الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، فلربما الكثير يتعجبون من هذا العنوان، ولعل بعضهم لا يلقي له بالًا، ظناً منه أنه لا يحوي في طياته أي جديد أو فائدة يمكن للمرء أن يستفيد منها، هذا ما يخيَّل للبعض أو يظنونه، لكن الحقيقة غير ذلك تماماً، فهذا العنوان من خلاله نضع النقاط على الحروف، ومن خلال ما سنعرضه من قصص للمرضى، وكيف يرون الأصحاء وهم ينعمون بما حباهم اللَّه من صحة، فيتمنون أن يكونوا مثلهم ولو للحظات قليلة، كان ذلك كافياً للاهتمام به، والسباحة في بحر حروفه، ومصارعة أمواج معانيه المتلاطمة.
فذات يوم زرنا رجلاً مريضاً، وكان ثرياً تاجراً إلا أنه اُبتلي بأمراض ألزمته الفراش لأعوام، وأنفق على مرضه عشرات الملايين إلا أنه بقي على حاله ولم يتحسن، بل ازداد المرض زاد ولم ينقص، المهم لمّا زرناه وجلسنا معه برهة من الزمن، لاحظنا أنه يلاحظنا بعين ملاقاة غريبة ثم انهمرت عيناه واغرورقت في دموع سائلة تكاد لا تفتر، فما كان منا إلا أن هدأنا من روعه، وحاولنا أن نسأله عن سبب بكائه، وقلنا له إن ما ابتليت به هو قدر من الملك العلام، وبالتالي لا داع للجزع والخوف، فالذي أعطاك المرض قادر على أن يذهبه عنك بين الفينة والأخرى، وأن اللَّه على كل شيء قدير، وأنت لازلت صغيراً، ولك من المال ما يجعلك تعيش سعيداً، ولو بدون صحة، فلا شيء ينقصك، فها هم الخدم يحيطون بك من كل جانب، والأطباء برنة هاتف من أدنى خادم من خدَّامك يتهافتون على بيتك، وأنت نائم على فراش وثير، وبيت واسع وجميع وسائل الحياة السعيدة تتوفر فيها، فلا شيء ينقصك، لكن المفاجأة هي لمَّا قال له محاوره هذا الكلام هل تتصورون بماذا أجابه؟
أجابه بقوله: ياصديقي، طبعاً لا ينقصني أي شيء، لكني في هذه الحالة التي أنا عليها، لا يهمني مال ولا تجارة ولا غنى ولا أي متعة أو لذة في هذا الكون كله، سوى الصحة، ولو كنت قادراً أن تهبني أوقية من الصحة أعطيتك أموالي كلها وعقارتي المنتشرة هنا وهناك في سبيل أن أطأ بقدمي هاته الأرض ولو ليوم أو يومين، ثم استطرد قائلاً: كنتُ في صحة وعافية، وكنت أظن أنه لا أحد يستطيع مصارعتي في ميدان المصارعة، وكنت أعدو بقدمي هاتين، عَدواً سريعا، وكنت أمشي لمسافات طويلة دون أن أصاب بوصب ولا نصب ولا تعب، لكني الآن وكما ترى أنا طريح الفراش ولسنوات عديدة، وبذلت الغالي والنفيس، والمال الكثير والوفير، في سبيل العودة إلى ما كنت عليه سابقاً، لكن هيهات هيهات!
لقد يئس الطبيب من علاجي، وبعد ما حسبل، وحوقل، واسترجع، قال لي بالحرف الواحد: ارجع إلى دارك، واجلس فيها إلى أن يحين اليوم الموعود للرحيل منها، فلا تتعب نفسك، فإنه لا أمل يبدو في الأفق القريب بالشفاء لك.
لذا أنا الآن أرى تاجاً من الصحة والعافية يتلألأ فوق رأسك، ضوؤه يملأ الآفاق، هذا التاج غالٍ وغالٍ جداً لا يستطيع شراؤه الملوك والرؤساء فضلاً عن التجار والأثرياء، بل هو تاج لا يقدر بثمن، هو أغلى من الدنيا وما فيها وما عليها، فإذا ما فقد الإنسان هذا التاج - أعني تاج الصحة والعافية - ضاع منه كل شيء، ولو حافظ عليه ولم يضعْه لن يخسر أي شيء، وصدق وايم اللَّه من قال: "إذا سألتم اللَّه فاسألوه العافية" جزء من حديث شريف رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وقال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ" حديث شريف، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فلما سمعنا منه ما كان وهو حديث السن بيننا، ووعينا كلامه، وأيقنا أن الذي يحدث به صادر من أعماق قلبه، وأن الزفرات والأنّات اللاتي كانتا تخرجان مع ثنايا كلامه، كان قلبه يكاد يخرج معهما من شدة التحسر والندم على ما فات، وكان بين الفينة والأخرى يكرر الجملة المشهورة على ألسنة العامة وهي: "اللي فرط اكريط"، وأحياناً يقول: "آه آه فرطنا فكرطنا"!
أما نحن الزائرون جميعنا أطرقنا برؤوسنا، وصمتنا صمتاً رهيباً كأن الغرفة ليس فيها أحد، ثم رفعنا رؤوسنا، وأعيننا اغرورقت بالدموع، خاصة ونحن نعرف مريضنا المزار كيف كان، وكيف انقلبت عليه الأحوال، فكان الناس يخشون مروره بمحاذاتهم لقوتة ولشدة عضلاته، فرجع إلى ما هو عليه الآن، وكل منا ألقى بحضرته كلاماً لمواساته، وأجمعوا على أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على صحته، وألّا يفرط فيها، وأن التفريط له عواقب وخيمة، وأن ما رأيناه بأم أعيننا، وسمعناه بصماخ أذنينا لأبرز دليل، وبرهان ساطع للمثال القائل: الصحة والعافية تاج فوق رؤوس الأصحاء، لا يراها إلا المرضى، وما ذكرناه من حال هذا المرض ما هو إلا قليل من كثير، من قصص كلها تصب في هذا المصب، فحافظ يا أخي على صحتك بشتى الوسائل والسبل، واعلم أنك لن تدرك قيمتها إلا بعد أن
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.