الصداقة الاستغلالية والتعلق النفعي وخداع العلاقات

صديقي الإنسان، أعرف عدة أشخاص لا يظهرون في حياتي إلا حين يريدون خدمة أو طلب، وفي الوقت نفسه، لا أستطيع رفض طلباتهم لأنهم أصدقائي. ولكن قد كثرت طلباتهم مؤخرًا إلى أن وصلت حدَّ الاستغلال، ما جعلني أعيد التفكير في تلك العلاقات التي تندرج تحت مسمى «الصداقة».

الغريب هو أن كل هؤلاء الأشخاص لا يهمهم حالي، إذ لم أجدهم يومًا يسألون عني إذا طال غيابي، أو يكترثون لنجاح حققته أو خيبة مررت بها. ولكن، في الوقت ذاته، تهمهم كثيرًا علاقتهم بي، ودائمًا ما يحاولون المحافظة عليها. جعلني كل هذا أتساءل: «إن لم أكن مهمًا لهم كشخص أو كصديق، فلِمَ تهمهم صداقتنا كثيرًا؟» اكتشفت أخيرًا أني أنني لست مهمًا لهم كشخص، وإنما كمجرد أداة يستغلونها لتحقيق غاياتهم.

من المنظور النفسي، يمكننا وصف هذه الظاهرة بالتعلّق النفعي، وهو يختلف تمامًا عن التعلّق العاطفي. يعني هذا المصطلح أن تلك العلاقة لا تقوم على المحبة والتعاطف والدعم المتبادل، وإنما على المنفعة، أو بالأحرى «المصلحة». الشخص هنا الذي يدّعي الصداقة لا يتعلق بك ككيان مستقل، بل يتعلق بك كوسيلة يحقق عبرها أهدافه. وتستمر العلاقة ما دامت خدماتك متوفرة وتلبي الحاجة. وقد تلاحظ أنه مع انتهاء المنفعة، يختفي ذلك الصديق ويزول ارتباطه بك.

أما من منظور «الرأسمال الاجتماعي»، وهو يعني مجموعة الموارد التي يكتسبها الفرد من شبكة علاقاته الاجتماعية، فيمكننا الإشارة إلى أن ذلك الصديق الاستغلالي لا يراك كشخص، بل كجزء من أصوله وممتلكاته التي يستخدمها للوصول إلى تلك الموارد.

ويمكن أن يكون كل ذلك انعكاسًا لظاهرة اجتماعية أوسع، فقد أصبحت العلاقات الاجتماعية في العصر الحديث، وفي ظل الثقافة الرقمية، أكثر سطحية، إذ تعتمد على تحقيق الأهداف بدلًا من بناء روابط عاطفية عميقة.

ليس بالضرورة، صديقي الإنسان، أن تكون تلك الموارد أو المنافع مالية أو مادية فقط؛ كالنقود والخدمات، بل يمكن أيضًا، وفي الأغلب، أن تكون منافع عاطفية، كأن يظهر ذلك الصديق في حياتك فقط كلما كان في حاجة إلى دعم نفسي أو أُذن تُصغي إليه، فيمتص عواطفك وطاقتك دون أن يبادلك الدعم أو الشعور ذاته، أي علاقة مبنية على الأخذ فقط دون عطاء.

مثل هؤلاء الأشخاص يحبون أن يمتلكوا آذانًا تستمع إليهم بين الحين والآخر، ولكن لا يحبون أن يستمعوا إلى أحد. يحبون امتصاص الدعم النفسي من الآخرين واستنزاف مشاعرهم الإيجابية، ولكن لا يحبون دعم الآخرين، ولا يكترثون بمشاعرهم. وإن لم تكن العلاقة تبادلية، أخذًا وعطاءً، فإنها تصبح استغلالًا واضحًا.

إذن، لماذا في بعض الأحيان نكون قلقين من خسارة ذلك الصديق، على الرغم من يقيننا بأنه يستغلنا؟ الإجابة تكمن في أن ذلك الصديق قد جعلنا نتعلّق به عاطفيًا بالاهتمام الشديد الذي يظهره تجاه تلك العلاقة وسعيه للمحافظة على استمرارها، في حين يتعلق هو بنا نفعيًا.

في النهاية، لا تخشَ، صديقي الإنسان، قول كلمة «لا!» في وجه كل من يستغلونك، وتذكّر دائمًا أن ذلك الاهتمام الزائف ليس نابعًا من وجدانهم، وإنما من جشعهم. أحيانًا، يكون أصعب جزء في الصداقة هو إدراك أنها لم تكن صداقة أبدًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة