الصحة النفسية للرجل.. لماذا يختار بعض الرجال طريق القسوة؟!

المجتمع دائمًا ما يضع الرجل تحت إطار معين غير قابل للتغيير، وهو إطار الكمال المثالي، كان لا بد أن يكون دائمًا قويًّا، ناجحًا، قادرًا على تحمل أعباء الحياة مهما كانت قسوتها. هذا الضغط الاجتماعي على الرجل الكبير عليه يجعل بعض الرجال يختارون طريق القسوة للتعبير عن خوفهم وحزنهم وحتى إخفاقاتهم، فبدلًا من الاعتراف بها ومواجهتها يحولها إلى مشاعر قسوة وضغط على من حوله. فبدلًا من الاعتراف بالمشاعر ومواجهتها يبدأ في إسقاطها على من حوله، ظنًا بأن كتمانه وتظاهره بالقوة شيئًا إيجابيًا يحتاج إليه.

إن إهمال الصحة النفسية للرجل وتجاهل حقيقة أن كلنا، كبشر، وُلدنا في هذه الدنيا وبداخلنا صدمات وتجارب من الممكن أن تكون من الأسرة التي نشأنا فيها، أو من المجتمع، أو من التجارب التي مررنا بها، هو بداية السلوك العدواني عند الرجال.

اليوم، في زمن الانفتاح العلمي والثقافي، أصبح بإمكاننا معالجة مشاعرنا وسلوكنا بسهولة أكثر من أي وقت مضى. البحث على الإنترنت عن شعورنا، أو عن سبب غضبنا، أو عن كيفية التعامل مع الغضب والتحكم في انفعالاتنا أصبح متاحًا، وهذا يعطينا فرصة لفهم أنفسنا بصورة أعمق.

الاعتراف بالنقص ليس ضعفًا، بل هو وسيلة للتغيير. ليست كل المشكلات تُحل بالتغافل. كثير من المشكلات تُحل فقط بالاعتراف، ومواجهة الواقع كما هو.

لا أحد يُولد بمشاعر إيجابية كاملة، كل شخص لديه نقاط قوة ونقاط ضعف، بعض الناس يعلمون جيدًا ما يعيقهم في حياتهم ويبدأون بالعمل على نقاط ضعفهم وتقويتها، والعمل على نقاط قوتهم لإظهارها. في حين بعض الأشخاص يتغافلون عن مشكلاتهم، تاركين جروحًا وألمًا يمكن أن يؤثر في علاقاتهم الاجتماعية والأسرية، حتى على علاقتهم بأولادهم لاحقًا، وقد يكتشفون ذلك بعد فوات الأوان.

لماذا يلجأ بعض الرجال للقسوة والعنف؟ تحليل المشاعر المكبوتة

يتساءل كثيرون: لماذا يلجأ بعض الرجال للقسوة والعنف؟ يعود ذلك إلى أن كثير من الرجال، عندما يمرون بضغوط اجتماعية أو سياسية أو مادية، يُحولون مشاعر الضغط إلى التعنيف الجسدي والنفسي على زوجاتهم وأولادهم لأنهم يضمنون وجودهم، أو يُحولون مشاعر الغضب والرفض والخوف إلى مشاعر عنف وتعذيب. هذا التحول هو نتيجة مباشرة لـ تأثير الكتمان العاطفي على الرجل وتراكم المشاعر المكبوتة.

فبدلًا من الاعتراف بضعفه ومحاولة مواجهته، سواء كان هذا الضعف من الناحية المادية أو الاجتماعية، فلا يوجد شخص في هذه الدنيا ليست لديه مشكلات أو نقاط ضعف. فحتى الرسل والأنبياء حين عرض عليهم الله سبحانه وتعالى أن ينشروا الدين كان لديهم مخاوف كثيرة من الرفض أو عدم القبول أو حتى مواجهة المصير الموحش من الأعداء. فالاعتراف بالضعف ليس سيئًا، بل قد يكون أحيانًا وسيلة لتخفيف الألم وحل المشكلة بطريقة أكثر فهمًا وتقبلًا، وحتى لا يحدث نفور وخسارة للأشخاص الذين نحبهم.

إن أسباب القسوة عند الرجل غالباً ما تكون محاولة لإخفاء الضعف الداخلي، مما يجعل علاقة الضغط النفسي بالسلوك العدواني علاقة طردية شديدة الخطر.

تفسير السلوك: نظريات علمية في فهم الضغوط

يمكن تفسير أسباب العنف الأسري التي تندرج تحت السلوك العدواني عند الرجال عبر نظريتين نفسيتين أساسيتين:

1. نظرية الضمان العاطفي

الإنسان أحيانًا يسيء لمن يضمن وجودهم في حياته، مثل الزوجة أو الأم أو الأقارب، لأنه يفرغ ضغوطه على من يعرف أنهم لن يتركوه.

مثال: الرجل الذي يشعر بضغوط مالية أو اجتماعية أو عاطفية، بدلًا من الاعتراف بمخاوفه، قد يظهر عصبية أو قسوة على أقرب الناس له؛ لأنهم يمثلون الهدف الآمن لتفريغ الغضب.

2. نظرية الإسقاط

عندما يكون لدى الإنسان شعور بالنقص أو غضب داخلي، أو مشاعر سلبية، يحولها للآخرين بدل مواجهة نفسه. هذا الإسقاط النفسي هو آلية دفاع لا واعية.

مثال: الرجل الغاضب من نفسه يهاجم زوجته، لكنه في الواقع غاضب من ضعفه أو فشله.

الضغوط الاجتماعية على الرجل، وأنه لا بد أن يظهر دائمًا بمظهر قوي ماديًا واجتماعيًا أو حتى جسديًا، بأن يوفر دائمًا لأسرته اكتفاء ماديًّا واجتماعيًّا، حتى في لحظات ضعفه أو انهياره، أو في لحظات الضغوط السياسية التي لا يستطيع أن يفعل فيها شيئًا، دائمًا ما تضع هذه الضغوط الرجل تحت صورة مثالية غير واقعية بالمرة. فالشعور بالضعف والخوف هو جزء من الوجود، وأحيانًا يكون من الصعب على الإنسان التغلب على الظروف، ليس لضعفه بل لقوتها.

آليات التكيف: الفرق بين الهروب والمواجهة

كل شخص يتعامل مع الضغوط بطريقة مختلفة، وهذا ما يفسر اختلاف آليات التكيف. بعضنا يمر بأزمة ويصبح أقوى، وبعضنا الآخر قد ينهار مع ضغوط أقل. هذا يفسر لماذا نفس التجربة تؤثر في الأشخاص المختلفين بطرق مختلفة، ولماذا قدرة التحمل تختلف من شخص لآخر.

فيما يلي مقارنة توضح الفرق بين آليات التكيف الصحية وغير الصحية:

آليات التكيف غير الصحية (الهروب/الكتمان) آليات التكيف الصحية (المواجهة/المرونة)
تأثير الكتمان العاطفي على الرجل. الاعتراف بالضعف ومواجهة المخاوف.
السلوك العدواني والعنف. البحث عن الدعم النفسي المتخصص.
الإسقاط النفسي على الآخرين. التعبير العاطفي الصحي (كالكتابة أو الرياضة).
الإدمان والانعزال. العلاج الجماعي.

 

بعضنا يمر بأزمة ويصبح أقوى والآخر ينهار مع ضغوط أقل

تأثير الكتمان العاطفي على الرجل

أحيانًا الاعتراف بالضعف لا يجعلنا نصل إلى حل، ولكن يجعلنا نشعر بالأمان، أو مشاركة خوفنا مع من حولنا تقلل من إحساسنا بالضغط وتجعل تقبلنا للمصير أقل خوفًا، وحتى لو كان الموت.

