الشيب والليل

الليل والشيب، هل هما قرينان، هل يمكن ان يكون كلاهما تعبير عن فقدان حاسة تذوق حلاوة الحياة وبهجتها، وعلامة التعب والمشقة في تحصيل المراد، مع عدم القدرة والألم، وفقدان التمتع والابتهاج، فالبهجة والاستمتاع بحلاوة الحياة، يعتقد الكثيرون أنهما لا يُتحصلان إلا في ضوء النهار ووضوحه، وحين شباب الجسد وعنفوانه، مع الاعتراف بأن لذه الدنيا اختلاس، والاختلاس وقته ليلاً كما هو معلوم، لكن اختلاس الشاب طبعاً يختلف عن اختلاس (الشايب)، ومهما حاول الإنسان أن يقنع نفسه، بأن الشباب إنما هو شباب القلب، فإن للعمر أحكام كما يقال، وليس المشيب كالشباب، يقول الشيخ الليبي المصراتي الشاعر محمد حسن عبدالملك:

 أتزعم أن تكون وأنت شيخ

                                       كما كنت في زمن الشباب

لقد كذبتك نفسك أي ثوب

                                       قديم كالجديد من الثياب

وقبله قال الشاعر العربي القديم:

فيا ليث الشباب يعود يوما

                                       لأخبره بما فعل المشيب

وعندما سأل احد الشعراء الشعبيين عن سبب ضهور الشيب في رأسه فقال:

أول شيب من زوجه عطيبه      ---        وثاني شيب من قلة المال

وثالث شيب من عيل تجيبه       ---        يطلع طالح ما بين العيال

ورابع شيب يا مطول سريبه     ---        وخامس شيب من ظلم الرجال

أما الليل، فهو رفيق العُشاق والمُحبين، وسجن العاشقين والوالهين، وهو طويل عليهم، فليل العاشقين طويل، كما قال غير واحد من شعراء الحب والشوق.

قال الشاعر الشعبي:

الليل عند ايلي تهنا ساعه      ...     ويطوال ع ايلي كثرات أوجاعه

 

وهو كذلك رفيق المريض، خاصة من هاجمته أوجاع الأسنان. وقلما يتغزل الشعراء بالليل، بالرغم من كثرت ذكره لهم في أشعارهم وقصصهم، فهو رفيق أحزانهم، وموضع أشجانهم، ووقت تخيلاتهم، واشتداد برد الفراق عليهم، لكن شاعر ليبي قديم، مجهول اسمه للأسف، كسر ذاك الأمر، وشذ عن تلك القاعدة، وتمنى لو أن ليله يطول، بل وتمنى غياب الصباح، الذي أفسد سواد ليله، وشبه بياض نوره حين هجومه على سواد الليل، بقبح هجوم بياض الشيب على سواد شعر الرجل الشاب، فقال:

من يشتري مني النهار بليلة

                            لا فرق بين نجومها وصحابي

أتى الصباح ولا أتى وكأنه

                           شيب أطل على سواد شبابي

 

 

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب