أثر الصدمة النفسية على الدماغ: كيف يغير الألم الفسيولوجيا العصبية للمخ؟

قبل نحو خمسة أشهر، قرأت كتاب «جسمك يتذكر كل شيء» للدكتور بيسيل فان دير كولك، وعدت إليه اليوم لسببٍ على قدر كبير من الإمتاع؛ فقد كنت أعمل على ترجمة رواية تنطوي على حبكة نفسية ذات أبعاد خاصة، فوجدت أن هذا الكتاب قد استعرضها وتشريحها بتفصيل دقيق. 

ومن هنا أدركت ضرورة إعادة القراءة من منظور مختلف تمامًا؛ إذ سيبقى هذا العمل في تقديري أحد أثمن المراجع في مكتبتي. والسر في ذلك يكمن في خروج المؤلف بنا من إطار السيكولوجيا النظرية إلى عمق التشريح العصبي وعلم وظائف الأعضاء، ليثبت أن الصدمة ليست مجرد ذكرى عابرة، بل خلل حاد يصيب محور الاستجابة للإجهاد المسؤول عن تنظيم استجابات الجسم الحيوية. 

يتسبب هذا الخلل في إحداث حالة من فرط التحفيز في الجهاز العصبي السمبثاوي على حساب توازن النظام الباراسمبثاوي؛ ما يجمّد المريض بيولوجيًا في وضعية الدفاع المستمر عن البقاء المعروفة بـ (المواجهة أو الهروب)، لنبدأ رحلة تفكيك تظهر فيها كيف تتفوق الكيمياء الحيوية والإشارات الكهربائية للدماغ على المنطق والسرد الكلامي، وهو ما يجسد بوضوح بالغ تأثير الصدمة النفسية في الدماغ.

كيف تؤثر الصدمة النفسية على الدماغ؟

ولفهم هذا الطرح الطبي، لا بد من الولوج إلى أروقة المختبر لمعاينة ما يحدث تشريحيًّا داخل خلايا الدماغ، يعتمد فان دير كولك على بحوث الرنين المغناطيسي الوظيفي التي أجرتها الباحثة الدكتورة روث لانيوس بجامعة ويسترن أونتاريو والمنشورة في المجلة الأمريكية للطب النفسي؛ وهي البحوث التي أحدثت تحولًا في الطب النفسي حين كشفت عن تغيرات فسيولوجية حادة يمر بها المخ في أثناء استرجاع الصدمة.

يأتي في مقدمة ذلك التعطل الوظيفي الكامل لقشرة الدماغ الجبهية الإنسية، وتحديدًا المنطقة العاشرة حسب تصنيف برودمان، وهي المنطقة المسؤولة طبيًا عن «برج المراقبة» الذي يمنح الإنسان القدرة على التقييم العقلاني للمواقف. 

وتكون النتيجة الحتمية لتعطل هذا البرج هي انفصال اللوزة الدماغية -جهاز الإنذار في الدماغ العاطفي- عن السيطرة العقلية، لتدخل في حالة هياج مستمر وضخ غير منقطع للإشارات العصبية، وكأن الخطر يستمر في اللحظة الحالية دون أي إدراك لمرور الزمن، وهو ما يفسر حدوث حالة إعادة المعايشة الحية للصدمة بكامل الحواس بدلًا من اقتضابها في مجرد ذكريات.

ومن النقاط التشريحية الموثقة في تجارب الكتاب، ما أسفرت عنه الدراسة الشهيرة عام 1996 حين فحص فان دير كولك وفريقه البحثي في مستشفى ماساتشوستس العام أدمغة المرضى في أثناء استحضار الصدمة، فاكتشفوا انخفاضًا تامًا في الإمداد الدموي لبقعة النطق والكلام المعروفة بمنطقة بروكا. يعني ذلك أن الصدمة تشل القدرة البيولوجية على تحويل المشاعر إلى كلمات، في حين تشتعل في الوقت ذاته القشرة البصرية في الفص القفوي وكأن المخ يعرض مشهدًا سينمائيًا مستمرًا. 

ولا يقتصر هذا الخلل على الجمجمة، بل يمتد عبر العصب الحائر وفقًا للنظرية متعددة العصب الحائر التي صاغها الدكتور ستيفن بورجيس ليعطل وظائف الجهاز الهضمي وحركية القلب، لينتهي المطاف بالجسد إلى تسجيل تلك المعاناة في صورة أمراض جسدية ذات أصل نفسي مزمنة.

يفقد المخ في أثناء الصدمة قدرته على التحكم؛ إذ تواصل اللوزة الدماغية إطلاق إنذارات الخطر في حين يتوقف الفص الجبهي العقلاني عن العمل، فيستمر الجسم في ضخ هرمونات التوتر لمثير صغير يعيد تذكر الماضي.

وبسبب انقطاع النشاط الكهربائي عن منطقة بروكا، يعجز المصدوم عن التعبير بكلمات تصف ألمه. وتتحول شحنات الخوف الزائدة عبر العصب الحائر لتستقر في المعدة والعضلات والقلب؛ فقد يتجاهل العقل الواعي الحدث، لكن الجسد يظل محتفظًا بالتأثير في الأنسجة والأنظمة الحيوية.

الصدمة تعطل العقل وتطلق إنذارات الخوف وتؤثر جسديًا

أعراض الصدمة النفسية على الجسم

أما عن كيفية تحول الألم النفسي إلى مرض مناعي ينهك الأنسجة، فتطلب ذلك التعمق في علم وظائف الأعضاء المرضي. تبدأ القصة من دراسة تجارب الطفولة القاسية المشتركة بين مراكز التحكم في الأمراض والوقاية منها ومؤسسة كايزر برماننت التي ركز عليها الكاتب ليثبت أن الصدمات ليست حالة نفسية تزول بالمحادثة النظرية، بل خلل يمتد لتدمير خلايا الجسم على المدى البعيد.

في الأحوال العادية، عند تعرض الإنسان للإجهاد، ينشط نظام الطوارئ المعروف بالمحور الكظري النخامي تحت المهادي؛ حيث يرسل الجزء تحت المهادي إشارة للغدة النخامية، وتنقلها بدورها للغدة الكظرية لإفراز هرمونات التوتر وعلى رأسها الكورتيزول والأدرينالين.

تكمن الوظيفة الطبيعية للكورتيزول في تثبيط المناعة مؤقتًا لتوفير طاقة الجسم لعملية البقاء، ومع انتهاء الخطر، يعود المحور لمستواه الطبيعي عبر التغذية الراجعة السلبية. غير أن المشكلة تظهر في حالة الصدمات المزمنة؛ حيث يستمر المحور في العمل دون توقف نتيجة استمرار الاستجابة للتهديد داخل الدماغ.

ومع الضخ المستمر للكورتيزول، تصاب خلايا الجسم والجهاز المناعي بحالة من مقاومة مستقبلات الكورتيزول، فتفقد قدرتها على الاستجابة للهرمون الذي كان دوره الاستجابة للالتهابات. ومع اختلال عمل هذه المستقبلات، يفقد الجهاز المناعي توازنه، ليبدأ في إفراز بروتينات الالتهاب المعروفة بالسيتوكينات المسببة للالتهاب مثل (الإنترلوكين-6) و(عامل نخر الورم-ألفا). 

يتسبب الارتفاع المزمن لهذه السيتوكينات في إحداث التهاب نظامي منخفض الدرجة، ليصبح الجسم في حالة التهاب صامت دون وجود ميكروب. وعندما يستهدف هذا الالتهاب المفاصل والأنسجة، ينشأ مرض الروماتويد والذئبة الحمراء، وعندما يطال الجهاز العصبي، يختل أسلوب ترجمة المخ لإشارات الألم، وهو التفسير الطبي الدقيق لمرض الفيبروميالجيا أو متلازمة الألم العضلي المتفشي.

أعراض الصدمة الدماغية

يتجلى محور آخر يشرح كيف تؤدي الصدمة إلى تشويه مفهوم الزمن داخل الدماغ، ما يعود بنا إلى علم الذاكرة العصبي. تدور الأحداث داخل منطقة الحصين في الفص الصدغي، المسؤول عن توحيد الذاكرة المعرفية الواعية وإعطاء التجربة وسمًا زمنيًا يوثق انتهاءها ونقلها إلى الماضي.

