره... فتوقف عن معركة الوجود الميداني فلم يحقق فيها نجاحاً يذكر....فهل يكفي الحب بديلاعن معركة إثبات الوجود الميداني...أما الأشخاص الذين ينجحون في المعركتين في ذات الوقت فقليلي العدد...فالنجاح يتطلب كثير من الإهتمام والإستغراق والوقت...كما أن النجاح في أحدهما بدرجة هائلة قد يهدد وجود الأخر....

فما هي أوجه الصراع بين المعركتين ولماذ تهدد إحداهما الأخرى حتى في حياة زوجين قد حققا جزءاً من معركة الوجود الميداني وأثمرت حياتهم الوجدانية عن أسرة بها أطفال.... ولكن حياتهم الوجدانية تظل على سطح صفيح ساخن...فيحدث أحياناً شقاق غير مفهوم إذا نظرنا إليه من بعد واحد مثلاً وهو البعد الوجداني...

فرغم نجاح الزوجين مبدئياً في حياة زوجية إلا أن كلاهما أو أحدهما لازال مشغولاً في معركة الوجود الميداني وهي معركة قد لا تنتهي أبداً...وربما يمثل نجاح أحد الطرفين في معركة الوجود الميداني تهديداً لطرف العلاقة الوجدانية فهناك بلا شك تنافس غير معلن بين الطرفين علي إثبات الوجود الميداني... خاصة إذا كان أحد طرفي العلاقة لم تسمح له ظروفه بالنجاح الكافي في هذه المعركة...وبالتالي قد يكون نجاح الطرف الآخر مؤشر لفشل الطرف الأول فتتأثر العلاقة الوجدانية سلباً...لذا فإن فض الإشتبك بين المعركتين والوعي بوجد المعركتين هو بداية حياة سليمة وصحية..أما تجاهل وجود المعركتين فيؤدي لنتائج سلبية...

وأحياناً يكون النجاح في معركة الوجود الميداني هو بوابة النجاح في الوجود الوجداني وخاصة عندما يتحقق هذا الوجود في طرفي العلاقة الوجدانية.... فقد شاهدنا كثيراً من الزيجات بين نجوم مجتمع بعضها ينجح وبعضها ينتهي بالفشل ربما لإستمرار الصراع بين الوجودين...الميداني والوجداني....

ولإزالة الصدع بين المعركتين لابد أن يوقن الطرفان أهمية الصراع الوجودي الميداني لكليها وهو بلاشك حق مشروع لكليهما.. ولكن في إطار الحفاظ علي العلاقة الوجدانية... ولكي تنجح هذه الصيغة لابد أن يتعاضد الطرفان في الصراع الوجودي الميداني وأن يعتبرا أنفسهما شريكي نجاح لا متنافسين....فلا يحس أحدهما بالتهديد الداخلي من نحاح الآخر فيحاول أن يقوضه معنويا ويعوقه عن تحقيق النجاح.. وعندما يشارك الطرفان معركة الوجود الميداني بالتفهم والتأييد والمعاضدة تتزايد فرصة بقاء ونمو الوجود الوجداني.... أما التناقض بين الإثنين فهو مؤشر الصدع والشقاق...

المعركتين لا تنتهيان أبداً وفي كل لحظة يريد الإنسان أن يحس أنه موجود في ميدان الحياة أو المجتمع ويقوم بدور في ذلك المجتمع... وأيضا يحتاج الإنسان أن يشعر أنه موجود في وجدان قرين روحه الذي يقرأ لغته ويرى صورته الداخلية ويشاركه أحلامه..يحتاج الإنسان إذن أن يوجد المعادلات السليمة التي تضمن التوازن بين الوجودين...

بقلم/ أ.د. محمود سطوحي

6 يناير 2021

بقلم الكاتب


الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

أتمني مناقشة القراء وسأرد علي أي رأي أو نقد أو مقترح
الكاتب

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
Khaled Talaat - Jan 8, 2021 - أضف ردا

الحياة هى موضوع المقال ولكن لماذا تتكرر الفاظ معركة و صراع وحرب كل هذه المرات خلال المقال؟

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

نعم تتكرر كلمة صراع ومعركة لأن الحياة فعلا هي معركة صراع وجودي

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

عندما ينجح الإنسان في الوصول إلي المعادلات السليمة التي تضمن التوازن بين الوجودين...فإن هذين الوجودين سيغذيان بعضهما البعض وتصبح حياة الإنسان أكثر حيوية وأكثر إبداعا وربما تكون هذه الصورة المثالية للوجود الإنساني الراقي علي ظهر الأرض..

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

..فالنجاح يتطلب كثير من الإهتمام والإستغراق والوقت...كما أن النجاح في أحدهما بدرجة هائلة قد يهدد وجود الأخر....
‏ماذا لو كان تعلق الناس بقيمة النجاح وبحثهم عنه مساويًا لتعلقهم بقيمة"الحب"وبحثهم عنه
ليس الغرض المفاضلة بين قيميتين ضروريتين لإنسانية الإنسان، ولكن ضرورة ادراك التوازن
تناول جميل للموضوع

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..