كيف تُجيد اللغة الإنجليزية في عشرة أيام، كيف تُصبح مليونيريًا في أسبوعين..
كيف تُعدّين البسكويت في عشر دقائق، وكيف تتخلص من حزنكَ في دقيقتين..
هذه الإعلانات الصاخبة قد تبدو واعدةً في البداية، لكنها في الواقع تفتقر إلى العمق والجودة، وتُسوّق لوهم الإنجاز السريع.
التكنولوجيا وقانون الانتظار
هي أحد الأشياء التي روَّج لها العصر الحديث، فكرة السرعة وقَضم أيدي الجمال لكل شيء قد يستغرق زمنًا طويلًا، واختزالهُ في مدةٍ زمنيّةٍ أقل.
مع تطوُّر التكنولوجيا، أصبحت كل الأمور تنجز بسرعة كبيرة، إذ يكفي الضغط على زر واحد لتجد ما تبحث عنه، ما ولَّد إحساسًا لدى الناس بأنَّ الانتظار ليس جزءًا من الحياة.
وهذا المفهوم المغلوط تناوله الكاتب (ام جيه رايان) في كتابه «قوة الصبر»، إذ يقول: إنّ الانتظار هو جزءٌ لصيقٌ بالحياة، فزرع الثمار وحصدها لا يكون في ذات اللحظة، بل يمر بمراحل من الانتظار حتى تُؤتي الثمار أُكلها.
بهذا تحوَّل الصبر من مهارة تساعد على التعلم، إلى مهارة يجب تعلُّمها أوّلًا، فالتكنولوجيا التي ساعدت في إنجاز المهمات في وقتٍ أقل، أدّت إلى الإصابة بنفاد الصبر، واللهث وراء إنجازاتٍ وهمية سريعة تُحقق نشوةً مُؤقّتة.
أهمية التدرب على الصبر
ما لا يعقله المرء أنّ الأشياء يجب أن تأخذ وقتها الكافي في النمو، كل شيءٍ في الحياة يحتاج إلى أن يُعاش على مهل؛ بتلك الطريقة التي تشرب بها عصير الفراولة، مُتذوّقًا كل البذور الصغيرة المطحونة في الكأس، وسامحًا لروحك أن تتمرَّغ في حلاوة أبسط التفاصِيل.
أن تقتنِي الأشياء بعناية فائقة، وأن تصنع الطعام بحبٍّ وشغف دون الالتفات لتدفُّق الزمن، أن تقتطع من وقتك ولو القليل حتى تدسّ الاهتمام في جيوب الذين تُحبهم، وأن تسير بهدوء، وسط عالمٍ يركض مُتناسيًا أنَّ الوقت حين يتدفَّق من دلو الأيام فلن يعود مُجددًا.
وأن تفسح المجال لحزنك حتى يأخذ مساحته الكاملة من الشعور، لكن على كل حال لا تنسَ أنه سيغرب.
كل شعورٍ يجب أن يأخذ حقه الوافِر، وكل رحلةٍ يجب أن تُعاش بعقباتها وصراعاتها وخيباتها، وما الحياة في مُجملها سِوى استشعارٌ للجمال المُتواري خلف الأشياء، واستمتاعٌ بالتفاصيل التي داسها قطار السرعة.
وقد يكون ما يفتقده المرء ويبحث عنه طِيلة حياته هو أن يعِيش حياةً ممتلئةً بالمعاني.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.