وفي حالات الصدمة الشديدة، يؤدي الارتفاع الحاد في الكاتيكولامينات والتنشيط الزائد للوزة الدماغية إلى إفراز كميات مرتفعة من الكورتيزول تحدث حالة من التسمم العصبي المؤقت، ما يسبب تعطلًا وظيفيًا لخلايا الحصين. يفشل نظام الأرشفة في إضافة التوثيق الزمني، فتظل تفاصيل الصدمة عائمة داخل الدماغ العاطفي في صورة ذكريات صدمية مطبوعة وغير مدمجة.

ومع غياب التوثيق الزمني، يفقد المخ العاطفي والجسد الإدراك مع مرور الوقت، وعند التعرض لأي مثير حسي، تشتعل تلك الذكريات ليدخل المريض في حالة إعادة معايشة، فلا يكتفي الجسد بتذكر الماضي، بل يستعيده كواقع حاضري بكل تفاصيله البيولوجية. 

ماذا يفقد الإنسان بسبب الصدمات النفسية؟

الواقع أن الإنسان لا يفقد فقط سلامه الداخلي، بل يفقد قدرته البيولوجية والفسيولوجية على الشعور بالأمان. يفقد الثقة في محيطه وفي جسده الذي خذله ولم يستطع حمايته وقت الخطر. والأهم من ذلك أنه يفقد «بوصلة الزمن»، حيث يتداخل ماضيه المؤلم مع حاضره بشكل مستمر؛ ما يسلبه القدرة على التخطيط الواعي للمستقبل أو الاستمتاع باللحظة الآنية، ليظل سجينًا في حلقة مفرغة من محاولة البقاء حيًّا.

وعلى الصعيد الفلسفي والوجودي، يقدم الكتاب تفكيكًا لبنية الوجود الإنساني وإعادة تعريف لمفهوم الهوية والوعي بالذات بمناقشة تلاشي الذات. ففي الفلسفة الظاهراتية الوجودية، يتحقق وجود الإنسان بالاستغراق في «الآن وهنا»، وتأتي الصدمة لتطمس هذه البنية بسلب الإنسان قدرته على التواجد في الحاضر ودقعه لنظام البقاء البيولوجي.

ويظهر التشريح الطبي لهذا الاختلال عبر بحوث الرنين المغناطيسي لشبكة الوضع الافتراضي -المسؤولة عن تشكيل الوعي بالذات- التي كشفت عن انخفاض النشاط في خط المنتصف للمخ وتحديدًا القشرة الحزامية الخلفية. تخلق هذه المنطقة ما يُعرف بالذات المتجسدة، وعند توقفها، يفقد الإنسان حواسه الداخلية العميقة المتعلقة باستشعار وضع الجسم واستشعار الأحشاء.

وحين تخزن الأحشاء الاستجابات المرتبطة بالخوف، يلجأ العقل الواعي إلى خيار الدفاع المتمثل في الانفصال لحماية نفسه من كثافة الألم الحسي. يتحول المريض إلى وعي منفصل عن غلافه المادي، ليصبح الجسد كيانًا خارجيًّا، وتنشأ حالة الخرس العاطفي التي يعجز فيها المريض عن التعرف على مشاعره أو تسميتها بسب فصل الاتصال بالحساسات البيولوجية. وتفسر هذه القطيعة بعض السلوكيات الحادة لدى المصابين بالصدمات كليّة يائسة لاستعادة الشعور بالحياة عبر ألم خارجي.

تتلخص الرسالة الأعمق للكاتب في أن الشفاء من الصدمة ليس عملية عقلية تهدف لنسيان الماضي فحسب، بل هو استعادة شجاعة العودة لسكن الجسد والعيش في الحاضر. ويصوغ فان دير كولك ذلك بقوله: «ليس التعافي أن تنسى ما حدث، بل أن يصدق جسدك أن الكارثة قد انتهت». فما دام الجسد مستمرًا في اختزان الاستجابات القديمة، يظل التعافي تنظيرًا مجردًا؛ إذ يبدأ الشفاء الحقيقي عند المصالحة بين العقل والجسد وتأكيد انتهاء الخطر للأنسجة والعضلات، ليستعيد الإنسان قدرته على امتلاك حاضره من جديد.

الصدمة النفسية تسجن الإنسان خارج الحاضر وداخل الخوف المستمر

ما هي أعراض الصدمة النفسية الشديدة؟

تشمل الأعراض الأساسية الإصابة باضطراب كرب ما بعد الصدمة الذي يتمثل في معاناة الشخص من ذكريات اقتحامية وكوابيس ليلية متكررة تجعله يعيش الحدث الصادم مرارًا وتكرارًا.

يرافق ذلك حالة من «التجنب»، فيتهرب المريض من أي مكان، أو شخص، أو حديث قد يثير ذكريات الصدمة. وعاطفيًا، يعاني المصاب من «الخدر العاطفي» وصعوبة في الشعور بالفرح أو الارتباط بالآخرين، إلى جانب فرط اليقظة والتحفز المستمر، فيكون الجهاز العصبي في حالة إنذار دائم؛ ما يسبب نوبات غضب غير مبررة، واضطرابات حادة في النوم، وصعوبة بالغة في التركيز، ونوبات هلع مفاجئة.

هل الصدمة النفسية تسبب الجنون؟

من الناحية الطبية والنفسية الحديثة، لا يُستخدم مصطلح «الجنون» لوصف الحالات السريرية. الصدمات النفسية الشديدة لا تؤدي إلى فقدان العقل بمفهومه التقليدي، ولكنها قد تسبب حالات شديدة من «الانفصال عن الواقع»، فيشعر المريض وكأنه منفصل عن جسده أو أن العالم من حوله غير حقيقي (تبدد الشخصية والاغتراب عن الواقع).

في بعض الحالات القصوى والنادرة جدًا، وإذا ترافقت الصدمة مع استعداد جيني وظروف قاهرة، قد تؤدي إلى نوبات ذهان عابرة تشمل هلاوس أو ضلالات مؤقتة. ومع ذلك، هذا ليس «جنونًا» دائمًا، بل هو استجابة دفاعية متطرفة من الدماغ المنهك للهروب من ألم يفوق قدرته على الاحتمال، وهو أمر قابل للشفاء التام بالتدخل الطبي والنفسي المتخصص.

هل الصدمة النفسية تسبب فقدان الذاكرة؟

نعم، وبشكل موثق علميًا، يُعرف هذا العرض في الطب النفسي باسم «فقدان الذاكرة الانفصالي». عندما يواجه الإنسان حدثًا صادمًا يفوق قدرة جهازه العصبي على المعالجة، يفرز الدماغ هرمونات التوتر بمستويات سامة تؤدي إلى تعطيل عمل منطقة «الحصين» (Hippocampus) المسؤولة عن أرشفة ودمج الذكريات. كآلية دفاعية لحماية الوعي من الانهيار التام، يحجب العقل تفاصيل الحدث الصادم -كليًا أو جزئيًا- عن الذاكرة الواعية.

قد ينسى الشخص الحدث تمامًا لفترات طويلة، أو يتذكر شظايا غير مترابطة منه، وقد تعود هذه الذكريات المكبوتة لاحقًا على شكل ومضات مفاجئة عند التعرض لمحفزات معينة في البيئة المحيطة.

هل الصدمة النفسية تسبب الموت؟

لا تسبب الصدمة النفسية الموت لحظيًّا كالأمراض العضوية القاتلة، ولكن لها تداعيات فسيولوجية قد تؤدي للوفاة بطريقة غير مباشرة. من أبرز هذه التداعيات متلازمة «اعتلال تاكوتسوبو القلبي» المعروفة بمتلازمة «القلب المنكسر»، فيؤدي الاندفاع الهائل لهرمونات التوتر (الأدرينالين) إلى ضعف مفاجئ في عضلة القلب يحاكي النوبة القلبية، وقد يكون مميتًا في حالات نادرة.

على المدى الطويل، يؤدي الخلل المزمن في الجهاز المناعي والالتهاب المستمر الناتج عن الصدمة إلى تفاقم أمراض خطرة مثل أمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض المناعة الذاتية، ما يقلل من متوسط العمر المتوقع. فضلًا على أن الصدمات غير المعالجة ترفع خطر الإصابة بالاكتئاب الحاد الذي يعد المسبب الأول لزيادة معدلات الانتحار.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة