Caption
((فيما أطرقه وأكتبه حثيثًا خفيفًا في هذا المجال الأدبيّ... الفضل واجب أن أذكره وأردّه إلى أصحابه: الكاتب والأديب النّاقد الكبير الأستاذ محمود قنديل وكتابه الرّائع حوارات حول الإبداع)).
في مدينة المحلة الكبرى، الَّتي جمعت ما بين الطّابع الريفيّ الهادئ والطّابع الصناعيّ الصّاخب، نشأ الصديقان العظيمان؛ جار النبي الحلو ومحمد المنسي قنديل، وليس هناك فرقًا كبيرًا في العمر سوى سنتين، جار النبي مواليد 1947م، بينما المنسي مواليد 1949م.
نشأ جار النبي في أسرة أكثر انتماء للمجتمع الريفيّ، والده أقرب تعاملًا وسكنًا لأهل الرّيف؛ كان بيت أسرة جار النبي يطلّ على نهر النّيل، وعلى مدى البصر الزراعات والأرض الخضراء.
أما المنسي قنديل فقد كانت نشأته أقرب إلى الطّابع الصّناعيّ بصخبه وتقلباته، فوالده مشرف على معمل للنّسيج يضمّ مجموعة كبيرة من أنوال النسيج اليدويّة والَّتي تعتمد على الأيدي العاملة.
حياة جار النبي هادئة دون صخب أو تقلبات كبيرة، ربما أكثر ما طرأ على جار النبي أن أسرته قد طلبت انتقاله من الدّور الأرضيّ ليتركه لشقيقه بكر حين تزوّج، ولذا تمّ بناء حجرة فوق السّطوح لتكون خاصّة بجار النبي، وكان يتابع بناء الحجرة؛ صديقيه المنسي قنديل ومحمد فريد أبو سعدة.
أمّا حياة المنسي قنديل؛ فقد شهدت حدثًا فريدًا، فمع التّحوّل الصناعيّ ودخول الآلات على صناعة النسيج، تراجع دور النول اليدويّ، وانسحب من سوق العمل عمال النّسيج، وتحول والد المنسي من مشرف إلى عامل على نول!
كان والد جار النبي؛ يتردّد على سينما المنصورة، ولذلك لم يكن غريبًا على جار النبي وهو في عمر العاشرة أن يطلب من والده ثلاثة صاغ لمشاهدة الأفلام بسينما المحلة، أما المنسي قنديل فقد شاهد انكسار والده بعدما أصبح عامل على نول، فكان المنسي يجلس في العنبر ومعه قصص ارسين لوبين، واجاثا كرستي يقرؤها على والده، بينما كان يشتغل على النول.
والد جار النبي، رأى في نجله حبّ القراءة والكتابة، وإقبالاً على ذلك مبكرًا، بل أن جار النبي كان يقرأ مجلة سندباد ويطالع جريدة الأهرام ما قبل الالتحاق بالمدرسة، وجار النبي يستغرب نفسه بنفسه، ولا يتذكر كيف تعلّم القراءة قبل الالتحاق بالمدرسة.
أمّا والد المنسي قنديل، فقد أدرك منذ أمد طويل أن المنسي متميّز للغاية على أقرانه ويجب ألّا ينخرط في أعمال النسيج، أو يلتحق بمصانع المحلة، وحرص أن يوفّر للمنسي الظّروف المواتية ليكون في عالم آخر غير النسيج ومصانع المحلة.
وتقريبًا في سن العاشرة، قال ابن عمة جار النبي: تعرف يا جار في مدرستي تلميذ يشبهك في حبّ القراءة والكتابة، ويعرف بيننا بأنّه يكتب قصصًا وحكايات... قال جار النبي: ما اسمه؟ رد ابن عمته: محمد المنسي قنديل، وتمنّى جار النبي أن يتعرّف على قرينه هذا...
انتقل جار النبي من المدرسة الابتدائية إلى مدرسة الأقباط الإعدادية الَّتي كان قد تخرج منها جابر عصفور، وهنا اجتمع جار النبي وابن عمته في نفس المدرسة الَّذي قال لجار النبي: اليوم سترى محمد المنسي قنديل فهو أيضًا سيكون زميلًا في نفس المدرسة.