قصة الرجل المريض: كان هناك رجل يمر بأزمة صحية كبيرة... كان يفكر في الموت ويخشى الرحيل ويخشى وحشة القبر، ولكنه كان يخفي ألمه عن أسرته حتى لا يكون عبئًا عليهم. فبدلًا من أن يخبرهم أنه يعيش أيامه الأخيرة كان يعاملهم بعنف وقسوة لأنه يمر بضغوط صحية. وفي يوم من الأيام قال له طبيب إنه سيحتاج إلى إجراء عملية، ومات بالفعل في أثناء إجرائها. بعد نحو عام من المشكلات الأسرية اللانهائية اكتشفت أسرته أنه كان يخفي ألمه عنهم.

التحليل: أنا أختلف مع هذا الرجل في أمرين: مشاركة الألم مع من حولك تقلل من إحساسك بالخوف، كما تقلل من إحساسهم بالضغط. من الممكن حقًّا أن دعم أسرته له يساعده على تخفيف الألم والخوف، بل ويساعده أيضًا على البحث عن حلول أكثر، فالفكرة عندما توضع في المخ تكبر ويزداد الخوف.

الدعم النفسي والحلول: كيف يساعد الاعتراف بالضعف؟

الاعتراف بالضعف أو الخوف ليس شيئًا سيئًا، وإنما هو تعبير إنساني عادي جدا. فحتى الأنبياء وهم أكثر الناس فضلًا عند ربهم اعترفوا بخوفهم وعجزهم وحتى حزنهم.

العلاج الجماعي

يُعد العلاج الجماعي دليلًا علميًّا على أهمية المشاركة؛ لأن مشاركة التجارب والمشكلات مع مجموعة من الناس تقلل شعور الفرد بالوحدة والعزلة، وتتيح له طرح حلول واقعية من وجهات نظر مختلفة.

فوائد العلاج الجماعي والدعم النفسي

  • الإحساس بعدم الوحدة (كسر العزلة الناتجة عن الكتمان).
  • الحصول على حلول أكثر واقعية للمشكلات.
  • تقليل الضغط النفسي (إفراغ الشحنة العاطفية).
  • تعزيز التعاطف وفهم الآخرين.

الرسالة العملية والخلاصة

الحياة مملوءة بالصدمات والمخاوف والضغوط، ولكل واحد منا طريقته في التعامل معها.

  • الاعتراف بالضعف والشعور بالنقص هو قوة.
  • مشاركة الألم مع الآخرين تخفف العبء النفسي.
  • التعامل مع مشكلاتنا بوعي يجعلنا أكثر مرونة، وأكثر قدرة على فهم العلاقات والتعاطف مع الآخرين.
  • كيف يساعد الاعتراف بالضعف على تحسين العلاقات؟ إنه يبني جسرًا من الأمان والثقة بدلًا من جدار الكتمان والعنف.
  • كل شخص يختار كيف يتعامل مع صدماته: إما أن تجعله أقوى، أو تجعل منه شخصًا أكثر قسوة أو انعزالًا.

مشاركة الألم مع الآخرين تخفف العبء النفسي.

الرجل تضعه الحياة في كثير من الضغوط، ومن أكثر الضغوط التي أراها أنا هي دائمًا بحث الرجل عن الكمال، أو ألا يظهر ضعفه أو حزنه. ظهور الضعف والحزن هو شيء إنساني عادي جدا، فحتى الرسول صلى الله عليه وسلم عندما ماتت زوجته السيدة خديجة وعمه، من شدة حزنه عليهما، سمي هذا العام عام الحزن.

لا تخف أبدًا من الاعتراف بمشاعرك، فبدلًا من التعامل مع مشاعرك بشيء من العنف والقسوة اعترف بها لكي تجد حلولًا خارج حدود تفكيرك، وحتى تقلل الضغط على نفسك ومن حولك، أنا لا أقول إن كل الرجال الذين يعاملون زوجاتهم وأطفالهم بعنف يمرون بضغوط اجتماعية، ولكن بعض الأشخاص يظهرون القسوة وهم بداخلهم وجع كبير.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة