ما أقل من يعرفون من أدباء هذه الأيام، وحتى الذين طال لهم الباع، وامتد لهم الظل، علمًا من أعلام الأدب العربي، الذين كانت تحتفل بروائعهم كبريات الصحف والمجلات في مصر، احتفالها بشاعريها الكبيرين شوقي وحافظ!
ما أقل من يذكرون الشيخ عبد العزيز البشري، الذي زامل خليل مطران في مرحلة رئاسته لتحرير جريدة الأهرام، وأمتع قراء السياسة الأسبوعية التي كان يرأس تحريرها محمد حسين هيكل باشا، ولا يكتب فيها إلا أساطين النهضة الأدبية في أوائل القرن الماضي، وفي مقدمتهم المرحوم إبراهيم عبد القادر المازني، والدكتور طه حسين، وعبد الرحمن شكري، وعباس حافظ، وعباس محمود العقاد، ولطفي السيد.
وهم الذين لا يزال الأدب العربي مدينًا لهم بالوثبة الكبرى التي انتشلته من وهدة الانحطاط والجمود، وبعثت في أعطافه انتفاضة التطور والانطلاق.
من هو الشيخ عبد العزيز البشري؟
يُعد الشيخ عبد العزيز البشري واحدًا من أبرز أدباء مصر في العصر الحديث، ولد بالقاهرة عام 1886م ونشأ في كنف أسرة علمية عريقة؛ إذ كان والده الشيخ سليم البشري شيخًا للأزهر الشريف. سار عبد العزيز على نهج عائلته فالتحق بالأزهر ونهل من علوم الدين واللغة، وتتلمذ على يد كبار العلماء مثل السيد المرصفي، مما صقل ملكته البيانية ومنحه لقب "جاحظ العصر الحديث" نظرًا لأسلوبه الساخر والبارع.

شغل البشري خلال حياته العملية عدة وظائف، كان من أهمها عمله مراقبًا إداريًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، كما نال عضوية مجمع اللغة العربية بدمشق. تميز إنتاجه الأدبي بالتركيز على المقالة التي اتخذ منها وسيلة للتعبير عن رؤاه النقدية والاجتماعية، ولم يتجه لتأليف الكتب المنهجية إلا استجابة لطلب وزارة المعارف، فقدم كتبًا في التربية الوطنية والأدب المعاصر.
من هو سليم البشري والد الشيخ عبد العزيز؟
والده هو الفقيه العلامة النحدث الشيخ سليم بن أبي فراج بن السيد سليم المالكي، شيخ الأزهر الشريف، والذي تأسست هيئة كبار العلماء في عهده، وأشبح أول رئيس لها.
وفي عهده صدرت لوائح وقوانين تعد أساسًا للإدارة ونظم التعليم في الأزهر والمعاهد الدينية حتى سبعينيات القرن العشرين.
أدب عبد العزيز البشري
لم ينشر البشري كتبًا كما فعل نظراؤه بل برع في كتابة المقالات النقدية والاجتماعية والوصفية، حتى شابه أسلوبه أسلوب الجاحظ، وتحدث في مقالاته عن موضوعات عدة مثل السياسة والاقتصاد والفن.
واتسم منهجه الأدبي بمزج الجد بالهزل بأسلوب رصيق وجذاب، وكان يرى ضرورة أن يكون الأدب العربي معاصرًا في جوهره وأصيلًا في شكله، بحيث يستفيد من الآداب الغربية دون أن يفقد هويته أو يخرج عن الذوق العربي المألوف.
وقد رصد في كتاباته ملامح المجتمع المصري بمختلف فئاته، من سياسيين وفنانين وعامة الشعب، واصفًا تفاصيل حياتهم بدقة وظرف.
مكانة البشري في عالم الأدب
يصعب أن نقول إن عبد العزيز البشري يكاد يكون الوحيد بين أدباء مصر في مطلع القرن الماضي إلى ما بعد الثلاثينيات منه، الذي لم يُفرغ لدراسته والترجمة له الدارسون والمترجمون والمحققون، ولكننا لا نتردد في أن نؤكد أنه ظل أقل الأدباء حظًا من اهتمام الدارسين، فإذا كانت قد ظهرت أو صدرت دراسة عنه أو ترجمة لحياته، فهي لم تحظَ بما هي خليقة به من عناية والتفات.
ونستطيع أن نعي مكانة البشري، حين نقرأ لشاعر القطرين خليل مطران مقدمته للجزء الأول من «المختار» لهذا الكاتب الفحل، إذ نجده يقول: «إنه (ويعني البشري).. أعرف من كل معرّف بين الناطقين بالضاد في مشارق الأرض ومغاربها.. فلقد سامني من هذا التقديم ما ليس بيسير.. على أني سأطلع من ثنايا مباحثه إلى ذروة أرفع عليها علم أدبه، وسأقتبس من آيات نبوغه ما أجلو به -للمطالعين- أمثلة من صور فضله».

ثم يقول خليل مطران: «وبعد.. فلم لا أقف من هذا الكاتب (ويعني المختار) موقف الدليل من المتحف، فهو في الحق متحف حافل بالمفاخر، وكل طرفة من طرفه جديرة بأن تُطالَع في تدبّر ورويّة».
والجزء الثاني يقدمه الدكتور طه حسين -الذي لقبه بـ"كاتب النيل"- وعلى ما نعرف من حرص الدكتور طه على أن يُظهر ما يعانيه من ضيق الوقت، ومن تزاحم الراغبين في أن يقدّمهم إلى القراء، فإننا نجد عميد الأدب العربي يقول:
»رغبتُ إلى الأستاذ الصديق عبد العزيز البشري في أن أقدّم الجزء الثاني من كتابه المختار، فتأبّى عليّ وأظهر امتناعًا ثم التواء.. ولم أظفر منه بما أردتُ إلا بعد جهد وإلحاح. وما رغبت إليه في ذلك لأعرّفه إلى الناس، وقد عرفه الناس قبل أن يعرفوني. ولا لأقدّم كتابه إلى القراء، فليست آثار البشري من الآثار التي تحتاج إلى أن تُقدَّم بين أيديها المقدمات.. وإنما رغبت إليه في ذلك لأني أرى له دينًا في عنقي وفي عنق كثير من المثقفين في هذا الجيل.. الذين يحبون الفن الرفيع من الأدب ويحرصون على الاستمتاع به».
ثم يقول الدكتور طه حسين:
»كل هؤلاء المثقفين قد وجدوا عند البشري -منذ أوائل هذا القرن- ما يرضي حاجتهم إلى الأدب العالي والفن الممتاز.. وكلهم مدين له بساعات حلوة قضاها مستمتعًا بلذّة موسيقية رائعة كان يشترك فيها سمعه وقلبه وعقله.. وأيسر ما يجب للبشري عند هؤلاء أن يعترفوا له بالفضل، ويُسجّلوا له على أنفسهم هذا الجميل، ويشهدوا الأيام على أنهم ليسوا من الجحود والعقوق إلى حدٍّ يُقصّرون فيه في ذات كاتب عظيم، كذلك الكاتب العظيم».
مقتطفات من كتابات عبد العزيز البشري
والآن، مع نتف من أدب هذا الكاتب العظيم.. فهو يقول تحت عنوان «مفتش عموم»:
«اعترضني اليوم في مَقْفَلي من الديوان شاب أنيق الملبس.. لعله طالب في إحدى المدارس العالية أو في السنين الأخيرة من التعليم الثانوي، وقال لي: «يا عم، كم الساعة الآن؟» فطالعت ساعتي وقلت له: «الساعة 2 وسبع دقائق»، فحسر كمه الأيسر، فانكشف عن ساعة ذهبية ونظر فيها وقال: «لا.. لا.. ساعتك مؤخرة أربع دقائق»، ثم خلّى بيني وبين الطريق.. وانطلق لطيّته.. وبعد أن أجَلتُ ظني في شأنه، أدركتُ أنه ربما كان.. مفتش عموم الساعات..».
ويصف شابًا من شباب تلك الأيام، وليته رأى شبابنا في هذه الأيام.. ونجدُه يقول: «لقد أرسل سالفيه حتى حاذتا سُفلى شفتيه، ورفع طرفي شاربيه حتى شارفا وجنتيه، وبالغ في تزيين هذا الشارب وتنسيقه، حتى ما ترى فيه شعرة تميل عن صفها، أو تنحرف عن موقفها، كأنما هو «قرة قول شرف» يفتشه قائد عظيم..
وقد نصب على رأسه طربوشًا طويلًا استهلك أصله جبينه الدقيق.. وقد ركب على عينه اليسرى «مونوكل» مؤطّرًا بالذهب، ودسّ في فمه سيجارًا طويلًا غليظًا.. ولستَ تراه إلا ثانيًا معطفه على ذراعه اليسرى، ولو نزلت درجة الحرارة عن 5 تحت الصفر.. وإن مما يطير نومي أحيانًا أنني لم أهتدِ بعد إلى الوقت الذي يتخذ فيه هذا المعطف كما يتخذه سائر الناس.. فإذا التفتَ رأيتَه يلتفت جميعًا. كان ما بين رأسه وكتفيه كتلة من الخشب لا تلين ولا تنثني، وذلك كله خيفة اختلال القيافة باختلال شعر الشارب».
في النهاية ترك شيخ الساخرين إرثًا أدبيًا قيمًا جُمع أغلب ما فيه من مقالات في كتب شهيرة، من أبرزها قطوف، والمختار، والمرآة. وظل مخلصًا لقلمه حتى وفاته في القاهرة عام 1943م، مخلفًا وراءه مدرسة فريدة في النقد الاجتماعي والأدبي تتسم بالعمق والفكاهة في آن واحد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.