لا شك أن الصبرَ من أحسن الشمائل، وقد حضَّت عليه كل الشرائع السماوية. ولعل السر في ذلك أن الإنسان ولا بد يعالج أمرين متضادين: فهو ينطوي على رغبة في تحقيق شيء، وفي المقابل يعالجُ صنوفًا شتى من العوائق. فكأنَّ المرءَ وهو ذاتٌ واحدةٌ يُتَنَازَعُ بين قوتين مُتعاكستين.
ومن ثمَّ فهو أمام خيارين لا بد منهما: المقاومة أو الاستسلام. فإن هو اختار الاستسلامَ؛ فقد استراحَ مؤقتًا! وإن أبى إلا تحقيقَ أهدافه؛ فهو يحتاجُ إلى زادٍ من الصبر يتناسب طرديًا مع صعوبة أهدافه، وقوة العوائق العارضةِ له في طريق التحصيل.
فإن قيلَ: وكيفَ يكون المستسلم قد استراح؟ فالجوابُ أنه لما تركَ المقاومةَ واسترسلَ مع الواقع واستسلمَ له؛ فقد استراحَ ولكنْ مؤقتًا. وأما كونه مؤقتًا؛ فلأنه يشبه من وجهٍ مَن لا أهدافَ له أصلًا، ولكنه من وجه آخر يتألم ويئنُّ مِن البينونةِ بين رغائبه ومساعيه. ومن ثمَّ كانَ الصبرُ -على ما فيه من الألم والمرارة- هو أنجعُ الطريقتين وأصوبُ الاختيارين!
تعريف الصبر
فالصبر لغة هو حبسُ النفس على ما تكره شريطةَ أن يؤدي هذا الحَبسُ إلى خيرٍ أعظم. فكأنه بهذا التعريف هو البيئة الحاضنة للأهداف. وهذا القيد: أن يؤدي الحبسُ إلى خيرٍ أعظمَ؛ هو في الواقع لُبُّ مقالتنا. فنحن نتحدث عن الفرق بين الصبر الذي هو فضيلة، والصبر الذي هو هروبٌ من الواقع. فمتى صبرَ الإنسانُ على واقعه دونَ أن يؤدي صبره إلى تقريب أهدافه؛ فهو صبر مذموم. ولا يعدو أن يكونَ هروبًا من تحمل المسؤولية.

متى يكون الصبرُ فضيلةً ومتى يتحول إلى هروب؟
جواب الشطر الأول من السؤال: هو عندما يكون الصبرُ بمثابةِ البيئةِ الحاضنة للأهداف، عندما لا يكون مجرد السكونِ وعدمَ فعل أي شيء. فغالبًا ما يتبادرُ للذهن أن الصبر فعل سلبي، أو هو عدم الفعل مطلقًا! وهو بهذا القصور ينقل الكُسَالَى وضعافَ العَزمِ إلى مَصافِّ الصابرين!
والحقيقة أن الصبرَ هو حَبسُ النفس على الفعل لا حبسها على السلبية والاستكانة للواقع. هو إرغامُها على فعل الصوابِ عندما تدعوك كل الظروف لفعل الشيء الخاطئ، وعلى العملِ عندما يحضك المحيط على الكسل والراحة، وعلى الثباتِ على المبدأ عندما يحدوكَ كل شيءٍ للانصرافِ عنه، وعلى البقاء في موضع الفعل عندما يفقدُ الآخرونَ مواضعهم.
هناك مَن يصبرُ على البقاء في منطقة الراحة القاتلة، وهو يظن نفسه من الصابرين! والواقع أن الصبرَ بضدِّ ذلك. فإن مقاومةَ الراحة والتسامي فوق الشهوات هو جوهر الصبر. إن صبرًا على الكسل وسلوك الأخطاء نفسها هو نوع من الهروب وليس من الفضيلة في شيء. فمثلُ مَن ظنَّ ذلك كمثلِ مَن ظنَّ المجدَ تَمرًا يأكله أو حريرًا يلبسه. ولله در القائل:
لا تحسبنَّ المَجدَ تَمرًا أنت آكله *** لن تنالَ المجدَ حتى تلعقَ الصبرَ
فهما طريقان لا ثالثَ لهما؛ إما صبرٌ يعقبه مجدٌ، وإما هروبٌ يعقبه حسرةٌ وأنين. فأما الأول فهو احتمالُ المشقة وحبسُ النفسِ على الثباتِ دونَ الهروب. وتلك المشقة هي التي قال فيها القائل:
لولا المشقة سَادَ الناسُ كُلُّهُمُ *** الجُودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ
فاحتمال الجود وبذل المال هو الصبر، وكفُّ الأيدي عن البذل، والجوارح عن العمل هو الهروب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.