وقف جار النبي وابن عمته في انتظار المنسي قنديل، وكلّما مرّ تلميذ أشار جار النبي: أليس هذا هو المنسي قنديل... إلى أن التقيا وكان اللّقاء بداية صداقة لم تتوقف أبدًا على مدار أكثر من ستين عامٍ...
اجتمع الصديقان على حبّ الثّقافة والأدب، والقراءة والاطّلاع، وبادرا مبكرًا في التعبير عن هذا الحبّ، فأعدا مجلة أدبيّة مدرسيّة، قاما بترتيب أوراقها، من صفحات الكراسات، وجمعت دفتي الكراسة القصص والحكايات والرّسوم.
لقد بدأ الجار والمنسي القراءة منذ التقيا بالصف الأول الإعداديّ، ولم يكتفيا بالقراءة، بل سماع الموسيقى، ومشاهدة الأفلام، والمسرح، والفنّ التشكيليّ، والغوص في الحكايات الشعبيّة والتراث، ولم تتوقف القراءة على نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتشيكوف ودوستويفسكي وساراماجو.
وفي كراسة مشتركة، قاما معًا بتدوين القصص والحكايات، ويومًا قصد منزل الجار، نصر حامد أبو زيد، صديق بكر الشقيق الأكبر لجار النبي، فقال بكر هذه كراسة الجار والمنسي، يا ليتك تطالعها وتخبرنا برأيك.
ترك نصر حامد أبو زيد بمكتبة الثقافة رسالة إلى الصديقين: "مستوى جيّد من الكتابة"، ودعاهما لحضور لقاء نادي الأدب في قصر عبد الحي خليل باشا، وتوجّه الصديقان لحضور اللّقاء، وفى صحبتهما الصديق الثالث الَّذي أصبح فيما بعد الشاعر الكبير محمد فريد أبو سعدة.
كان في صدر القاعة من أصبح فيما بعد وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور وآنذاك في مرحلة الليسانس، والمناقشة حول قصّة "الرحلة" للكاتب الكبير سعيد الكفراوي، وآنذاك في المرحلة الثانوية.
وهكذا انخرط الصديقان منذ عام 1965م، فيما عرف باسم "شلة المحلة" أروع تنظيم شعبيّ للثّقافة والأدب في القرن العشرين؛ تضمّ جماعة من الشعراء والأدباء والمفكرون والنّقاد، ومن أبرزهم:
الألفة د. جابر عصفور، القاص سعيد الكفراوي (رحمة الله عليه)، الشاعر محمود فريد أبو سعدة، دكتور نصر حامد أبو زيد (رحمة الله عليه)، الكاتب جار النبي الحلو، الأديب محمد المنسي قنديل، الشاعر محمد صالح (رحمة الله عليه)، الكاتب أحمد عسر (رحمة الله عليه)، رمضان جميل (رحمة الله عليه)، أحمد الحوجي (رحمة الله عليه).
وهذه الجماعة الأدبيّة السامقة، بدأت تلتحق بالقاهرة فيما بعد، حيث أبدى سعيد الكفراوي رغبة إلى صديقه جمال الغيطاني، بالتعرّف على نجيب محفوظ، فاصطحبه الغيطاني إلى قهوة ريش، حيث ندوة محفوظ والَّتي كانت قبلة لأدباء مصر آنذاك، وبدأت شلة المحلة تنتقل تدريجيًا إلى القاهرة إلّا جار النبي الحلو الَّذي ظلّ بالمحلة لم يغادرها إلّا مؤقتًا والعودة مرّة أخرى إلى المحلة، كما لو كانت الرحم الَّذي يربطه جار النبي بمشيمة الحياة.
كتب جار النبي قصص الأطفال في الثمانينات، ويعود الفضل في ذلك إلى المنسي قنديل، الَّذي اقترح على الجار كتابة قصص الأطفال، وكان الجار قد أعدّ خمس قصص، أعطاها إلى المنسي الَّذي أخذها وأرسلها إلى أحد المجلات العربيّة الَّتي نشرتها، وبدأت مسيرة جار النبي في الكتابة للطفل.
وبينما لم يغادر جار النبي المحلة إلّا في رحلة ذهاب وإياب دون أن يستغرق وقتًا طويلًا بعيدًا عن المحلة، وكانت بدايات جار النبي عبر البريد إلى فارس الثّقافة عبد الفتاح الجمل بجريدة المساء.
أمّا المنسي قنديل، فقد تخرّج من كلية طبّ المنصورة 1975م، ولم يستمرّ في ممارسة الطّبّ طويلًا وتفرّغ للكتابة، واستغرقه السفر كثيرًا، بل أحيانًا ما يسافر لمعايشة واقعيّة لأحداث روايته، فقد سافر إلى المكسيك، حيث تجري أحداث روايته "كتيبة سوداء".
جار النبي قاص وروائي وسيناريست وكاتب أدب الطّفل، شارك في العديد من المؤتمرات بالدّول العربيّة مثل: المربد والجنادرية والشارقة، وعرفه الطّفل المصريّ والعربيّ عبر كتاباته في مجلات: ماجد، العربيّ الصغير، قطر الندى، علاء الدين... وأحدث أعماله العجوزان!
المنسي قنديل مؤلفٌ وروائي وسيناريست مصري؛ وفي بداياته انشغل بكتابة التراث، وكان دافعه لذلك نكسة حزيران 1967م المريرة الَّتي لم تغادر ذاكرته، ولمحمد المنسي مؤلفاتٌ مختلفة من الرّوايات مثل "قمر على سمرقند"، والقصص القصيرة مثل مجموعة "بيع نفس بشرية"، ومؤلفات الأطفال وهي كثيرة من المجلات وكتب التراث مثل "عظاء في طفولتهم".
في أعمالهم كتب كلاهما عن الآخر... جار النبي كتب عن المنسي، والمنسي كتب عن جار، وممّا التقطناه عامّة: ما ذكره جار النبي عن صديق العمر المنسي قنديل: "يُعدّ المنسي أحد الكتاب المتميّزين والمبدعين منذ الصّغر، حتَّى أنّه خلال دراسته في المرحلة الإعدادية كان يعمل على تحويل المناهج الدراسيّة إلى أعمال مسرحية وهو ما أثقل موهبته الأدبيّة في بداية مشواره مع الكتابة"، أما المنسي فيصف صديق العمر جار النبي: "رغم سفرياتي الكثيرة وغيابي الكثير؛ كان من الطّبيعيّ أن أعود والتقي بجار النبي واقعد معاه ومع أولاده وأسرته لأنه كان جزءًا من الحياة".
ويقدّم جار النبي نصيحته إلى جيل الأدباء الشّبان في حكمة: "كن أنت" ويقول هناك شعار أقوله دائًما حتَّى لأولادي وهو: "كن أنت" بمعنى أني عندما بدأت كتابة القصص، كان هذا يخصّ عالمي وبيئتي وما أعيشه وما أعرفه، وبالتّالي كنت أكتب باللّغة الَّتي أحبها وكنت مدرك تمامًا بأنّي لن أكون سوى نفسي فإن أكون نفسي بنسبة 50 % أفضل من أن أقلد الآخرين بنسبة 100 % وبالتّالي البحث عن النّفس وما يخصني كان شاغلي، حتَّى أصبحت أرى العالم بلغتي وأرى الحواديت كما أحبّ أن أراها.
أمّا محمد المنسي فيرى: "إنني لا أؤمن بعبقريات"، ويضيف... ولا صومعة للكتابة ولا فنيّات معيّنة ولكنّني أؤمن بأنّ الكتابة "دأب" أيّ أن يظلّ الكاتب يكتب ويكتب ويغيّر ويكتب ويظلّ عمره كاتبًا دون ادّعاء عبقريته ولا غيرها بل المعنى عندي أن الكتابة "دأب".
فعلا الكاتب دأب . موضوع جميل الف شكر
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.